أمام مطار شارل ديجول الدولي بمدينة باريس، وقف كلٌّ من "جاريت كامب" و"ترافيس كالانيك" تحت مظلة تقيهم تقلبات الجو، كان المطار مزدحمًا بشدة، والأمطار تهطل بغزارة، وأعداد القادمين في تزايُد مستمر، حاول "جاريت" استيقاف تاكسي لنقله إلى الفندق الذى يعتزم الإقامة فيه طيلة فترة عقد مؤتمر تكنولوجي في العاصمة الفرنسية، إلا أنه لم ينجح في الأمر إلا بعد مرور عدة ساعات.

حين وصل "كامب" إلى الفندق، فكر في طريقة تُغْني المسافرين عن الانتظار الطويل أمام بوابات المطار. لمعت في ذهنه فكرة تطبيق على الهاتف المحمول، يُساعد الناس على طلب سيارات الأجرة قبل وصولهم، أبلغ صديقه "كالانيك" بالأمر، فكان له رأي آخر.

فأعداد سيارات الأجرة في المدينة المليونية لا تكفي الطلب عليها، وبالتالي ففكرة تطبيق يعتمد على سيارات الأجرة لن تُجدي نفعًا، طور "كالانيك" الفكرة، وقرر استخدام سيارات "الملاكي-الخصوصي" عوضًا عن سيارات الأجرة. وفي يونيو 2009، ومن داخل مدينتهم الأم "سان فرانسيسكو" بدأ المشروع برأس مال 200 ألف دولار، وبعد أشهر قليلة انتشر التطبيق كالنار في الهشيم، ليغزو دول العالم، مُسجلًا علامةً فارقةً في تاريخ خدمات النقل، علامة أيقونية معروفة الآن على نطاق واسع تحت اسم "أوبر".

والآن تُنجز "أوبر" نحو 14 مليون رحلة كل يوم، بعدد سائقين يبلغ 3.9 ملايين سائق في أكثر من 65 دولة و600 مدينة، وصلت إيراداتها في عام 2018 إلى نحو 11.3 مليار دولار أمريكي، وارتفعت قيمتها السوقية لتبلغ نحو 72 مليار دولار أمريكي.

تُعد "أوبر" إحدى شركات النقل التي تستخدم تكنولوجيات الاتصال الحديثة للوصول إلى زبائنها، وتزعم أن لديها القدرة على جعل حركة السير داخل المدن أكثر يُسرًا عن طريق تقليل ملكية السيارات الشخصية. ولكن، هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث تُشير إلى عكس ذلك الأمر، منها الورقة العلمية المنشورة مؤخرًا في دورية "ساينس أدفانسز" التي تصف بدقة التأثير السلبي على حركة المرور. إذ إنه وفقًا لنتائج الدراسة، فإن شركتي "أوبر وليفت" جعلتا الحركة المرورية أسوأ بكثير في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، التي يقع فيها المقر الرئيسي لكلتا الشركتين.

فمؤخرًا، تشهد تلك المدينة واحدةً من أسوأ الحركات المرورية منذ سنوات، وتقول الدراسة إن جزءًا كبيرًا من تلك المشكلة يقع على عاتق شركات شبكات النقل التكنولوجية، فوفقًا للنتائج، زاد الازدحام المروري في سان فرانسيسكو بين عامي 2010 و2016 بنسبة 60% تقريبًا، وتؤكد الورقة العلمية أن شركتي "أوبر وليفت" مسؤولتان عن أكثر من نصف تلك الزيادة.

تقدم شركات النقل التكنولوجية خدمات ركوب عند الطلب، ويحتمل مبدأ المشاركة بين الركاب، إذ يطلب المستخدم رحلة عبر هاتفه المحمول، يقوم التطبيق المُحمل على الهاتف بالعمل كجسر بين المستخدم وأسطول من السيارات، وتشدد الدراسة على أن تلك الشركات نمت بسرعة خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2016، سيطرت على 15% من جميع رحلات السيارات داخل سان فرانسيسكو، وهو ما يعادل 12 ضِعف عدد رحلات سيارات الأجرة.

وتقدم تلك الشركات نفسها على أن لديها القدرة على تقليل الاعتمادية على السيارات الخاصة، كما تزعم قدرتها على تقليل الازدحام وجعل التنقل أفضل، عبر تحفيز المسافرين على استخدام أساطيلها المملوكة للغير بديلًا عن سياراتهم.

بدأت الدراسة بفكرة جاءت لـ"جريجوري إرهارت"، وهو أستاذ الهندسة المدنية المساعد بجامعة كنتاكي، علاوة على كونه خبيرًا في نماذج النقل والتنبؤ بالحركات المرورية.  يقول "جريجوري" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إنه وضع افتراضًا معاكسًا لادعاءات شركات النقل، فـ"ماذا لو كانت شركة أوبر تُسهم في زيادة الحركة المرورية؟". وبمجرد صياغة تلك الفرضية، تواصل "جريجوري" مع هيئة النقل بمدينة سان فرانسيسكو؛ للحصول على البيانات الخاصة بحركة المرور في شوارع تلك المدينة.

كان الهدف الرئيسي من الدراسة هو تقديم صورة تصف الوضع "قبل" و"بعد"؛ فقبل عام 2010، لم يكن من الشائع استخدام التطبيقات الخاصة في حركة النقل، وفي عام 2016، أصبحت تلك التطبيقات "مهيمنة"؛ إذ يستخدمها الكثيرون لطلب السيارات والتنقل بواسطتها. وضع الباحثون عدة معايير أخرى في الاعتبار، منها على سبيل المثال النمو السكاني والتغييرات التى طرأت على نظام النقل في المدينة وزيادة عدد السيارات الخاصة.

كان التحدي الكبير في الدخول في هذا المشروع هو الوصول إلى البيانات. ولمعرفة إذا ما كانت أوبر وليفت يُسببان ازدحامًا مروريًّا أم لا، توجَّب على الباحثين مخاطبة تلك الشركات للحصول على خطوط سير السيارات، إلا أن الشركات تتردد كثيرًا في مشاركة المعلومات مع الحكومات أو حتى الباحثين الأكاديميين؛ بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، وخوفًا من الإضرار بمزاياها التنافسية.

سبَّب ذلك النقص الحاد في المعلومات تضاربًا في نتائج الدراسات السابقة، فبعضها يقول إن الشركات تُقلل من الازدحام، بينما تشير بعض الدراسات إلى أنها تزيد من المسافات التي تقطعها السيارة الواحدة في اليوم الواحد، وبالتالي تَزيد من الازدحام. وبالتالي، لا يُمكن الاعتماد على استنتاجات تلك الدراسات على الإطلاق؛ فالنتائج غير موثوقة بسبب نقص البيانات، وفق نتائج الدراسة الأخيرة.

غير أن الفريق البحثي الذي أعد تلك الدراسة وجد مخرجًا ببابين لتلك المشكلة، الباب الأول هو الهيئة الحكومية التابعة للمدينة، التي تملك معلومات عن حركة النقل، أما الثاني فكان لمحة عبقرية بحق من الفريق البحثي. فقد قام الفريق بتصميم برنامج كمبيوتري بسيط للغاية، يملك واجهة مستخدم سهلة، ويهدف إلى توضيح مواقع أقرب 10 سيارات في كلا التطبيقين، أوبر وليفت.

وعلى مدار 6 أشهر في عام 2016، تمكَّن البرنامج من إعداد 17 تيرابايت من البيانات الخاصة بمواقع السيارات في التطبيقين كل ثانية، وبالتالي تمكَّن الباحثون من معرفة أماكن وجود المركبات، وخطوط سيرها، ومتى تكون متاحة للركوب، وأرقامها، ومقارنتها بأعداد المركبات الخاصة الأخرى التي ترصدها كاميرات المراقبة التي تتصل بالشبكة الحكومية الخاصة برصد حركة النقل.

وبفحص تلك المعلومات، تَبيَّن للفريق البحثي أن شركتي أوبر وليفت يعتبران بالفعل أكبر مساهم في ازدحام حركة المرور في سان فرانسيسكو.

فعلى وجه التحديد، وجد الباحثون أن الفرق في أوقات السفر في الظروف المزدحمة مقارنةً بسيناريوهات التدفق الحر زاد بنسبة 62%، كما انخفضت متوسطات السرعات في المدينة بنسبة 13%.

للتأكد من تلك النتائج، صمم الباحثون برنامج محاكاة يُزيل "أوبر وليفت" من المعادلة، ثم طلبوا من البرنامج حساب الفرق في أوقات السفر ومتوسط السرعات، ليجدوا أن الأول زاد عن 22%، أما الثاني فانخفض بنسبة 4% فقط.

ويقول المؤلف الأول للدراسة "جريجوري إيرهاردت": إن "أوبر وليفت" لديهما بالطبع القدرة على دعم منظومة النقل، علاوة على القدرة على تمكين السيارات عبر استخداما أمثل في منظومة النقل، وفتح الباب أمام عمالة من نوع خاص، بالإضافة إلى إمكانية الحد من ملكية الأشخاص للسيارات. إلا أن "جريجوري" يستطرد: "لكن يبقى السؤال عما إذا ما كانت كل تلك الأمور صحيحة بشكل مُطلق.. تقول البيانات إن هذا ليس هو الحال".

"دعنا نتخيل أن الشخص العادي يستخدم سيارته لحوالي ساعة واحدة.. تبقى تلك السيارة في نهر الطريق لمدة ساعة واحدة فقط، على عكس سيارات أوبر وليفت التي يُمكن أن تبقى في نهر الطريق نحو 14 ساعة في المتوسط"، يقول "جريجورى" في تصريحاته لـ"للعلم".

تقرير سابق نفذه "بروس شيلر" استشاري النقل ومفوض المرور والتخطيط في مدينة نيويورك الأمريكية، قال إن شركات النقل التكنولوجية أضافت حوالي 9.17 مليارات كيلومتر من القيادة سنويًّا في 9 مدن بالولايات المتحدة الأمريكية، هي واشنطن العاصمة وسان فرانسيسكو وميامي ونيويورك وفيلادلفيا ولوس أنجلوس وبوسطن، علاوة على شيكاغو وسياتل.

ويقول "شيلر" إن الورقة الجديدة تضيف الكثير إلى تقريره السابق؛ فمنهجية الدراسة مختلفة وتعتمد على طريقة مستنيرة لرصد السيارات في أماكن معينة وخلال فترات زمنية واسعة، مشيرًا إلى أن نتائج الدراسة تتفق مع ما ورد في تقريره السابق، "استخدم كلٌّ منا طريقة مختلفة للوصول إلى نتائج متشابهة. نعم أوبر وليفت يسببان ازدحامًا في شتى مدن الولايات المتحدة الأمريكية".

وحاولت "للعلم" التواصل مع أيٍّ من "أوبر" أو "ليفت" للحصول على تعقيب على الدراسة، ولكن دون أي استجابة.

صُممت تلك الدراسة في الأساس لتقييم التغيُّر في حركة المرور، وأخذت ضمن حساباتها نمو السكان، وعوامل الازدحام المتفاقمة، ويقول "جريجوري" إنه لا يُمكن أن يقول إن "أوبر وليفت" هما المصدر الوحيد لازدحام المرور، لكنه يؤكد أن تلك الشركات أكبر مساهم في نمو الازدحام المروري في سان فرانسيسكو خلال الفترة من 2010 إلى 2016.

أما عن الحلول الممكنة، فيقترح "جريجوري" تخصيص مساحات لمواقف السيارات والحافلات والدراجات، ورفع تسعيرة الركوب في أثناء فترات الزحام المروري، وتحصيل ضرائب كبيرة من السائقين الذين يجلبون سياراتهم إلى وسط المدينة، ويُشير إلى أن الدراسة لا تقدم توصيات بشأن السياسات التي يُمكن اتباعها لتخفيف الزحام المروري؛ فـ"الهدف منها توفير معرفة تأسيسية يُمكن أن تستند إليها السياسات القادمة".

لكن، هل يُمكن استخدام تلك الدراسة مؤشرًا للحالة المصرية؟ يقول "جريجوري إرهارت" إن نموذج سان فرانسيسكو يُمكن أن يُطبق في المدن الكبيرة والمناطق الحضرية التي تتركز فيها خدمات شركات النقل التكنولوجية، ومن المتوقع أن تتشابه نتائج "القاهرة" مع "سان فرانسيسكو"، إلا أنه يعود ويؤكد أنه لا يُمكنه "التحدث بالتحديد عن تأثير خدمات أوبر في مصر؛ لكونه لا يمتلك البيانات الكاملة".