تستخدم الحشرات طُرقًا عديدة للتنقل، بعضها يمشي على ست قوائم، وبعضها طوَّر قدرات حفظ الاتزان على ثلاث أرجل، في حين تفضل بعض الحشرات الطيران، وتتنقل أخرى عن طريق وسيلة غريبة وهي القفز.

ووفق دراسة نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE)، اكتشف فريق من الباحثين سلوك قفز جديدًا تمامًا تستخدمه يرقات الحشرات لم يُلاحظ من قبل إطلاقًا، وهو سلوك ربما تستخدمه مجموعةٌ أخرى من الحشرات.

في ذلك السلوك، تقوم يرقات خنفساء اللحاء المبطنة غمدية الأجنحة -وهي نوع من أنواع الخنافس المنتشرة في جميع أنحاء العالم- بتقويس أجسامها في أجزاء من الثانية، ثم تُمدد الجسم لإكسابه قوة تُمكنِّه من القفز للأمام بسرعة 15 سنتيمترًا في الثانية الواحدة لتقطع الحشرة مسافة شاسعة قدرها 11.5 ملليمترًا في المتوسط خلال القفزة الواحدة، علمًا بأن متوسط طول جسم تلك الحشرة لا يزيد عن 1.9 ملليمتر.

يمكن تبسيط الأمر من خلال تخيُّل ما فعله أسطورة ألعاب القوى الأمريكي "مايكل باول" في عام 1991؛ إذ سجل رقمًا قياسيًّا في الوثب الطويل بمسافة 8.95 أمتار، يبلغ طول "باول" 1.88 متر، ما يعني أنه تمكَّن من إجراء قفزة تُعادل 4.7 أضعاف طوله، أما تلك اليرقة فقد تغلبت على ذلك الرقم القياسي بقفزة تزيد على ستة أمثال طولها.

تقوم الخنافس بثني أجسامها وتخزين الطاقة لفترة وجيزة من أجل القفز CREDIT: MATT BERTONE, NC STATE UNIVERSITY

يقول "أدريان سميث"، رئيس مختبر علم الأحياء التطورية والسلوك بمتحف نورث كارولينا للعلوم الطبيعية، والمؤلف المشارك في الدراسة: يُعد ذلك السلوك غريبًا للغاية؛ فغالبًا ما تكون اليرقات رخوة الجسم وقليلة الحركة، ومكيفة للتغذية والنمو، في حين أن الحشرات البالغة غالبًا ما تكون لديها القدرة على التحرك للبحث عن الغذاء أو التزاوج، لكن هذا النمط من الحياة المستقرة بشكل عام، والذي تُظهره العديد من اليرقات، يجعلها أهدافًا جذابةً للغاية بالنسبة للحيوانات المفترسة والطفيليات.

يضيف "سميث" في تصريحات لـ"للعلم": لذا طورت الحشرات عددًا من الحلول للدفاع عن اليرقات، مثل وضعها في أماكن خفية، أو حراستها عن طريق أحد الأبوين، أو حتى استخدام المواد الكيميائية المُنفرة لإبعاد المفترسات، وعادةً ما تكون اليرقات الأرضية ممتلئة الجسم وبطيئة الحركة، وذات أرجل قصيرة أو بلا أرجل على الإطلاق، ما يعني أن الحركة غير مطلوبة، وما تفعله تلك الخنفساء أمرٌ غير تقليدي على الإطلاق؛ إذ تعيش يرقات ذلك النوع من الخنافس تحت لحاء الأشجار الميتة، وتتغذى في الغالب على الفطريات الموجودة بوفرة في بيئتها، لذا لا نعرف بالضبط السبب وراء قيامها بتلك القفزات.

ويتابع: تقوم تلك اليرقات بضغط جسمها وقذف نفسها في الهواء لمسافة كبيرة بصورة تشبه الزنبرك، وعلى حد علمنا لا يوجد حيوان آخر يقفز بالطريقة البهلوانية التي تقفز بها تلك اليرقات، ربما تستخدم تلك اليرقات طريقة القفز البهلوانية للهرب من المفترسات، خاصةً أنها تعيش في بيئة غير مستقرة للغاية، ومن المحتمل أن تكون عُرضةً للحيوانات المفترسة، وبالتالي فإن القدرة على تحريك نفسها بسرعة والعثور على مخبأ ربما تكون أمرًا مفيدًا.

لكن ما هي آلية القفز على وجه التحديد؟ بدلًا من استخدام الأرجل للقفز، تقوم هذه الخنافس بثني أجسامها وتخزين الطاقة لفترة وجيزة من أجل القفز، وعندما تفقد أرجلها السيطرة على الأرض يتم إطلاق الطاقة المخزنة وتثني الخنافس رأسها وصدرها لأسفل، مما يجعلها تقذف جسمها لأعلى بكفاءة، وفي الهواء تتكور اليرقة حول نفسها وتتدحرج بعيدًا عن مكانها الأصلي.

بدأت هذه الدراسة عندما وجد المؤلف الرئيسي "مات بيرتون" يرقات الخنفساء في شجرة ميتة خارج مكتب جامعته؛ حيث لاحظ الباحث أن تلك اليرقات "تقفز" بطريقة غير عادية، لذلك اتصل بـ"أدريان سميث"، وبَدَآ معًا في تصوير اليرقات بكاميرات عالية السرعة لوصف ما تفعله.

يقول "سميث": كان الافتراض الوحيد لدينا، والذي اختبرناه في تلك الدراسة، هو أن تلك الخنفساء تستخدم -على الأرجح- نظامًا يُشبه الزنبرك، وعندما تتحرك الكائنات الحية الصغيرة مثل الحشرات بسرعة وقوة، فهذا مؤشر جيد على أنها تستخدم نظامًا يُشبه الزنبرك، لقد عملنا على هذا البحث بشكل متقطع عدة سنوات، خاصةً أنه نادرًا ما يُعثَر على يرقات الخنافس هذه، لذلك عندما وجدناها عملنا على تسجيلها بشكل مكثف لبضعة أسابيع ثم بدأنا في معالجة البيانات واستغرقت تلك العملية عدة سنوات، وتُعد هذه الدراسة مثالًا لحيوان طور قفزةً قويةً "بطريقة الزنبرك" دون تعديل الكثير من تشريحه.

يضيف "سميث": تلك القفزة فريدة، ولا يفعلها أي نوع آخر من الحيوانات، وهو أمر يوضح أنه لا يزال هناك الكثير مما تجب ملاحظته والتعرف عليه في عالم الحشرات، إن الحشرات تفعل أشياء غير عادية تعطينا أفكارًا جديدةً حول كيفية تكيُّف الأنظمة الحية مع بيئاتها، ومعظمها، مثل هذه الخنفساء، في انتظار اكتشافها ووصفها في ظل طبيعة لا تزال تمتلئ بالأعاجيب.