كشف تحليل للحمض النووي استخرجه باحثون من رواسب طينية أن إنسان النياندرتال انتشر عبر أوراسيا -الكتلة الأرضية التي تتكون منها قارتا أوروبا وآسيا- في موجتين مختلفتين.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية ساينس (Science)، أشار تحليل المواد الجينية من ثلاثة كهوف في بلدين (إسبانيا وروسيا) إلى أن موجةً مبكرةً من إنسان النياندرتال رحلت منذ حوالي 135 ألف عام عن ذلك المكان واستُبدلت بها أجيالٌ لاحقة تختلف على المستوى الجيني -وربما التشريحي- بعد 30 ألف عام.

يقول "بنجامين فيرنوت" -عالِم الوراثة في معهد "ماكس بلانك" للأنثروبولوجيا التطورية في ألمانيا، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": اعتمدت الورقة البحثية الجديدة على استخراج المواد الجينية من الطين، لقد تعلم الباحثون الكثير عن تاريخ البشرية من الحمض النووي القديم، لكن العظام من إنسان نياندرتال نادرة حقًّا ويصعب العثور عليها، ما يضع كثيرًا من الحدود والعقبات في طريق العلم.

يضيف "فيرنوت": للتغلب على هذه المشكلة، قمنا بتطوير طرق للحصول على الحمض النووي البشري من الطين، وهو ما يتيح لنا دراسة البشر حتى عندما لا نجد عظامهم.

قبل بضع سنوات، أظهر العلماء أنه من الممكن أن يُستخرج من الطين الحمض النووي البشري في عصور ما قبل التاريخ، الذي يحتوي على مادة وراثية خلَّفها أسلافنا من قشور الجلد أو الشعر أو الفضلات المجففة أو سوائل الجسم مثل العرق أو الدم.

لذلك يمكن أن يؤدي التحليل الجيني للرواسب القديمة إلى رؤى قيمة حول التطور البشري، بالنظر إلى أن الحفريات البشرية القديمة التي تحتوي على ما يكفي من الحمض النووي المناسب للتحليل نادرةٌ للغاية.

حتى الآن، جاء الحمض النووي البشري القديم الذي تم تحليله من الطين من الميتوكوندريا -العضيات التي تعمل كمصانع للطاقة في خلايانا- وليس الكروموسومات في نوى الخلية، التي تحتوي على التعليمات الجينية الفعلية لبناء الجسم وتنظيمه.

وعلى الرغم من أن الكروموسومات تحتوي على معلومات أكثر بكثير، إلا أن استرجاع عينات من هذا الحمض النووي من الكهوف كان أمرًا صعبًا بسبب ندرته النسبية؛ فغالبًا ما تمتلك الخلية البشرية آلاف النسخ من جينوم الميتوكوندريا الخاص بها لكل مجموعة من الكروموسومات، والغالبية العظمى من أي حمض نووي موجود في الطين القديم تنتمي إلى حيوانات أخرى أو إلى الميكروبات.

لاستخراج الحمض النووي للكروموسومات البشرية القديمة من الكهوف، حدد "فيرنوت" مناطق في الكروموسومات غنية بالطفرات الخاصة بأشباه البشر؛ لمساعدة الفريق على تصفية الحمض النووي غير البشري.

ساعد هذا التحديد الباحثين في تحليل الحمض النووي لكروموسومات الإنسان البدائي بنجاح من أكثر من 150 عينةً من الرواسب التي تعود إلى ما يقرب من 50 ألف سنة وحتى 200 ألف سنة من كهف في إسبانيا وكهفين في سيبيريا.

بعد أن قارن الفريق بياناته بالحمض النووي الذي تم جمعه سابقًا من حفريات إنسان نياندرتال من العمر نفسه تقريبًا، أشارت النتائج إلى أن كل هؤلاء النياندرتاليين انقسموا إلى موجتين مختلفتين وراثيًّا انتشرتا عبر أوراسيا، ظهرت إحداهما منذ حوالي 135 ألف عام، أما الأخرى فقد ظهرت منذ حوالي 105 آلاف عام، إذ أدى فرع واحد من الموجة السابقة إلى ظهور جميع المجموعات اللاحقة التي جرى فحصها.

في الكهف الإسباني، وجد الباحثون دليلًا وراثيًّا لكلتا المجموعتين، ويبدو أن الموجة اللاحقة قد حلت محل الموجة السابقة.

يقول الباحثون إن الموجة اللاحقة قد تكون مرتبطةً بظهور المرحلة "الكلاسيكية" الأخيرة من تشريح الإنسان البدائي، وهي السمات الهيكلية مثل انتفاخ مؤخرة الجمجمة، ما يشير إلى عضلات قوية في الرقبة أو مناطق دماغية متضخمة مرتبطة بالرؤية.

وأشاروا إلى أن هذه الموجة اللاحقة ربما تزامنت مع انخفاض درجات الحرارة والتغيرات البيئية الأخرى التي جاءت مع ظهور العصر الجليدي الأخير.

يقول "فيرنوت": الدراسة التي استمرت 3 أعوام كاملة تكشف عن وجود تطور فرعي داخل إنسان نياندرتال ربما قاد إلى اختلافات تشريحية، إلا أن الأهم من ذلك هو ابتكار طريقة متميزة لجمع الحمض النووي من داخل الطين القديم.

ويشير "فيرنوت" إلى أن تلك الدراسة ستُسهم في فتح العديد من الكهوف والمواقع الأثرية للاستكشاف الجيني، ما سيُسهم "في التعرُّف أكثر على جدودنا، حتى لو لم نتمكن من العثور على عظامهم".