"يجب علينا أن نهبّ لمساعدة الفئات الضعيفة للغاية، التي تشكل الملايين والملايين من الناس الذين تقطعت بهم الأسباب لحماية أنفسهم. إنها مسألة تضامن إنساني لا أقل ولا أكثر. وهذا التضامن شرطٌ حاسمٌ أيضًا لمكافحة الفيروس".

كلمات عبر بها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن تداعيات فيروس "كوفيد-19"، الذي بات يشكل خطرًا يهدد البشرية كلها بصورة تستوجب من الجميع العمل من أجل القضاء عليه، بعدما أثبتت التجربة العملية أن الجهود التي تبذلها البلدان فرادى من أجل التصدي له لن تكون كافية.

ومنذ الإعلان عن الفيروس نهاية العام الماضي، أدت جائحة "كورونا المستجد" إلى تزايُد الطلب على معدات الحماية الشخصية والأجهزة الطبية والمعدات اللازمة لتشخيص المرض على مستوى العالم، ما أضاف مزيدًا من الأعباء على عاتق حكومات البلدان ذات الموارد المحدودة والعاجزة عن شراء أو إنتاج الأدوات التي تحتاج إليها، بحيث يكون لديها استجابة فعالة لمواجهة "كوفيد-19".

كما أن عدم امتلاك تلك البلدان للخبرة الفنية والتدريب، وتراجُع الأطر التنظيمية اللازمة لمواجهة تلك الجائحة، مثَّلت عوائق حدت من الإنتاج المحلي للمعدات الأساسية في هذه المناطق، خاصةً بالنسبة للمنتجات الأكثر تعقيدًا مثل أجهزة التهوية، إضافةً إلى ما كشفته الجائحة من أهمية تلبية الاحتياجات الصحية لسكان البلدان النامية، التي تعاني من نقص الأجهزة، والمعرفة الفنية المحددة، والخبرة الضعيفة في التقنيات المختلفة، وتراجُع معدلات تمويل البحث العلمي وتطويره.

ومن هنا تأتي أهمية الشراكة التي أطلقها "مصرف الأمم المتحدة للتكنولوجيا لأقل البلدان نموًّا"، بالتعاون مع "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" و"مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (الأونكتاد) و"منظمة الصحة العالمية"، تحت عنوان "شراكة الوصول إلى التكنولوجيا".

تستهدف الشراكة -المعروفة اختصارًا بـ"تاب"- تنسيق جهود تعزيز استجابة البلدان النامية لكوفيد -19، ومساعدتها على الوصول إلى التكنولوجيا الصحية المنقذة للحياة، ومعالجة النقص الحاد في تقنيات ومعدات الصحة الأساسية، من خلال ربط الشركات صاحبة الخبرة الكبيرة في هذا المجال بالشركات المصنِّعة الناشئة في البلدان النامية، وتبادل المعلومات والخبرة التقنية، وتزويدها بالموارد اللازمة لزيادة إنتاج هذه الأدوات. كما تدعم الشراكة البلدان النامية لتطوير تقنيات ومعدات ميسورة التكلفة تلبي معايير الجودة والسلامة.

تقول أمينة محمد -نائبة الأمين العام للأمم المتحدة- في البيان الصحفي الذي حصلت مجلة "للعلم" على نسخة منه: يحتاج المجتمع العالمي الآن -أكثر من أي وقت مضى- إلى الاتحاد لإنقاذ الأرواح وتأمين مستقبل مستدام. إن عدم المساواة يؤدي إلى تفاقم الفجوة التكنولوجية والرقمية، لذا، فإن زيادة الوصول إلى التكنولوجيا الضرورية من خلال الشراكات تُعَد عنصرًا حاسمًا في استجابة الأمم المتحدة الصحية للتداعيات الصحية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي يخلِّفها "كوفيد-19".

يقود الشراكة "مصرف الأمم المتحدة للتكنولوجيا لأقل البلدان نموًّا"، وهو هيئة فرعية تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مكرسة لتعزيز مساهمة العلم والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية المستدامة في أقل البلدان نموًّا في العالم.

يقول جوشوا سيتيبا، المدير التنفيذي للمصرف: "إنه من دون الوصول إلى التقنيات المنقذة للحياة، فإن العديد من البلدان النامية غير مستعد للتأثير المدمر المحتمل لـ"كوفيد-19"، لذا، فإن المبادرة مفتوحة لجميع البلدان النامية من خلال تمكين البلدان النامية من إنتاج هذه التقنيات بنفسها، ويمكننا المساعدة في وضع هذه البلدان على طريق التعافي".

ويوضح "سيتيبا" في تصريحات لـ"للعلم"، أن "الطلب على التقنيات الصحية اللازمة لمكافحة "كورونا المستجد" ارتفع بشكل كبير، كما أن نقص الإمدادات الأساسية مثل معدات الوقاية الشخصية، وأجهزة التهوية، وأدوات التشخيص أعاق جهود الاستجابة لمواجهة انتشار الفيروس في العديد من البلدان".

ويضيف " سيتيبا " أن "هناك العديد من الحواجز التي تعوق الوصول إلى ذلك، وخاصةً بالنسبة للبلدان النامية، التي يعتمد كثير منها على الواردات وسلاسل التوريد الدولية التي تعطلت بسبب إغلاق الحدود وقيود السفر وحظر التصدير. ومن خلال تزويد البلدان النامية بالأدوات التي تحتاج إليها لتصنيع هذه التقنيات بأنفسها، يمكننا المساعدة في تعزيز استجابتها لهذه الأزمة وما بعدها. إن تعزيز القدرة التصنيعية المحلية سيحفز جهود التعافي الاجتماعي والاقتصادي، ويبني أنظمة صحية أقوى قادرة على مقاومة التهديدات المستقبلية".

تسترشد المبادرة بـ"خطة التنمية المستدامة لعام 2030"، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015، وكذلك دعوة الأمم المتحدة إلى تقاسُم المسؤولية والتضامن خلال أزمة COVID-19.

وتتضمن تزويد البلدان النامية بمعلومات المنتج ومواصفات تصنيعه وتصميمه والمعرفة التقنية والمعلومات المطلوبة لزيادة قدراته، وإمداد تلك البلدان بالإرشادات الفنية لمساعدة الشركات المصنعة على استكشاف المشكلات التي قد تواجهها في أثناء سعيها لزيادة الإنتاج، ومنها المعلومات المتعلقة بديناميات السوق والعقبات التنظيمية، وكذلك تبادل الخبرات والإمكانيات بين الشركات، وتوفير الحماية الاجتماعية لأكثر الفئات ضعفًا، وتزويد البلدان النامية بالخبرات التي تجعلها أكثر قدرةً على مقاومة الفاشيات والجوائح المستقبلية.

وينقل البيان الصحفي عن تيدروس أدهانوم جيبريسوس -مدير عام منظمة الصحة العالمية- قوله: "يجب أن نقف معًا لدعم جميع البلدان وضمان الوصول العادل إلى التقنيات المنقذة للحياة، إن زيادة الوصول إلى الأدوية والتكنولوجيات الصحية في هذه البلدان أمر أساسي لإبطاء الإصابات الجديدة وتجنُّب الوفيات".

بدوره، شدد "أخيم شتاينر" -مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- على أن "دور تلك الشركة (تاب) يتمثل في تعزيز الوصول بشكل أكثر إنصافًا إلى التقنيات الصحية الحيوية، الذي يُعد أمرًا أساسيًّا لمساعدة البلدان النامية في الاستجابة للآثار الفورية والمدمرة لفيروس كورونا المستجد، وتعزيز جهود الشراكة لزيادة الوصول إلى المعرفة الأساسية والأدوات التقنية، ومساعدة البلدان والمجتمعات على أن يكون لديها مرونة تجاه الصدمات المستقبلية، مع تعافيها الاجتماعي والاقتصادي في الوقت ذاته".

وينفي " سيتيبا " في تصريحاته لـ"للعلم" اقتصار الشراكة على دعم أقل البلدان نموًّا، والبالغ عددها 47 دولة، مضيفا: "رأينا أن جائحة كوفيد-19 لا تحترم الحدود الوطنية، ما يتطلب استجابةً عالميةً منسقة. ولهذا السبب، وسَّع بنك التكنولوجيا دائرة نطاق المبادرة لتشمل جميع البلدان النامية ولا تقتصر على البلدان الأقل نموًّا حول العالم".

وردًّا على سؤال "للعلم" حول ما إذا كان التواصل مع المصنِّعين سيتم من خلال حكومات تلك البلدان فقط، يجيب " سيتيبا ": تُجري الشراكة مناقشات من القطاع الخاص والحكومات والجامعات والمنظمات الأخرى؛ لاستكشاف السبل التي يمكن من خلالها الإسهام في تحقيق أهداف الشراكة، كما تُجري المؤسسات المعنية بتلك الشراكة مناقشات نشطة مع العديد من البلدان لتحديد احتياجاتها، بما يُسهِم في زيادة قدراتها الإنتاجية من معدات الحماية الشخصية والأجهزة الطبية والمعدات اللازمة لتشخيص المرض، بحيث تكون لديها استجابة فعالة لمواجهة "كوفيد-19" وغيره من الأوبئة والجوائح مستقبلًا.