في عام 1999، حصل العالم المصري الراحل "أحمد زويل" على جائزة نوبل عن ابتكار كاميرا "الفيمتو ثانية"، التي تستطيع رصد حركة الجزيئات عند تكوينها، كاشفةً عن الكيفية التى تتشكل بها الروابط الكيميائية في الزمن الحقيقي.

فريق بحثي يضم باحثين من مصر وكوريا واليابان نجح مؤخرًا في توظيف هذا الإنجاز في استثارة متراكبات المنجنيز الأكسجينية "Mn(IV)-Oxo Complex"، وذلك للحصول على مركب بمواصفات جديدة مفيدة في تحويل البنزين إلى فينول.

الفريق العلمي نشر نتائج ما توصل إليه في المجلة الأمريكية للجمعية الكيميائية Journal of the American Chemical Society.

وعلى الرغم من أن عملية تحويل البنزين إلى مركبات الفينولات ليست بالأمر الجديد؛ إذ نجح عدد من التفاعلات الكيميائية في ذلك، فإن الجديد في هذا البحث هو إنجازه بطريقة كيميائية أقل تعقيدًا مما جرى في السابق.

والفينول مركب صلب بلوري عديم اللون، وهو محدود الذوبان في الماء (8.3 ج/100مل)، حامضي بعض الشيء، ونشط ضد مجموعة واسعة من الكائنات الدقيقة، بما يجعله مفيدًا في بعض التطبيقات الطبية والصيدلانية، بما في ذلك بعض المطهرات والمستحضرات والمراهم والبنج الموضعي وقطَرات الأذن.

وتُستخدم الفينولات أيضًا في تخفيف التشنجات والآلام المزمنة، كما تدخل في علاج الأمراض الجلدية للوجه كالتقشير الكيميائي، وكذلك في صناعة (الأسبرين)، مسكن الألم الأكثر شيوعًا على مستوى العالم.

 والفينولات من المركبات العضوية الأروماتية عديدة الاستخدام في عمليات التخليق العضوي، وتحتوي على مجموعة هيدروكسيل OH- مرتبطة مباشرة مع حلقة البنزين.

وللفينولات أهمية صناعية كبيرة؛ إذ إنها ذات استخدامات عديدة كمبيدات حشرية ومطهرات ومواد حافظة للأطعمة والأخشاب، كما تُستخدم في المواد اللاصقة والأصباغ وغيرها، إضافةً إلى أنه يجري الاستفادة منها في صناعة المطاط.

تقنية جديدة أكثر بساطة

ورغم هذه الأهمية الكبيرة للفينولات، يقول "محمد الخولي" -أستاذ الكيمياء بالجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا وجامعة كفر الشيخ المصرية، وعضو الفريق البحثي- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "لم يكن هدف بحثنا الحصول على الفينول من البنزين، بقدر ما كنا نريد تطبيق تقنية الليزر في تسهيل العملية وجعلها أقل تعقيدًا".

ويضيف: "ببساطة تمكنَّا من تحقيق ذلك عن طريق استثارة متراكب المنجنيز أوكسو باستخدام الليزر فى وجود عنصر السكانديوم (Scandium)، لنحصل على متراكب في الحالة المثارة فعال ونشط في تحويل البنزين إلى فينول"، كما أوضحت قياسات ليزر الفيمتوثانية.

وكما هو معلوم فإن السكانديوم هو عنصر كيميائي فلزي صلب ذو لون فضي، رمزه الكيميائي Sc، ينتمي إلى مجموعة العناصر الانتقالية من الجدول الدوري، واكتشفه عام 1879 الكيميائي السويدي "لارس فريدريك نيلسون"، إذ عزله من عينات الفلزات الموجودة في إسكندنافيا، لذلك سُمّي بالإسكانديوم، ويُعَد من العناصر الأرضية النادرة، إذ إن ترتيبه هو الواحد والثلاثون من حيث وجوده في القشرة الأرضية.

ويوضح "الخولي" أن استثارة متراكب "المنجنيز أوكسو" في وجود السكانديوم باستخدام أشعة الليزر ساعد على إطالة زمن التفاعل إلى حوالي 6.4 ميكروثانية (الميكروثانية عبارة عـن مليون مليار جزء من الثانية).

 وعن سبب اختيار عنصر السكانديوم تحديدًا، يضيف أنه جرت تجربة أكثر من مركب فكان السكانديوم هو العنصر الأكثر ارتباطًا بمركب "المنجنيز أوكسو"، مما ينتج عنه متراكب ثابت وفعال في عملية التحويل.

الليزر فائق السرعة

ويشدد على أن هذا البحث يُعد تطبيقًا عمليًّا لتقنية الليزر فائقة السرعة التي ابتكرها العالم المصري الراحل أحمد زويل، ونال عنها جائزة نوبل العالمية في الكيمياء في عام 1999.

يقول الخولي: "قبل هذه التقنية لم نكن نعلم شيئًا عن ميكانيكية التفاعلات السريعة بين المركبات المختلفة وزمنها، ولكن هذه التقنية ساعدتنا بكل تأكيد في ذلك".

ويُثني "محمد ثروت حسن" -القائم بأعمال مدير مركز التصوير والميكروسكوب بجامعة العلوم والتكنولوجيا في مدينة زويل- على ما توصل إليه البحث من نتيجة، واصفًا المنهجية التي اتبعها بأنها تطبيق عملي لنظرية البروفيسور أحمد زويل في كيفية التحكم في التفاعلات الكيميائية باستخدام الليزر.

ويقول "حسن" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "رغم إعجابي بالبحث، فقد أثار لديَّ استفسارين، أولهما لماذا تم استخدام النانوثانية، ولم يُستخدم الفيمتو ثانية"، مضيفًا أن الثاني يتعلق بالطول الموجي لليزر.

واختبر البحث استخدام الليزر في الطول الموجي 640 نانومترًا، و900 نانومتر، وهو ما أثار لدى "حسن" تساؤلًا حول لماذا لم يتم تجربة طول موجي أقل خلال الدراسة.

ولم يجد "الخولي" صعوبة في الرد على هذين الاستفسارين، مشيرًا إلى أن "الفيمتو ثانية" يُستخدم في التفاعلات السريعة جدًّا، أما "النانو ثانية" فيُستخدم مع التفاعلات الأبطأ بعض الشيء.

وكان البحث قد بدأ باختبار الفيمتو ثانية في البداية، ولكن الباحثين اكتشفوا أن مدة التفاعل البطيئة بعض الشيء (6.4 ميكروثانية) تسمح باستخدام النانو ثانية.

وتستخدم تقنية "الفيمتو ثانية" كاميرا مبتكرة ترسل ومضات ضوئية سريعة جدًّا من الليزر مقدارها بضع عشرات من الفيمتو ثانية (الفيمتو ثانية عبارة عن مليون مليار جزء من الثانية)، أما سرعة ومضات كاميرا "النانو ثانية" فتساوي ( واحد من مليار من الثانية).

وعن الطول الموجي، يقول الخولي: "اختبرنا خلال البحث الطول الموجي المناسب الذي يحدث عنده التفاعل، فاختبرنا الأطوال الموجية من 300 إلى 1200، فكان الأكثر مناسَبَةً هو 640 و900 نانوميتر".

ويضيف: "الطول الموجي لعملية الامتصاص هو بمنزلة بصمة خاصة تختلف من مركب إلى آخر وفق التركيب الكيميائي، فيمكن مثلًا أن يمتص مركب الضوء عند طول موجي 400 نانوميتر، ولا يكون ملائمًا الطول الموجي نفسه لمركب آخر".