من بين حوالي 3500 نوع من البعوض حول العالم، لم يتجه إلى لدغ البشر سوى عدد قليل منها، ما جعل هذه الفئة القليلة مصدرًا لنشر الأمراض المعدية والقاتلة، مثل حمى الضنك وزيكا.

وللتنبؤ والمساعدة في السيطرة على انتشار الأمراض التي ينقلها البعوض، من المهم معرفة أين ولماذا يسلك بعض البعوض تجاه لدغ البشر في المقام الأول؟ وهو ما أجاب عنه علماء في جامعة برنستون الأمريكية.

وحدد الباحثون -في دراسة نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) اليوم "الخميس"، 23 يوليو- عاملين رئيسيين لزيادة هجمات البعوض للدغ البشر، هما المناخ الجاف والحياة في المدينة، لذا توقعوا أن زيادة التحضّر في العقود المقبلة ستعني انتشار المزيد من البعوض القاتل للإنسان في المستقبل.

ويميل بعض البشر إلى اعتبار أن جميع البعوض باختلاف أنواعه ينقل الآفات. لكن في الواقع، يرى الباحثون أن البعوض متنوع تمامًا، وأن البعض منه لا يلدغ البشر على الإطلاق، بل هناك عدد قليل فقط من من أنواع البعوض متخصص في لدغ الإنسان ونقل الأمراض.

ركز الباحثون اهتمامهم على البعوضة الزاعجة، التي تُعَد الناقل الأساسي لأمراض حمى الضنك، وزيكا، والحمى الصفراء، وفيروس الشيكونجونيا.

من جهته، يقول "نوح روز" –الباحث المتخصص في علم الأحياء التطوري بجامعة برنستون الأمريكية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أن البعوضة الزاعجة لديها مستويات متنوعة من الجاذبية للمضيفات البشرية في أجزاء مختلفة من أفريقيا. وبعضها يختار دائمًا لدغ البشر على مضيف حيواني آخر، أما بعضها الآخر فيفضل الحيوانات على الإنسان، وهذا أمر مهم؛ لأن البعوض القاتل للإنسان يؤدي دورًا قويًّا في نشر الأمراض.

وعن أهمية الدراسة، يشير "روز" إلى أنه "يمكن استخدام المعلومات الواردة في الدراسة لتتبُّع كيفية تغيُّر تعداد البعوض بمرور الوقت، ومحاولة استخدام هذه المعلومات لاكتشاف ما إذا كان البعوض سيتمكن من نشر المرض بصورة أكبر في المستقبل".

وللوصول إلى نتائج الدراسة، استخدم الفريق مصائد خاصة لجمع البعوض من مناطق متعددة في 27 موقعًا بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفي المختبر، راقبوا تفضيلات عينات البعوض لرائحة البشر مقابل الحيوانات الأخرى، بما في ذلك خنازير غينيا وطائر السمان.

وأوضح "روز" أن الفريق توصل إلى نتيجتين رئيسيتين، أُولاهما أن البعوض الذي يعيش بالقرب من المدن الحضرية الكثيفة مثل "كوماسي" في غانا أو "واغادوغو" في بوركينا فاسو، ينجذب إلى الناس بصورة أكثر، مقارنةً بالمناطق الريفية.

أما النتيجة الثانية، فكانت أن البعوض الذي يعيش في أماكن ذات مواسم جفاف أطول وأكثر حرارةً -تحديدًا منطقة الساحل في أفريقيا حيث تتركز الأمطار في شهرين فقط من السنة- أظهر تفضيلًا قويًّا لرائحة الإنسان مقابل الحيوان.

وتابع "روز": نعتقد أن هذا يرجع إلى أن البعوض في الأماكن ذات المواسم الجافة الحارة يعتمد على البشر بشكل خاص. على وجه الخصوص، يعيش البعوض مرحلة اليرقات في المياه التي يخزنها البشر في الأواني.

وواصل حديثه: "نعتقد أن تفضيل البعوض للدغ البشر قد تطور في الأصل في ظروف مماثلة، إذ أصبح البعوض يعتمد على لدغ البشر في الأماكن ذات المواسم الجافة الشديدة منذ 5 آلاف إلى 10 آلاف سنة".

وعما إذا كان للموضوع أصل وراثي قال: وجدنا أن أنواع البعوض التي تلدغ الإنسان تتشارك الطفرات الوراثية في أجزاء رئيسية قليلة من الجينوم الخاص بها. وهذا يشمل البعوضة الزاعجة التي تهاجم البشر في أفريقيا، والنوع ذاته الذي ينتشر في قارات أخرى ويلدغ البشر أيضًا.

واستنادًا إلى تلك النتائج، أشار "روز" إلى أن تغيُّر المناخ في العقود القليلة المقبلة ليس من المتوقع أن يؤدي إلى تغيُّرات كبيرة في ديناميات موسم الجفاف التي وجدوا أنها مهمة للبعوض، لكنهم يقولون إن التحضُّر السريع يمكن أن يدفع المزيد من البعوض للدغ البشر في العديد من المدن عبر أفريقيا جنوب الصحراء على مدى السنين الـ30 المقبلة.

واختتم حديثه قائلًا: سنستمر في دراسة التفاعل بين تفضيلات البعوض في اللدغ، وعلاقة ذلك بالمناخ والحياة الحضرية. وسنركز على دراسة الجينات الأكثر أهميةً التي تقود هذه التغييرات لدى البعوض.