في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فوجئ المصريون بظهور سحابة سوداء تشق طريقها بقوة في السماء، وقتها تساءل الجميع عن سر تلك الظاهرة العجيبة، وسرعان ما اتجهت أصابع الاتهام إلى "حرائق قش الأرز".

ومنذ ذلك الحين، أثارت ظاهرة "السحابة السوداء" شغف الباحثين، الذين تباروا للبحث عن حلول لتحويل قش الأرز من عبء إلى ميزة، ومن بين هؤلاء جيهان قطب، المدرس بقسم الهندسة الكيميائية في كلية الهندسة بجامعة المنيا، والحاصلة على جائزة لجنة القطاع الهندسي بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية كأفضل رسالة دكتوراة مصرية في مجال الهندسة لعام 2017.

تكشف "جيهان"، في مقابلة أجراها معها موقع "للعلم"، كيف يمكن استخدام قش الأرز في تطبيقات مختلفة، مثل فصل الزيوت عن المياه، وتحلية المياه، وتنقية مياه الصرف الصناعي من الأصباغ.

- للعلم: هل يمكن أن تعطينا فكرة عن أطروحتك الخاصة بالدكتوراة التي منحتك هذه الجائزة؟

- جيهان: استهدفت في الدراسة إنتاج مواد نانومترية مختلفة التراكيب، كان مصدرها الرئيسي مادة "السيليكا" المستخرجة من قش الأرز، ووظفتها في العديد من التطبيقات. وعند تدعيمها بمواد أخرى، أظهرت كفاءة في معالجة المياه الملوثة وإزالة الأصباغ والمعادن الثقيلة. ويمكن توظيفها في معالجة المياه الملوثة بتقنية التحلل الضوئي، إحدى أكثر عمليات المعالجة فاعلية.

كما نجحت من خلال الرسالة في إنتاج مواد نانومترية استُخدمت كأقطاب في أجهزة تخزين الطاقة مثل خلايا الوقود.

- كيف تمكنت من تحقيق كل هذه الإنجازات في فترة قصيرة؟

- يُشترط على الباحث أن ينشر بحثين من رسالة الدكتوراة قبل مناقشتها، ولكني وُفِّقت في نشر 6 أبحاث منها؛ لتنوُّع موضوعاتها وتعدُّدها، وقد أنجزت كل هذه الأبحاث في عام ونصف فقط خلال وجودي في بعثة بكوريا الجنوبية بجامعة شونبك الوطنية، وأشرف عليها أستاذي الكوري "كيم هاك يوتج"، المتخصص في النانوفايبر، وأستاذي المصري "ناصر بركات" الذي يعمل في التخصص نفسه بالجامعة ذاتها.

- جميع هذه الأبحاث اعتمدت على مادة السيليكا المستخرَجة من قش الأرز، وذلك بالرغم من أن هناك صعوبة في استخراج تلك المادة، فكيف عالجتم تلك المشكلة؟

 - الموضوع معقد ولكن سأحاول تبسيطه، مشكلة استخلاص السيليكا باختصار تتمثل في أنها توجد دائمًا مع مواد أخرى، والمستهدَف الذي أريده هو السيليكا وحدها، ولاستخراجها يتم تسخين الماء تحت ضغطٍ عالٍ، ما يؤدي إلى إذابة كل المواد الموجودة في قش الأرز عدا السيليكا واللجنين، لأقوم في مرحلة تالية باستخدام حمض النيتريك لإذابة اللجنين، لتتبقى السيليكا وحدها، التي أعمل بعد ذلك على إنتاجها وتحويلها لجزيئات في حجم النانو.

- وماذا بعد إنتاج "السيليكا" في حجم النانو؟

- إنتاج السيليكا في حجم النانو هو الجهد الرئيسي، يعقب ذلك جهود أخرى لتوظيفها مع مواد أخرى في تطبيقات مختلفة، إذ استُخدمت مع مادة "تيتانيوم أيزو بروكسيد" في تنقية مياه الصرف الصناعي من الأصباغ باستخدام تقنية التحليل الضوئي، كما استُخدمت مع مادة "هيدروكسي أباتيد" في تصنيع أغشية لتنقيه المياه من الملوثات، واستُخدمت مع الـ"بولي سلفون" في فصل الزيوت ومنتجات البترول عن المياه، وبالتالي وجدنا أكثر من استخدام لـ"السيليكا" المستخرَجة من قش الأرز، وبالتالي نجحنا في تحويل تلك المادة التي يتم التخلص منها بالحرق سنويًّا، ما يتسبب في إحداث مشكلة بيئية كبيرة، إلى كنز من الفوائد.

- وهل كانت المواد المصنَّعة من السيليكا قادرةً على أداء الوظائف التي صُنعت من أجلها بكفاءة عالية؟

- النتائج كانت أكثر من رائعة، فمثلًا ثبت بالتحليل الطيفي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية حدوث فصل كامل لمشتقات البترول من البنزين والكيروسين والهكسان عن الماء في الخلطات التي جرى إعدادها معمليًّا، وذلك باستخدام غشاء "النانو فيبر" (الألياف النانوية)، والذي تم إعداده من الـ"نانو سيليكا" (المستخرَجة من قش الأرز) وأكسيد الجرافين.

ومن النتائج الجيدة أيضًا أن حبيبات النانو سيليكا نجحت في أول دقيقة من استخدامها في إزالة 65% من صبغة الميثيلين الأزرق عند وضعها في وسط مائي يحتوي على تلك المادة، كما أمكن باستخدام تقنية التسخين عند 450 درجة مئوية إزالة الأصباغ من تلك الحبيبات وإعادة استخدامها مرةً أخرى.

- وهل هناك أفق للخروج بهذه الأبحاث إلى حيز التطبيق؟

- مشكلتنا الأزلية أنه لا ربط بين البحث العلمي والتطبيق، ففي كوريا الجنوبية، حيث كنت أعد رسالة الدكتوراة، كانت الحكومة تأتي بالمشكلات إلى المعمل الذي أعمل به كي يساعد في حلها، فكانت الخطط البحثية تُبنى وفق احتياجات الحكومة، ولكن الوضع في مصر يسير بالعكس، فنحن نتطوع لحل المشكلات، وليس بناءً على خطة أو أولويات تحددها الحكومة، ثم نسعى لتسويق هذه الحلول.

- وكيف نحل هذه الإشكالية؟

- ندرس التجربة الكورية وغيرها من التجارب الناجحة، ونحاول نقلها.

- أفهم من ذلك أنه لولا وجودكِ في كوريا الجنوبية لما تمكنت من تنفيذ هذه الأبحاث؟

- بصراحة نعم، فالإمكانيات هناك تساعد على الإنجاز السريع.

- معنى ذلك أنكِ يمكن أن تنجزي في مصر، ولكن ليس بالسرعة نفسها؟

- مكثت في كوريا عام ونصف، أنجزت خلالها 6 أبحاث تتعلق بموضوع رسالة الدكتوراة، أما في مصر فكان يمكن أن أمكث عامًا ونصف لإنجاز بحث واحد فقط.

- إذن الإمكانيات موجودة ولكن ليس بالوفرة نفسها؟

- بالضبط، فمثلاً هناك عينات أحتاج إلى تحليلها، في كوريا سأجد الجهاز تحت يدي في المعمل، أما في مصر فسأظل أبحث عن الجهة التي لديها هذا الجهاز وأرسل العينة إليها وأنتظر حتى تأتيني النتيجة.

- هل يمكن أن يدفعكِ ذلك للكسل؟ وما الفرق بين أبحاثك في مصر وكوريا؟

- أنا شخصية والحمد لله نشيطة بطبيعتها، ولي نشاط بحثي مستمر، ولكنه ليس بنفس قوة الأبحاث التي أعددتها في أثناء وجودي في كوريا. فالأبحاث التي أجريتها في أثناء وجودي في كوريا نُشرت في مجلات علمية دولية مرموقة ذات مُعامل تأثير عالٍ، أما الأبحاث التي أجريتها بمصر فقد نُشرت في مجلات أقل من حيث معامل التأثير.