كشفت دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) أن تفشِّي فيروس كورونا المستجد في الصين جاء كنتيجة مباشرة "لعدم توثيق الحالات على نحوٍ كافٍ" خلال الفترة التي سبقت الإعلان عن حظر السفر في 23 يناير الماضي.

وتوصل الباحثون إلى تلك النتيجة بعد أن أجروا عشرات من عمليات النمذجة الحاسوبية، بهدف الوصول إلى الطريقة التي تفشى بها الفيروس داخل مدينة ووهان، ومنها إلى الصين، ثم باقي أنحاء العالم.

بقول الباحثون: "إن السلطات الصينية لم تتمكن من توثيق نحو 86٪ من حالات الإصابة بكورونا المستجد قبل بدء عمليات حظر السفر، ما أدى إلى إصابة ثلثي الحالات الموثقة، ما يعني أن "النقل الخفي" -عملية انتقال العدوى من شخص مُصاب لا تظهر عليه الأعراض إلى شخص آخر- أسهمت بصورة كبيرة في نشر الفيروس القاتل".

وتؤكد الدراسة أهمية إجراء الفحوصات والاختبارات اللازمة على المرضى حتى لو كانوا لا يُعانون من أي أعراض تنفسية خطيرة، أو حتى على غير المرضى من المخالطين للحالات التي عانت سابقًا –في أثناء ذلك التفشي- من أعراض الإصابة بكورونا المستجد، ما يتطلب تطوير وسائل وآليات من شأنها إجراء الاختبارات على العديد من الأشخاص في وقت قصير، وبفاعلية كبيرة، وتكاليف بسيطة.

لاكتساب معرفة أكبر، قام الباحثون بتطوير نموذج رياضي يحاكي الديناميكيات الزمانية والمكانية للعدوى بين 375 مدينة صينية، وقسموا الحالات المرضية إلى فئتين: أولاهما فئة الأفراد الموثقين الذين يعانون من أعراض شديدة بما يكفي ليتم تأكيدها، أما الفئة الثانية فيقع ضمنها الأشخاص الحاملون للفيروس غير الموثقين في بداية الإصابة.

ووجدوا أنه "بناءً على تقديرات الحركة البشرية ونموذج انتشار العدوى، فإن معظم حالات الإصابة بالفيروس لم توثق على الإطلاق"، على حد ما يقول عالِم الأبحاث المشارك بقسم علوم الصحة البيئية بجامعة كولومبيا "سين لي"، أحد مؤلفي تلك الدراسة.

يضيف "لي" في تصريحات لـ"للعلم": "إن تطبيق النموذج الصيني على باقي أنحاء العالم يعني وجود أكثر من 7 أضعاف عدد الحالات الموجودة حاليًّا، لكنهم مختفون فيما بيننا ولا تظهر عليهم أيّ أعراض؛ إذ تكاد الأعراض تكون معدومةً في المصابين دون ثلاثين عامًا، بعكس كبار السن الذين يعانون من أزمات حادة تجعل من اكتشاف حالتهم شيئًا غايةً في السهولة، ما يعني أن الحالات غير الموثقة بمنزلة قنبلة موقوتة".

من جهته، يؤكد المؤلف المشارك "جيفري شامان"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن مدى انتقال الفيروس قبل ظهور الأعراض "كبير"؛ فشأنه شأن فيروسات الإنفلونزا والفيروسات الغدية، يُسبب فيروس الكورونا المستجد أعراضًا خفيفة في بداية الإصابة، ما يجعل المرضى لا يهتمون بالذهاب إلى المستشفيات في وقت مبكر، ويؤدي إلى انتشار الفيروس على نطاق جغرافي واسع بشكل سريع.

يقول "شامان": الدراسة تشكل صرخةً قوية، تعلن عن ضرورة إجراء تقييمات دقيقة لأعداد المُصابين. فمن دون ذلك الأمر سيستمر الوباء في حصد العديد والعديد من الأرواح.. وستؤول كل الجهود الحالية إلى الفشل الذريع.