إننا نميل إلى الوثوق بالأشخاص المحيطين بنا؛ إذ نأتمن سائقي الأجرة والأطباء على حياتنا، كما نثق بالطباخين الذين يُعِدُّون لنا الطعام، ونثق أيضًا بالغرباء الذين يحرسون أغراضنا عندما نعهد بها إليهم. بيد أن الثقة ليست كالحلوى في عيد الهالوين؛ فنحن لا نمنحها لأي شخص يطرق بابنا. ولطالما عُنِي علماء النفس بفهم السبب الذي يدعو الناس إلى الوثوق بالآخرين، وكانت ملامح الوجه هي محور الاهتمام دومًا في هذه الأبحاث. فبعض الناس "يبدون" جديرين بالثقة فحسب. ويميل الناس إلى الوثوق أكثر بالوجوه السعيدة، وإن كانت غير مبتسمة، وتلك التي تحمل ملامح أنثوية أو حتى طفولية. إلا أن كون الشخص يملك وجهًا "يبدو" جديرًا بالثقة لا يعني أنه يحمل نوايا حسنة.

تشير ورقة بحثية حديثة إلى أنه ليس من السهل تحديد جدارة الشخص بالثقة بدقة من خلال وجهه فحسب، وأنه ثمة بعض العوامل الأخرى التي قد تفيد في ذلك. يمكننا أن نحدد بصورة أكثر دقة إن كان الشخص أهلًا للثقة إذا أتيحت لنا فرصة للتفاعل معه، أو على الأقل مشاهدة مقطع فيديو له. وجدت بعض الأبحاث أنه حتى بمجرد مشاهدة صور فوتوغرافية لوجوه الأشخاص، قد تحمل الأحكام بمدى كونهم جديرين بالثقة قدرًا من الدقة، إلا أن أبحاثًا أخرى تشكك في هذه الفكرة.

انشغلت أنا وزميل لي بكلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا بالإجابة عن هذا التساؤل، غير أننا شعرنا بأن ثمة حلقة مفقودة. تساءلَت العديد من الدراسات عن قدرة الأشخاص على تحديد جدارة الآخرين بثقتهم بدقة من خلال الوجه، لكن لم تتطرق دراسة واحدة إلى ما يدور بخلد الطرف الآخر بشأن هذا الأمر. تساءلنا إن كان الأشخاص الذين يبدون جديرين بالثقة مدركين أن الآخرين يتوقعون منهم أن يكونوا جديرين بالثقة من خلال مظهرهم. وفي الواقع، لقد عكسنا السؤال، ليصير: هل يفكر الشخص صاحب الوجه الذي يبدو جديرًا بالثقة، أو غير جدير بها، أنه خاضع لتقييم الآخرين له بحيث يثقون به، أو يرتابون فيه؟ إن كان الأمر كذلك، فيمكن لهذا أن يفسر كيف يستطيع الناس أحيانًا الحكم بدقة على مدى كون الشخص الآخر جديرًا بالثقة من خلال وجهه. ومن ثم، أخضعنا هذه الفكرة الجديدة للاختبار.

في بحث حديث، طلبنا من المشاركين أن يلعبوا لعبة اقتصادية جديدة قمنا بتطويرها. في أغلب الألعاب الاقتصادية، الثقة باللاعب الآخر تتطلب منك أيضًا أن تتعاون معه. على سبيل المثال، في إحدى الألعاب الاقتصادية المعروفة، يحصل أحد اللاعبين على أموال يمكنه إرسالها إلى لاعب آخر، ومهما كانت قيمة المبلغ المُرسَل فإنها تتضاعف ثلاثة أضعاف. والتعاون مع اللاعب الآخر وإرسال المال إليه يعني ضمنيًّا أنك تأمل في أنه سيرسل لك بعض المال بدوره. إلا أن لعبتنا لها خاصية فريدة؛ فهي تتيح لكلا اللاعبَيْن أن يقررا ما إذا كانا سيقولان الحقيقة أم لا، وعليهما كذلك أن يقررا ما إذا كانا سيثقان ببعضهما أم لا. تتيح هذه الخاصية لأحد الاعبين أن يكذب على اللاعب الآخر، وأن يثق به رغم ذلك. وبعبارة أخرى، فصلت لعبتنا بين التعاون والثقة. وبعد شرح اللعبة للمشاركين، طلبنا منهم تخمين كم مرة "يظنون" أن الآخرين سيثقون بهم في أثناء اللعب. ثم لعبوا اللعبة بعد ذلك عشر مرات مع عشرة أشخاص مختلفين، وكانت تُقدم جوائز مالية للفائزين.

اتضح أنه كلما بدا وجه الشخص جديرًا بالثقة (وفقًا لتقييم مجموعة مستقلة من الأفراد)، زاد توقع صاحب الوجه بأن الآخرين سيثقون به. إن الناس يمتلكون حسًّا بقدر الجدارة بالثقة الذي يبدون به للآخرين. وهنا تزداد الأمور تشويقًا؛ ففي لعبتنا، كونك محلًّا لثقة الآخرين بينما أنت تكذب يحقق أرباحًا أكبر بكثير جدًّا من أي شيء آخر. ومع ذلك، فإن الأشخاص أنفسهم الذين بدوا جديرين بالثقة لم يرغبوا في استغلال هذا الأمر لتحقيق مكاسب مالية، لذا كانوا أكثر مَن نزع إلى قول الحقيقة. وهكذا فإن الناس يحبون أن يرتقوا إلى مستوى توقعات الآخرين.

وقد أُجريت دراسة حديثة في الصين على وجوه أطفال وتكررت فيها نفس النتائج التي توصلنا إليها، غير أن الدراسة الصينية ذهبت إلى ما هو أبعد. فقد طلب الباحثون من الناس تحديد مدى الجدارة الذي تبدو عليه وجوه أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 أعوام و12 عامًا. ووجد الباحثون أنه كلما بدا الطفل جديرًا بالثقة، زاد تقبل أقرانه له، وزاد بالتالي تمتعه بالسلوكيات الجيدة والجديرة بالثقة. وعندما بدا الأطفال جديرين بالثقة، توقع الأطفال الآخرون منهم أن يكونوا لطفاء، وبالتالي عاملوهم بلطف، مما مكَّن من توقُّع كيفية تصرف هؤلاء الأطفال الجديرين بالثقة في الفصل حتى بعد مرور عام.

عندما يحكم الناس بدقة على مدى جدارة شخص ما بالثقة، يساعدهم في ذلك –بقدر ما– الشخص صاحب الوجه نفسه. فهو يعرف أن شكله يوحي بأنه جدير بالثقة (وأن الآخرين يتوقعون منه أن يكون جديرًا بالثقة)، ولا يريد أن يخذلهم. ومع الأسف، فإن الجانب السلبي لهذه النتيجة يمس أولئك الذين لا تبدو وجوههم جديرة بالثقة؛ فإذا اعتقدوا أن الآخرين لن يثقوا بهم، فإنهم قد يكونون أكثر ميلًا نحو ليِّ الحقائق. إن الناس ينزعون إلى أن يكونوا على مستوى توقعات الآخرين، الجيدة منها والسيئة على حد سواء. فإذا أشعرت الناس بأنك تتوقع منهم أمرًا إيجابيًّا، فإن فرصتك أفضل في استخراج أفضل ما لديهم.