شددت دراسة حديثة على ضرورة اتجاه مصر إلى استخدام المياه الجوفية وتحلية مياه البحر لتلبية احتياجات "القطاع المنزلي" من المياه، والذي يستهلك أكثر من 16% من إجمالي الموارد المائية المتجددة في مصر.

وأشارت الدراسة، التي أعدها أسامة سلام –الأستاذ المساعد بالمركز القومي للبحوث بمصر، ومدير مشروعات المياه بهيئة البيئة، أبو ظبي- إلى أن "مصر بحاجة إلى إعادة تقييم دور المياه الجوفية وتحلية مياه البحر؛ لإعادة تخصيصهما كمصادر للمياه العذبة، لمواجهة نقص المياه المتوقع في المستقبل القريب، بسبب النمو السكاني بنسبة تقدر بـ2.05% سنويًّا، وارتفاع معدل الاستهلاك السنوي للفرد الواحد من المياه المنزلية لحوالي 102 متر مكعب، والآثار السلبية المتوقعة بعد تشغيل سد النهضة الإثيوبي".

وخلصت الدراسة، التي نشرتها دورية "أمريكان جورنال أوف إنجنيرينج ريسرش" (American Journal of Engineering Research)، إلى أنه من الضروري "أن يتم التخطيط لزيادة موارد المياه المنزلية من 9.2 مليارات متر مكعب في عام 2016 إلى حوالي 15 مليار متر مكعب من المياه بحلول عام 2040، وأن يتم ذلك من خلال الاعتماد على مصادر أخرى غير مياه النيل، ما يتطلب ضخ استثمارات تستهدف تحلية مياه البحر في المحافظات الساحلية، وﻣﻌﺎﻟﺠﺔ المياه الجوفية شبه المالحة وتحليتها في المحافظات غير الساحلية".

يقول "سلام" في تصريحات لـ"للعلم": "إن المياه الجوفية تحتل المرتبة الثانية بعد نهر النيل في قائمة الموارد المائية في مصر، وتوجد في مصر طبقات مياه جوفية تتنوع بين طبقات المياه الجوفية المحلية الضحلة متجددة التغذية، وطبقات المياه الجوفية العميقة غير القابلة للتجديد، ويمكن تصنيف موارد المياه في مصر إلى مياه سطحية كنهر النيل، وخزانات المياه الجوفية والأمطار وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي وتحلية مياه البحر، لكن الاستفادة من الموارد المائية التقليدية في مصر تقتصر على نهر النيل والمياه الجوفية والأمطار والسيول. إذ يتم توفير أكثر من 97٪ من موارد المياه العذبة في مصر من نهر النيل، والتي تأتي من خارج حدود الدولة وتبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا".

ويضيف أن "الزيادة المستمرة في عدد السكان والزيادة اللاحقة في الطلب على المياه العذبة في الأنشطة الزراعية والصناعية والتعدينية أدت إلى انخفاض مستمر في حصة الفرد من المياه. ففي عام 2000، كان نصيب الفرد من المياه حوالي 1000 متر مكعب، وانخفض إلى نحو 630 مترًا مكعبًا في عام 2017، بالإضافة الى التحديات الخارجية، ومنها سد النهضة الإثيوبي، الذي سيغير بشكل كبير النظام التاريخي لتدفق مياه النيل على نطاق موسمي وسنوي، وهذا التأثير سيؤدي إلى خفض تصريف السد العالي. وما يتبعه من تأثيرات سلبية على إمدادات المياه ومحطات مياه الشرب والري ومحطات الملاحة ومحطات الطاقة المائية وتفاقم الإجهاد المائي في مصر".

تشير الدراسة إلى أن المياه الجوفية في مصر توجد في خمسة أحواض مائية رئيسية، وهي "حوض نهر النيل"، الذي يقع تحت وادي النيل والدلتا، وهو خزان جوفي متجدد تجري تغذيته أساسًا من مياه النيل عن طريق الترع والقنوات المائية، وبالرغم من جودة مياهه، فقد بات عُرضةً للتلوث بسبب عدم توافر منظومة بيئية للتخلص من النفايات الصلبة والسائلة للسكان والمصانع في معظم محافظات الدلتا والصعيد.

وهناك أيضًا "حوض الحجر الجيري"، ويظهر في حوالي 50% من مساحة مصر في الصحراء الشرقية والغربية وشبه جزيرة سيناء، ولا يمكن تقدير الكميات المخزنة فيه بصورة دقيقة؛ نظرًا لوجودها بالتشققات التي يصعب علميًّا تقديرها بصورة دقيقة، على حد وصف الدراسة.

أما "حوض الحجر الرملي النوبي العميق"، فتشير الدراسة إلى أنه "يغطي الصحراء الغربية، ويُعَدُّ أكبر حوض مياه جوفية على مستوى العالم، ويمر بمصر وليبيا والسودان وتشاد، وتقدر كمية مخزون المياه المتاحة لمصر منه بحوالي 500 مليار متر مكعب من المياه القديمة (الأحفورية) غير المتجددة، التي تمتاز بجودة عالية وتخلو من الملوثات".

كما يوجد أيضًا "حوض المغرا وحوض الأحجار المتشققة"، وبالرغم من أن مياهه فقيرة من حيث الكمية والنوعية، إلا أنها يمكن استخدامها في بعض الزراعات التي تتحمل ملوحة المياه، أما "الأحواض الساحلية" فتشمل الشريط الساحلي للبحر الأحمر والبحر المتوسط، وتعتمد أساسًا في تغذيتها على الأمطار وبعض التغذية من الخزانات الجوفية العميقة، وهذه الخزانات تتعرض لظاهرة تَداخُل مياه البحر، مما يعرضها للتدهور.

يقول "سلام": "إنه يتم تدبير المياه المنزلية في مصر من مصدرين رئيسيين هما المياه السطحية التي توفر حوالي 88.99٪، والمياه الجوفية التي توفر حوالي 10.77٪ من إجمالي الطلب، وحوالي 0.24٪ من تحلية مياه البحر"، مضيفًا أن "معدل النمو السكاني الإجمالي في مصر يزداد بنسبة 2.05٪ سنويًّا، في حين يقدر استهلاك الفرد من المياه بـ102 متر مكعب من المياه سنويًّا، وبالتالي ستزداد المتطلبات المستقبلية المقدرة لمصادر المياه المحلية على نحوٍ مُطَّرد من حوالي 9.207 مليارات متر مكعب في عام 2016 إلى 14.98 مليار متر مكعب في عام 2040 في حالة عدم تحسين كفاءة النظام الحالية".

ويشدد "سلام" على ضرورة التخطيط لزيادة موارد المياه المنزلية من حوالي 9.2 مليارات متر مكعب حاليًّا إلى حوالي 15 مليار متر مكعب من المياه بحلول عام 2040، وأن يتم ذلك من خلال الاعتماد على مصادر مائية من خارج مياه النيل، ما يتطلب تنفيذ استثمارات ضخمة لتحلية مياه البحر في المحافظات الساحلية، فضلًا عن معالجة المياه الجوفية العذبة وتحليتها، وتحلية المياه الجوفية المائلة للملوحة في دلتا النيل والوادي".