في تناغُم شديد ومهارة عالية، تعزف الفرقة الموسيقية تحت قيادة المايسترو نادر عباسي، المقطوعة الموسيقية "قضية عم أحمد"، للمؤلف الموسيقي وعازف البيانو عمر خيرت، فتسحر عقول الجمهور، حتى إنهم يتفاعلون مع المايسترو ويتبعون إرشاداته بالتصفيق في مشهد حماسي، ولكن ما السر في نجاح هذا الأداء والحالة النفسية المصاحبة له، التي تُعرف علميًّا بتدفق التركيز الجماعي Team Flow لإنجاز مهمّة مشتركة، وتعني أن أعضاء الفريق يؤدون عملهم جماعيًّا معًا، بتركيز في وقت واحد، وبالمهارة نفسها لتحقيق هدف مشترك لصالح الفريق من واقع ثقتهم والتزامهم المتبادل.

عندما تدخل المجموعة "إلى هذه المنطقة" المعروف بتجربة تدفق تركيز الفريق، لإنجاز مهمةٍ ما معًا، تتولد لديها حالة دماغية فريدة، ترتكز على تحقيق التناغم فيما بينها، وتتميز هذه الحالة عن حالة العمل الجماعي التقليدية المعتادة أو حالات التدفق الفردي، وفقًا لبحث جديد منُشور في eNeuro.

وتُظهر نتائج الدراسات العلمية أنّ التناغم في حالة العمل الجماعي Team Flow الذي نشاهده عادةً في الأداء الفني والرياضي للفرق الجماعية من مصادر الإبداع والرضا، لما له من تأثير إيجابي على زيادة هرمونات السعادة وتقليل الضغط العصبي، فضلًا عن إنجاح العمل واكتساب صداقات جديدة.

ورغم أهمية هذه الحالة السلوكية في الحياة عمومًا وفي العمل خصوصًا، إلا أن الأساس العصبي الذي تقوم عليه هذه الحالة وأسراره كان من الصعب دراسته في إطار علم الأعصاب الاجتماعي، الذي نشأ حديثًا لدراسة البيولوجية العصبية للتفاعلات البشرية، ولعل السبب في هذه الصعوبة يعود إلى القيود التكنولوجية التي كانت تعتبر عقبةً أمام دراسة حالات التفاعل البشري؛ لأن تصوير الدماغ يتطلب الثبات والدقة العلمية، وكان من الصعب الحصول على بيانات عالية الجودة لدماغ واحد، وأما تحقيق هذا الغرض لدماغين فكان أصعب بمقدار أكثر من الضِّعف.

لكن مع ظهور تقنيات الفحوص الفائقة، مثل مخطط كهربائية الدماغ EEG ومخطط مغناطيسية الدماغ، والفحص الطيفي الوظيفي بالأشعة تحت الحمراء، والتقنيات الحديثة لتصوير دماغ أكثر من شخص، فقد أصبحت تلك الدراسات أكثر انتشارًا، ومع ذلك لم يدرس أحدٌ بموضوعية، من قبل، عملية التزامن العصبي بين الأدمغة خلال التدفق الجماعي، وفق فريق الدراسة.

أول دراسة عن الأساس العصبي للتدفق الجماعي

وفي أول محاولة لدراسة هذه الحالة السلوكية بموضوعية، أي بواسطة رصد أنشطة الدماغ، نشر محمد شحاتة، الباحث بجامعة تويوهاشي للتكنولوجيا باليابان -مصري الجنسية- مع الفريق البحثي من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وجامعة توهوكو باليابان، ورقةً بحثيةً حديثةً نُشرت نتائجُها في دورية إي نيرو “eNeuro”، أثبتوا فيها أن تدفق العمل الجماعي أو Team flow حالة دماغية تعزز المشاعر الإيجابية في الأداء الجماعي، وتتطور عند موازنة الأداء مع تحدي المهمة المطلوبة، مما يؤدي إلى ظهور أهداف واضحة، وردود فعل فورية، وذلك ما حدث مثلًا في معزوفة قضية عم أحمد، مقارنةً بتدفق التركيز الفردي أو الاجتماعات التقليدية التي لا يحدث فيها تدفق التركيز للفريق نتيجة مثلًا لوجود تشويش، والدراسة أوضحت ذلك عن طريق اختبارات الإيقاع الموسيقي.

مهمة الإيقاع الموسيقي

حددت هذه الدراسة الارتباطات العصبية للتدفق الجماعي للمشاركين باستخدام اختبار الإيقاع الموسيقي مع استخدام المسح الكهربائي للدماغ EEG -اختبار يكتشف النشاط الكهربائي في الدماغ باستخدام أقطاب كهربائية متصلة بفروة الرأس- وقام الباحثون بتوظيف 15 مشاركًا (بينهم خمسة ذكور، 18-35 عامًا) لتشكيل 10 مجموعات من الأزواج -مما يعني أن بعض المشاركين قد تم إقرانهم مرتين- ولعب المشاركون لعبة إيقاع الموسيقى "O2JAM U"، وهي لعبة موسيقية تتطلب النقر علي جهاز iPad، إذ اختار الباحثون أشخاصًا كانوا جيدين في اللعبة وكان لديهم مؤشرات تفضيل اللعب الجماعي بدلًا من اللعب بمفردهم، وتم استبعاد آخرين كان لديهم ميل أكثر إلى الأداء الفردي.

 شحاتة وفريقه استخدموا EEG لقياس نشاط الدماغ لكل فريق من شخصين في أثناء لعبهم لعبة الفيديو-جيم الموسيقية معًا، في بعض التجارب، جرى الفصل بين الزملاء حتى لا يتمكن بعضهم من رؤية بعض في أثناء اللعب، مما سمح بحالة التدفق الفردي solo flow ومنع تحقُّق حالة تدفق الفريق team flow، في تجارب أخرى قام فريق البحث بالتشويش على الموسيقى، مما منع حالة التدفق، على الرغم من استمرار العمل الجماعي.

أجاب المشاركون عن الأسئلة بعد كل لعبة لتقييم مستوى تدفقهم، قارن الباحثون نشاط دماغ المشاركين خلال كل حالة.

في أثناء التجربة جرى التحقُّق من السيناريوهات المختلفة باستخدام التقارير الذاتية ومقياس موضوعي لعمق تدفُّق التركيز الجماعي، يستخدم مدى استجابة الدماغ للأصوات غير ذات الصلة باللعبة الأساسية.

كشف تحليل الطاقة الطيفية عن زيادة في طاقة بصمة دماغية فريدة ترتبط بحالة تدفق الفريق: زيادة موجات الدماغ بيتا وجاما في القشرة الصدغية الوسطى اليسرى (L-MTC)، كما كشف تحليل التفاعل السببي أن هذه المنطقة في الدماغ تمثل مصبًّا للمعلومات، وتتلقى معلومات من المناطق التي ترمز إلى التدفق الفردي والحالات الاجتماعية العادية، وهو نوعٌ من نشاط الدماغ المرتبط بمعالجة المعلومات، لقد تبيَّن أن لدى أعضاء الفريق نشاط دماغ متزامنًا/ متناغمًا أكثر في أثناء حالة تدفُّق الفريق مقارنةً بحالة العمل الجماعي العادية.

في المستقبل، يخطط الباحثون لاستخدام التوقيع العصبي neural signature من أجل رصد حالات تدفق الفريق؛ لمراقبة أداء الفريق وبحث إمكانية تعزيزه، وربما بناء فرق أكثر فاعلية.

من أجل فرق جماعية أفضل

وتعليقًا على هذه التجربة، يقول الباحث الرئيسي للدراسة، محمد شحاتة، في تصريح خاص لـ"للعلم" إنه في الفترة الأخيرة ركز اهتمامه حول كيفية دراسة الفروق بين طريقة تفكير الأفراد والمهارات الإدراكية التي لديهم، علاوةً على معرفة كيفية الدمج بين الأفراد بناءً على مهارتهم الإدراكية، مع معرفة الأساس العصبي لهذه الفروق؛ من أجل تكوين فرق عمل أفضل أو متكاملة.

 وأضاف أن تكرار هذه الحالة السلوكية في المعمل كان صعبًا بسبب العديد من العوامل، أولها ايجاد مهمة تحدث فيها الحالة السلوكية في وقت قصير، وبطريقة محكمة، ومن دون تشويش على أجهزة المسح الكهربائي للدماغ، وثانيًا إيجاد فرق تكون متوافقةً في المهارة والذوق الفني وحب اللعب كفريق، موضحًا أن ما يميز البحث ويجعله مختلفًا عن غيره أن قياس هذه الحالة السلوكية في جميع الأوراق البحثية السابقة كان معتمدًا على التقارير الذاتية مثل الاستبانات وليس المقياس الموضوعي بواسطة تقنيات مسح الدماغ المتقدمة لقياس أنشطة الدماغ، "وهذا ما أضفناه في هذه الدراسة"، على حد قوله.

تقول ماري ترفانيمي، مديرة الأبحاث بوحدة سيسرو للتعلم وأبحاث الدماغ بجامعة هلسنكي -باحث غير مشارك في الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الدراسة تجمع بين الأساليب السلوكية التقليدية واستخدام طريقتين مختلفتين جديدتين لمسح الدماغ، موضحةً أن المشاركين في الدراسة فحصوا بعناية، وجرت دعوة عينة فرعية منهم فقط لحضور الجلسات التجريبية، فعمل اثنان من المشاركين كفريق واحد، مما مكَّن العلماء من التحقيق في الأساس العصبي للتدفق flow بطريقة جديدة عند عمل الفريق معًا.

وأضافت أن هذه الدراسة تفتح مجالاتٍ منهجيةً جديدةً للدراسات العلمية في المستقبل، لكن لا يزال يتعين إجراء المزيد من البحوث لمعرفة الجوانب الاجتماعية التي تساعد في فهم تدفق التركيز للفريق، وكيف يمكنها التأثير بالإيجاب على هذه الحالة السلوكية.

خطوة إلى الأمام

وعلى المستوى النفسي والاجتماعي، تقول سوزان ديكر -باحثة بقسم علم النفس بجامعة نيويورك- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن نتائج التدفق الجماعي في الدراسة المذكورة يمكن أن تكون محوريةً في تجاربنا الاجتماعية والفنية، قائلةً: "الوصول إلى منطقة التناغم والحماس حلمٌ يداعب خيال الجميع، ومع ذلك فدراسته صعبة تجريبيًّا"، لذلك ترى أن هذه دراسة صُممت ببراعة -على حد قولها- يمكن أن تقودنا خطوةً إلى الأمام لفهم كيف يدعم الدماغ التدفق الجماعي للفريق.

وأوضحت أنه من النتائج الواعدة في هذه الدراسة أن الارتباطات العصبية لحالة التدفق شوهدت في كلٍّ من الاختبارات التجريبية، وفي حالة التدفق المبلغ عنها ذاتيًّا للمشاركين، "لذلك يمكن أن تفيد الإستراتيجيات المصممة للفرق الجماعية بغرض تحقيق الحالات الذهنية المطلوبة وتساعد تجربتهم كفريق واحد"، على حد قولها.

ومن أجل الاستفادة من تلك النتائج في توقع أداء الفرق أو التحكم فيه مستقبلًا، يقول "شحاتة": إن الفريق البحثي حصل على تمويل من وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) وبعض الشركات لبناء لوغاريتمات أو ذكاء اصطناعي لقراءة المسح الكهربائي لأعضاء الفريق الجماعي ولمراقبة تدفق التركيز للفريق، موضحًا أنهم يعملون حاليًّا على استخدام نتائجها في تحسين أداء الفرق الجماعية أو توقع أي تدهور فيه في كثيرٍ من مجالات الحياة.