توصل فريق من العلماء إلى أدلة جديدة تؤكد أن بعض أنواع الالتهابات البكتيرية -التي عادةً ما تسبب أضرارًا بالغة الخطورة- لا تكون في الغالب ناجمةً عن نوع واحد من البكتيريا، بل تنتج عن اتحاد سلالتين من النوع نفسه، مختلفتين في التركيب الجيني، مما يزيد من قدرتها على مقاومة المضادات العلاجية، وبالتالي تتسبب في تفاقُم العدوى.

ولم يكن من المعروف سوى عدد قليل للغاية من تلك الإصابات متعددة الميكروبات، نظرًا إلى أن الأساليب التشخيصية التقليدية كانت تتعامل معها باعتبارها ناتجةً عن ميكروب منفرد.

وأجرى الفريق -الذي ضم علماء دوليين، من بينهم باحثون في جامعة ماريلاند، ومن الفرع الطبي بجامعة تكساس- دراسة اعتمدت على التحليلات الوراثية للتركيب الجيني، للكشف عن كيفية عمل سلالتين مختلفتين من نوع واحد من البكتيريا آكلة اللحم، ليشكلا معًا اتحادًا أكثر خطورةً مما تمثله كل سلالة بمفردها، وتم نشر نتائج هذه الدراسة في دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS).

تقول "ريتا كولويل" -الأستاذة بمعهد دراسات الكمبيوتر المتقدمة في جامعة ماريلاند، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا البحث يقدم دليلًا واضحًا على أن العدوى شديدة الخطورة التي كان يُعتقد أنها ناجمة عن نوع واحد من البكتيريا يتكاثر طبيعيًّا، هي في حقيقتها ناتجة عن سلالتين مختلفتين".

تضيف "كولويل" أن "إحدى السلالتين تقوم بإنتاج السموم التي تخترق الأنسجة العضلية، وهو ما يسمح للسلالة الأخرى بالانتقال عبر شبكة قنوات نقل الدم، وإصابة أعضاء الجسم بالعدوى".

وتم تشخيص العدوى الأصلية لمريض أصيب بتآكل اللحم الحاد، المعروف بمرض "التهاب اللفافة الناخر"، باعتبار أنه مرض نتج عن عدوى بميكروب منفرد، ومن خلال أساليب التشخيص التقليدية تم تحديد نوع البكتيريا المسببة للعدوى، وتسمى بكتيريا "غازية قؤوبة" (Aeromonas Hydrophia)، إلا أن المضاعفات تفاقمت سريعًا وبشكل مميت، مما تطلَّب اللجوء إلى بتر الأجزاء المصابة من جسم المريض بأربعة أضعاف المعدلات المعروفة، الأمر الذي أثار حيرة الأطباء.

ومن خلال إجراء التحليلات الوراثية اكتشفت "كولويل" وجود اختلافات جوهرية بين سلالتين من الميكروب، لم يمكن اكتشافها عن طريق أساليب التشخيص القياسية.

وفي دراستين سابقتين، تمكنت "كولويل" وزملاؤها من عزل وتحديد سلالتين من البكتيريا المسببة للعدوى، يتميزان بوجود اختلافات وراثية بينهما، أطلقوا على الأولى اسم "التهاب اللفافة الناخر 1" (NF1)، والثانية "التهاب اللفافة الناخر 2" (NF2)؛ وأظهرت الدراسات المعملية أن كلتا السلالتين منفردة لا تنتج عنها عدوى مميتة في حد ذاتها، ولكن عندما يتحدان معًا تصبح العدوى التي يتسببان بها أكثر فتكًا.

وفي الدراسة الحالية، تلاعب الباحثون في التركيب الجيني لكل سلالة، بتبديل بعض المكونات المتباينة بين السلالتين، ومن خلال ذلك نجح العلماء في جعل الميكروب من سلالة (NF1) يتصرف بشكل مماثل لميكروب (NF2) أو العكس، وبتطبيق هذه الاختبارات على فئران التجارب، تمكن الفريق من تحديد طريقة تأثير التغيرات الجينية على قدرة كل سلالة على التسبب في العدوى، والتفاعل مع السلالة الأخرى.

وترسم الدراسات الثلاث مجتمعةً صورةً واضحةً لكيفية تصرُّف كلتا السلالتين (NF1) و(NF2) في حالات العدوى، سواء كانت منفصلة لكل سلالة على حدة، أو عند اتحادهما معًا، وتُظهر الدراسة الأخيرة أنه في حالة العدوى المنفردة بسلالة (NF1) تبقى الإصابة موضعية، ولا تنتقل إلى مجرى الدم أو أعضاء الجسم، ويمكن مقاومتها عن طريق الجهاز المناعي، أما في حالة الإصابات المتعددة فتتحد السلالتان معًا، إذ تقوم (NF2) بإنتاج مواد سامة تخترق الأنسجة العضلية، فيسمح ذلك بانتشار (NF1) في مناطق أخرى من الجسم، مما يجعل العدوى مميتة.

وعبرت "كولويل" عن شعورها بالتفاؤل للنتائج التي توصلت إليها الدراسة، مضيفةً: "من خلال التحاليل والدراسات الجينية، أصبح لدينا الآن القدرة على تحديد العوامل الفردية المرتبطة بالعدوى متعددة الميكروبات، وباستخدام هذه الأساليب الحديثة، يمكننا تحديد كيفية عمل الميكروبات معًا، سواءً كانت جراثيم أو فيروسات أو طفيليات".

تقول "كولويل": القدرة على تحديد العوامل المرتبطة بالعدوى متعددة الميكروبات -سواء كانت ناتجة عن أنواع مختلفة، أو سلالات متباينة لنوع واحد- يمكنها تعزيز فرص علاج المرضى المصابين بهذا النوع من العدوى الفتاكة بشكل كبير.