بينما كان هناك تركيزٌ كبيرٌ على دور تعاطي القنب في الإصابة بأمراض الذهان، كان هناك اهتمامٌ أقل بشأن ما إذا كان تعاطي القنب يرتبط بزيادة خطر الإصابة باضطرابات الصحة العقلية الشائعة، مثل الاكتئاب والقلق. ومع تزايُد استخدام "الماريجوانا" على مستوى العالم، تتوجس الأوساط العلمية من تأثيرات هذا المخدر على أدمغة المراهقين، وبصفة خاصة مَن هم في طور النمو.

باحثون من جامعة ماكجيل وجامعة أكسفورد أجروا مراجعة منهجية وتحليلًا تلويًّا meta-analysis لأفضل الأدلة الموجودة، إذ عملوا على تحليل بيانات 23.317 فردًا (عبر 11 دراسة دولية) لمعرفة ما إذا كان استخدام الماريجوانا في المراهقة يرتبط بحالات الاكتئاب والقلق والانتحار في مرحلة البلوغ المبكر. كشفت نتائج الدراسة وجود أدلة قوية تُظهر أن استخدام مخدر الماريجوانا، الذي يُستخرج من نبات القنب، يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب واحتمالات الانتحار.

تقول "جابرييلا جوبي" -أستاذ الطب النفسي العصبي بوحدة قسم الطب النفسي جامعة "ماكجيل"، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذه هي الدراسة الأولى التي تقوم بإجراء تحليل تلوي لتقييم خطر الاكتئاب، والانتحار والقلق في مرحلة النضوج، وذلك نتيجة لتعاطي القنب خلال فترة المراهقة، كما وجدنا أن استخدام القنب يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب، وكذلك خطر الانتحار لدى البالغين".

تضيف "جوبي": وجدنا أن تعاطي القنب يزيد من خطر الاكتئاب بنسبة 40٪، ومن خطر الانتحار بنسبة 50% في مرحلة البلوغ.

والتحليل التلوي (التجميعي) هو تحليل في عِلم الإِحصاء يتَضَمَّن تطبيق الطُّرُق الإحصائيّة على نَتائِج عِدّة دِراسات قد تكون مُتوافِقة أو مُتضادّة، وذلك من أجل تَعيين تَوجُّه أو مَيل لِتلك النتائِج أو لإيجاد علاقة مُشتَركة مُمكِنة فيما بَينها.

تقدير موجز

تقول "جوبي": "إن الدراسة استهدفت تقديم تقدير موجز لمدى ارتباط تعاطي القِنَّب خلال فترة المراهقة بخطر الإصابة بالاكتئاب الشديد والقلق والسلوك الانتحاري اللاحق، وتم اختيار دراسات طولية ومستقبلية لتقييم تعاطي القنب بين المراهقين دون سن 18 (نقطة تقييم واحدة على الأقل)، ثم تحديد تطور الاكتئاب لدى صغار البالغين (من 18 إلى 32 سنة). وتم تحديد نسب الأرجحية (هي مقياس لحجم التأثير، يصف قوة الارتباط أو عدم الاستقلال بين قيمتين ثنائيتين)، وذلك للأخذ في الاعتبار وجود الاكتئاب الأولي و/ أو القلق و/ أو الانتحار".

وقد تم استبعاد الشباب الذين أظهروا بالفعل علامات الاكتئاب أو كان لديهم تاريخ عائلي للحالة. كما أُخذ بعين الاعتبار حساب العوامل الأخرى المؤثرة، وتكشف النتائج أن استخدام القنب قبل عمر 18 سنة يزيد من فرصة الإصابة بالاكتئاب في مرحلة البلوغ.

تضيف "جوبي": لم نتمكن من إثبات أن تعاطي القنب يسبب الكآبة بشكل مؤكد. وبدلًا من ذلك، كان بإمكاننا فقط القول بأن التعاطي والاكتئاب يبدوان وكأنهما على صلة وثيقة ببعضهما. وهذا ليس فقط بسبب الأرقام التي تم التوصل إليها، ولكن أيضًا بسبب ما يُعرف عن تأثير القنب على الدماغ النامية.

وتشير دراسة أمريكية سابقة إلى أن مادة "تتراهيدروكانابينول"، وهي مادة كيميائية تُعد من المكونات الرئيسية للقنب، ويشار إليها بمصطلح مختصر وهو "تي إتش سي"، يكون لها القدرة على التدخُّل في النمو العصبي الطبيعي للمراهقين، وتغيير مسار نمو الدماغ إلى حالة معرَّضة للمرض. وهو الأمر الذي قد يهيئ مَن يتعاطون القنب للإصابة باضطرابات عاطفية وذهانية في عمر مبكر.

ووفق نتائج هذه الدراسة، فإن العديد من الدراسات البشرية، بما في ذلك الدراسات المستقبلية الطولية، تُظهر أن تعاطي القنب المبكر مرتبط بـ"الاضطراب الاكتئابي الرئيسي" وتعاطي المخدرات. كما تشير إلى وجود ارتباط قوي بين الفصام واستخدام القِنَّب، خاصةً عند النظر في العوامل الوراثية التي تتفاعل مع هذا التعرض البيئي.

وتأتي هذه النتائج تزامنًا مع انتشار تشريعات أمريكية بإباحة الماريجوانا، وفي وقت شرعت كندا استخدامها للأغراض الترفيهية على الصعيد الوطني في العام الماضي.

خريطة استهلاك القنب

توضح أرقام الدراسة أن القنب هو أكثر المخدرات غير المشروعة استخدامًا في العالم، وأن 3.8% من سكان العالم استخدموه في العام الماضي، مشيرةً إلى أن "الأمر يبدو مثيرًا للقلق، بصفة خاصة بالنسبة للدول الصناعية الكبرى التي بدأ استهلاك القنب فيها يستشري بشدة".

فقد زاد استهلاك القنب في الولايات المتحدة بين عامي (2001 -2002) وعامي (2013 -2012) من 10.5% ليصل إلى 21.2% من الشريحة العمرية ما بين 18 حتى 29 عندما أجريت استبانة عما إذا كانوا قد استهلكوا القنب في غضون عام مضى. كما أقر حوالي 7% من طلاب المدارس الثانوية الأمريكية بأنهم يستهلكون القنب بشكل يومي أو شبه يومي.

وفي إنجلترا أقر 4% ممن تتراوح أعمارهم بين 11 وحتى 15 عامًا بتعاطي القنب خلال شهر واحد في أثناء إجراء الدراسة، أما معدل استخدام القنب بين الكنديين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 19 سنة، فقد بلغ في عام 2018 نحو 20.6%، وفي أستراليا يستهلك 4٪ من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 إلى 19 سنة القِنَّب بشكل أسبوعي.

 كما تشير بيانات الدراسة إلى أن 87.6 مليون بالغ في الاتحاد الأوروبي (تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة)، أي حوالي 26.3٪ من هذه الفئة العمرية، جربوا القنب خلال حياتهم.

وفي العام الماضي، تراوحت معدلات انتشار تعاطي القنب بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة من 3.5٪ في المجر إلى 21.5٪ في فرنسا.

ورغم أن الماريجوانا تُعَد من الأنواع الأكثر شيوعًا في دول العالم الغربي وقد لا تكون غير شائعة التداول في مصر، لكن الأنواع المتداولة في مصر قد لا تقل خطورةً في تأثيرها على الصحة النفسية، وهو ما يعطي هذه الدراسة قوتها، على حد تعبير "ندى أبو المجد" -استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان ومديرة إدارة الإدمان سابقًا بالأمانة العامة للصحة النفسية- في تصريحات لـ"للعلم".

أجزاء مختلفة من النبات

وتضيف "أبو المجد" أن "الماريجوانا والحشيش والبانجو هي أجزاء مختلفة من نبات القنب. فالبانجو هو بذرة النبات، أما الحشيش فهو أوراقه، في حين أن الماريجوانا هي الزهرة، وهذا نوع رغم عدم شيوعه في مصر لكنه أقل خطورةً من الأنواع الدارجة عندنا، التي يُعَد الحشيش أكثرها تداولًا".

ووفق بيانات الخط الساخن التابع لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي في مصر لعام 2018، يعتبر الترامادول هو المخدر الأكثر استخدامًا في مصر بنسبة تبلغ 65.5%، ويليه الحشيش بنسبة 58%، ثم الهيروين بنسبة 26.7%، إلى جانب ظهور الأنواع الجديدة مثل الأستروكس والفودو بنسبة 20.7%، ويليه البانجو بنسبة بلغت 11%.

وأوضحت نتائج الخط الساخن أن أهم العوامل الدافعة للتعاطي في مصر هو أصدقاء السوء بنسبة 54.8%، وحب الاستطلاع بنسبة 8.6%، والتفكك الأسري بنسبة 8.4%، ووهم علاج المشكلات الصحية 4.1%، إضافةً إلى عوامل أخرى مثلت النسبة الباقية (24.1%) من بينها توهُّم زيادة القدرة الجنسية.

يقول "عمرو عثمان" -مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أرقام الخط الساخن تُعتبر كاشفةً بشكل كبير لمشكلة تعاطي المخدرات في مصر؛ نظرًا إلى أننا نحصل عليها من قِبَل الأفراد المتقدمين للعلاج"، مضيفًا أننا نقوم كل خمس سنوات بعمل دراسة مسحية على المستوى القومي.

وأوضح أن نسبة التعاطي في الدراسة الأخيرة التي أُجريت عام 2014 بلغت 10% في الفئة العمرية 15-60 سنة، بينما وصلت نسبة الإدمان إلى 1.8%. وبيَّن أنه في الفترة الحالية يقوم الصندوق بإجراء مسح جديد بالتعاون مع وزارة الصحة ومركز البحوث الاجتماعية والجنائية لاستخراج نسب جديدة سوف يتم الإعلان عنها في أبريل القادم.

تأثيرات القنب على الدماغ

تضيف "أبو المجد" أن "مشكلة هذه الأنواع من المخدرات، سواء الحشيش أو الماريجوانا أو البانجو، أنها تتعامل مع خلايا المخ المسؤولة عن جهاز المكافأة، وتؤدي بالتالي إلى إفراز كميات كبيرة من الدوبامين، الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالسعادة. ومع تكرار الاستهلاك يبدأ مخزون الدوبامين الطبيعي الموجود في الدماغ في النفاد، فيفقد جهاز المكافأة وظيفته شيئًا فشيئًا، وعندما يتناول الشخص المخدر قد لا يشعر بالمتعة، مما قد يسبب له الاكتئاب الذي قد يصل في حالات أخرى إلى الانتحار عند بعض المرضى".

اضطرابات نفسية

وتوضح "أبو المجد" أن الباحثين دائمًا يلاحظون ظهور أعراض لاضطرابات نفسية مثل "الاضطرابات الذهانية" لدى بعض المرضى الذين يتعاطون البانجو مثلًا، وهو ما يجعل الفريق المعالج يقدم في كثير من حالات الإدمان تشخيصًا مزدوجًا (إدمان-اضطراب نفسي)، مضيفةً: "تتبعنا هذا الأمر في السنوات العشر الأخيرة لفتح أقسام للتشخيص المزدوج في بعض المستشفيات التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية؛ وذلك لأن برامج علاج الإدمان تحتاج إلى طاقة ومجهود ذهني كبير وتفكير منطقي قد لا يتحمله مريض التشخيص المزدوج الذي صممنا له برامج خاصة به؛ حتى لا يتسبب علاجه في تعطيل تعافي الآخرين من مرضى الإدمان".

في الختام، تقول "جوبي": رغم الجدل العلمي الذي قد تثيره تداعيات استخدام القنب على الدماغ، تؤكد النتائج التي توصلنا إليها أنه ينبغي أن يكون المراهقون وأولياء الأمور أكثر اطلاعًا بشأن عواقب القنب على الصحة العقلية، وينبغي بذل المزيد من الوقاية لتلافي عواقب استهلاك القنب، لا سيما خلال فترة المراهقة. لكن الدراسات المتوافرة كانت محدودة، ونحتاج إلى دراسات أكبر لدراسة تأثيرات هذا المخدر بشكل أوسع. خاصةً أن القنب هو مصدر خطير للقلق على الصحة العامة.