في شهر أغسطس الماضي، أتاحت شركة أوبر لعملائها في مدينة بيتسبرج الفرصة للمشاركة في برنامج الشركة التجريبي لاختبار السيارات ذاتية القيادة الجديدة؛ وهذه هي المرة الأولى التي سيشارك فيها الجمهور في تجربة تكنولوجيا أوبر للسيارات ذاتية القيادة. غير أن مَن يتوقع أن يجلس مسترخيًا ليشاهد سيارة أوبر الرياضية متعددة الأغراض المعدلة من طراز فولفو XC90 وهي تؤدي المهمة بأكملها سوف يخيب ظنه على الأرجح.

لم توفر الشركة -التي تقدم خدمة مشاركة المركبات- الكثير من التفاصيل عما يمكن توقُّعه في أثناء التجربة في مدينة بيتسبرج، وقد وقع الاختيار على هذه المدينة لأنها مقر مركز تكنولوجيا أوبر المتقدمة، كما أنها توفر للشركة مجموعة متنوعة من الأنماط المرورية، وأنواع الطرق، وحالات الطقس لدراستها. ولكن بناءً على الحالة الراهنة لتكنولوجيا القيادة الذاتية، فإنه لا يزال من غير المعروف هل ستكون مناورة القيادة الذاتية الكاملة في بعض المناطق ممكنة.

يقول ألين كورنهاوزر -المرشد الجامعي لفريق هندسة السيارات ذاتية القيادة بجامعة برنستون، وأستاذ بحوث العمليات والهندسة المالية لدى الجامعة نفسها، والذي لم يشارك في اختبارات أوبر-: "مَن يعرف أين ستكون السيارات قادرة على القيادة الذاتية في بيتسبرج؟ فعلى الطرق السريعة، يمكنها عمل التحكم الملاحي الذكي، على غرار سيارات مرسيدس وتسلا. ولكن هل تستطيع التوقف عند جميع إشارات المرور الحمراء وإشارات التوقف من تلقاء نفسها؟ سوف ننتظر جميعًا لنرى". ويستشهد كورنهاوزر ببعض المخاوف الأخرى أيضًا؛ فإذا كان خط تحديد إحدى الحارات المرورية بحاجة إلى طلاء، أو كانت إحدى الإشارات على الطريق غير واضحة، فقد يكون من الصعب على هذه التكنولوجيا اكتشاف ذلك. ويضيف: "إننا نعرف حدود إمكانات التكنولوجيا الذاتية، لكننا لا نعرف إلى أي مدى يمكننا دفع تلك الحدود أبعد قليلًا".

في تجربة أوبر في بيتسبرج، سوف يستقل السيارة اثنان من العاملين في الشركة (سائق ومهندس) مع الركاب الذين يتعين عليهم أولًا الموافقة على المشاركة. ولا تتسنى هذه الفرصة للكثيرين، فما لم يكن المرء قادرًا على اقتناء سيارة تسلا، أو محظوظًا بما يكفي كي يُدعى إلى اختبار سيارات جوجل ذاتية القيادة -وهذا أمر مقتصر عادةً على النخبة من أصحاب المناصب المهمة، والمهندسين، والمحللين الصناعيين، والصحفيين- فإن هذه هي المرة الأولى التي سيشارك فيها الجمهور في هذا النوع من التكنولوجيا. يقول براينت ووكر سميث، الأستاذ المساعد في القانون والهندسة لدى جامعة ساوث كارولاينا: "قد يدر برنامج أوبر بعض السياحة لركوب السيارات ذاتية القيادة. إنها خطوة أولى مهمة؛ لأن الجمهور سوف يكون أداة رئيسية في تكوين الطلب على هذه الأنظمة".

لكن مساعي أوبر لإتاحة عمليات تطوير السيارات ذاتية القيادة للجماهير لا تعني بالضرورة أن التكنولوجيا التي تطورها الشركة أقرب إلى النجاح في القيادة الذاتية من تكنولوجيا تسلا أو جوجل. وعلى غرار منافسيها، تظل أوبر شديدة التحفظ بشأن التحدث عن أجهزة الاستشعار والبرمجيات، وبشأن تخطيطها للتخلص من الحاجة إلى سائق أمان ومهندس في كل سيارة في نهاية المطاف. وفي أثناء المشروع التجريبي، سوف يراقب سائق الأمان النظام، في حين أن المهندس سوف يدون الملحوظات ويجمع بيانات الزبائن. أما سيارات فولفو التي سوف تُستعمل في الاختبار، فسوف تحتوي على مقاود ومكابح بحيث يمكن لسائق الأمان أن يسيطر على السيارة بسرعة ويقودها إذا تَطلَّب الأمر ذلك.

ولكن وفقًا لما يقوله سميث فمن غير المتوقع لأي سيارات -سواء سيارات أوبر أو غيرها- أن تعمل آليًّا بالكامل في أي وقت قريب. يقول سميث: "في الواقع، سوف تكون هذه السيارات عبارة عن أنظمة تحت إشراف صارم، لأنه سواء أكانت السيارات ذاتية القيادة بنسبة 80% أو 99%، فستظل بحاجة إلى إنسان يتولى مسؤولية النسبة غير الآلية المتبقية"، مضيفًا أن أماكن استخدام هذه السيارات يمكن أن تكون محدودة أيضًا. ويوضح أنه من المرجح أن تحدد الشركات أماكن لاستخدامها بها نطاق محدود من العوامل، مثل أحرام الجامعات أو امتداد الطرق السريعة أو منطقة ما في وسط المدينة، لتكون أهدافًا مبدئية جيدة للمركبات الآلية.

وتسعى أوبر لأن تكون منافسًا قويًّا في هذا المضمار؛ فقد استحوذت في شهر أغسطس الماضي على شركة "أوتو"، وهي شركة تكنولوجيا ناشئة شارك في تأسيسها موظفون سابقون في شركة جوجل، وتركز على العمل على طرح الشاحنات ذاتية القيادة في الأسواق. وتعطي عملية الاستحواذ هذه أوبر 90 مطورًا إضافيًّا للمشاركة في جهودها في مجال تكنولوجيا القيادة الذاتية. وأوبر ليست إلا شركة واحدة فقط من شركات كثيرة –ما بين ناشئة وكبرى- تختبر المركبات ذاتية القيادة على الطرق العامة، ولكن في كلٍّ منها يجلس سائق أمان خلف عجلة القيادة. وقد أعلنت شركة فورد موتورز -التي كانت تمتلك السيارة من طراز فولفو من عام 1999 حتى عام 2010- في شهر أغسطس 2016 عن خططها لإنتاج مركبات كبيرة الحجم ذاتية القيادة بالكامل ضمن خدمة مشاركة المركبات بحلول عام 2021. كما ستضيف الشركة أيضًا للسيارات من طراز فورد فيوجن تكنولوجيا القيادة الذاتية لاستخدامها مع سيارات فولفو كجزء من تجربة أوبر في بيتسبرج. وقد استثمرت شركة جنرال موتورز في وقت مبكر من عام 2016 مبلغ 500 مليون دولار في شركة ليفت المنافِسة لأوبر، والتي تخطط للبدء في اختبار أسطول من سيارات التاكسي الكهربائية ذاتية القيادة من طراز شيفروليه بولت في غضون عام.

ولا يخلو قرار أوبر إتاحة التكنولوجيا الجديدة للجمهور من مجازفة حقيقية. ففي الصيف السابق، تعرضت السيارة من طراز إس من إنتاج شركة تسلا لحادثة مروِّعة عندما جرى تفعيل نظام السائق الآلي فيها. يستطيع سائق تسلا الآلي قيادة السيارة على طريق سريع، وتغيير الحارات المرورية، وضبط السرعة استجابة لظروف حركة السير، لكن الشركة أعلنت بوضوح منذ وقوع الحادث أن هذه التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى سائق. ولا تزال الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة في الولايات المتحدة تحقق في الحادثة. ويقول مارك سكريبنر -زميل الأبحاث لدى معهد المشاريع التنافسية، وهو منظمة للسياسات العامة- إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان قرار طرح هذه التكنولوجيا صائبًا أم أن تسلا قد تسرعت في تسويقها. ويضيف سكريبنر: "لقد أدت حقبة الجمع السريع للبيانات من قِبَل شركة تسلا إلى تفوُّقها على جميع المطورين الآخرين". ووفقًا لما تقوله تسلا فإنها قد جمعت بيانات من نحو 130 مليون ميل من الاختبارات على الطرق العامة تحت قيادة السائق الآلي، في حين تقول جوجل إنها جمعت بيانات تقارب مليوني ميل من الاختبارات على الطرق، وثلاثة ملايين ميل أخرى في اليوم من اختبارات المحاكاة.

ومع اقتراب الشركات من طرح السيارات لاستخدام الجمهور -من دون السائقين والمهندسين الإضافيين الذين تستخدمهم الشركة لأغراض الأمان– ستحتاج الولايات الأمريكية المختلفة، وشركات تطوير السيارات إلى مراجعة تشريعات المرور والسلامة القائمة. على سبيل المثال، يشير سكريبنر إلى أن معظم الولايات الأمريكية تمنع بحزم وضع شاشات التليفزيون والأجهزة المشابهة على مرأى من السائق، مع استثناءات قليلة لشاشات الأمان والخرائط. وإذا كان الهدف في النهاية هو تقليص حجم طاقم المهندسين على سيارات الاختبارات، فإن العقبات القانونية قد تمثل مشكلة. ويضيف سكريبنر أنه بموجب القوانين الحالية، على الشركات إما أن تُبقي على طاقم يتكون من شخصين داخل السيارات، أو يمكنها الإبقاء على السائق مع تمكين نظام المراقبة عن بُعد.

وكانت الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة في الولايات المتحدة في شهر أغسطس الماضي بصدد وضع اللمسات النهائية على الإرشادات غير المُلزمة الجديدة للسيارات ذاتية القيادة. وبناءً على هذه الإرشادات، فضلًا عن البيانات المتزايدة التي تعكس قدرات هذه السيارات على أرض الواقع، سوف تحدد الولايات الأمريكية المختلفة والشركات المطوِّرة ما إذا كانت قوانين المرور والنقل الحالية كافية أم أنها بحاجة إلى التعديل. ويضيف سكريبنر: "في غضون السنوات العشر القادمة، سوف تكون تكنولوجيا القيادة الذاتية لعبة الجميع. فلم يُسوِّق أحد المستويات الأعلى من الآلية على الصعيد التجاري حتى الآن، وسوف يكون من المثير للاهتمام أن نرى مَن سيكون له السبق في هذا المجال".

 

 

تم نشر هذا المقال على موقع "ساينتفك أمريكان" للمرة الأولى في 25 أغسطس 2016