في فجر البشرية المبكر، طور الأجداد مهارات مُعقدة لا نزال نستخدمها حتى اليوم، مهارات قادت البشرية للتقدم والازدهار، كان اكتشاف طريقة التحكم في النار حدثًا ثوريًّا في تاريخنا، كما أحدث تطويع الأدوات واستخدامها تغييرًا جذريًّا في السلوك البشري.

قبل نحو 150 ألف عام، ظهرت اللغة المنطوقة لتُحدث هي الأخرى ثورةً معرفيةً جديدة؛ إذ ساعدت القدماء على التواصل ومهدت لبناء المجتمعات التعاونية، ورغم أن أصل اللغة ومنشأها لا يزالان غير محددَين بدقة كبيرة، إلا أن آثار ظهورها ونتائجه معروفة على وجه الدقة؛ فلولا اللغة لما تواصل البشر، ولما تمكنوا –بطبيعة الحال- من بناء المجتمعات الحديثة التي نعرفها اليوم.

وربطت العديد من النظريات القديمة بين المهارات اللغوية ومهارة استخدام الأدوات؛ فقد تحدث العالم الكبير "تشارلز داروين" عن تلك العلاقة المُعقدة في نظريته الثورية المعروفة على نطاق واسع بالنشوء والارتقاء، وقال إن التحكم المعقد في الأدوات أدى دورًا مهمًّا في ظهور اللغة، اتفق العديد من العلماء مع آراء "داروين"، ثم جاءت تلك الدراسة الجديدة المنشورة في دورية "ساينس" لتؤكد ذلك الادعاء.

المناطق الدماغية والمهارات المعقدة

لطالما اعتبر العلماء اللغة مهارةً معقدة، تحتشد من أجلها مجموعة مخصصة من الخلايا العصبية والشبكات الدماغية من أجل المعالجة اللغوية، لكن في السنوات الأخيرة عادت أبحاث علم الأعصاب إلى هذه الفكرة وقدمت رؤى جديدة؛ إذ تقول الدراسة الجديدة إن كُلًّا من المهارات اللغوية واستخدام الأدوات تعتمد على مجموعة واحدة من الخلايا؛ إذ إن المناطق الدماغية التي تتحكم في وظائف لغوية معينة -مثل معالجة معنى الكلمات- تُشارك أيضًا في التحكم في المهارات الحركية المتعلقة باستخدام الأدوات.

يُعد بناء الجملة -القدرة على بناء الكلمات بشكل صحيح في جملة- ميزةً من أهم ميزات اللغة، في حين أن الأدلة لم تربط بعدُ مهارات بناء الجملة بالتحديد بالتحكم الحركي في الدماغ، كشف بحث منشور في عام 2019 عن وجود علاقة بين امتلاك قدرة نحوية جيدة ووجود مهارة في استخدام الأدوات.

مع وضع ذلك في الاعتبار، كان فريق البحث الدولي المكون من علماء سويديين وفرنسيين مهتمًّا بمعرفة ما إذا كان استخدام الأدوات يُشرك أجزاءً من الدماغ مشابهة لتلك التي يتم حشدها عندما نفكر في تكوين الجمل.

دعا الفريق 244 شخصًا للمشاركة في سلسلة من التجارب وإجراء اختبارات تتكون من تدريب حركي وتمارين بناء الجملة باللغة الفرنسية، لتُظهر نتائج تلك التجربة أن هاتين المهارتين تشتركان في المنطقة نفسها من الدماغ، كما وجد الباحثون أيضًا أن التدريب الحركي باستخدام أداة يحسِّن قدرتنا على فهم بناء الجملة، والعكس صحيح.

هذا يعني أن استخدام الأدوات يُعزز القدرات اللغوية، كما أن القدرات اللغوية تُنشط أيضًا من عملية استخدام الأدوات.

والمقصود هنا بالأدوات هي تلك الآلات التي تسمح بتحقيق أهداف صعبة أو مستحيلة، استخدم أسلاف البشر مجموعةً من الأدوات؛ ففي عام 2015 قال باحثون إنهم عثروا على رقائق حجرية يعود تاريخها إلى نحو 3.3 ملايين سنة، وهو الأمر الذي يُشير إلى أن أسلافنا كانوا يصنعون الأدوات ويستخدمونها قبل آلاف السنوات من وصول جنسنا البشري إلى المشهد.

متى ظهرت المهارات اللغوية؟ وأين؟

ثم حل العصر الحجري، الذي شهد استخدام نوعنا "هوموسابينس" للأدوات بكثافة؛ خاصةً مع انتقال البشر من الحصول على طعامهم من الجمع والالتقاط إلى الحصول عليه من خلال الزراعة، لكن بحكم أن استخدام الأدوات ضاربٌ في أعماق التاريخ، ولأن هناك علاقة بين استخدام الأدوات والمهارات اللغوية، فهل يمكن أن يكون أشباه البشر قد تحدثوا بلغة معقدة قبل ملايين السنوات؟

يقول المؤلف الأول للدراسة والباحث في مركز علوم الأعصاب في ليون "سيمون ثيبولت": إن الإجابة عن ذلك التساؤل "لا تزال صعبةً للغاية"، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن العلم "لم يحسم حتى الآن بشكل قاطع متى أو أين ظهرت المهارات اللغوية المُعقدة".

في التجربة طلب الباحثون من المشاركين استخدام كماشة ميكانيكية لإدخال أوتاد صغيرة في ثقوب مختلفة الأحجام، وفي الشق اللغوي من التجربة، عُرض على المشاركين جمل معقدة، وطُلب منهم تحليلها ومعرفة ما إذا كان تركيبها النحوي صحيحًا أم خطأ.

في الجزء الأول من التجربة، استخدم الباحثون تقنيات تصوير الدماغ (التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي) لتحديد الخلايا العصبية الدماغية التي تنشط في أثناء استخدام الأداة (الكماشة) أو في أثناء التعامل مع الاختبار اللغوي.

وقد لاحظ الباحثون أن التدريب الحركي والتمارين اللغوية تنشط مناطق مشتركة من الدماغ في منطقة تسمى العقد القاعدية.

والعقد القاعدية هي مجموعة من الهياكل الموجودة في عمق نصفي الكرة المخية، وتوجد بالقرب من أسفل الدماغ، ولا تزال وظائف تلك المنطقة مجهولةً على نحوٍ ما، إلا أن العلماء يتوقعون أن العقد القاعدية لها وظائف مرتبطة بالحركة، والإدراك، والعواطف، والآن يقول العلماء إن لها وظيفةً تتعلق باللغة أيضًا.

بمجرد أن تأكد الباحثون من أن هاتين المهارتين تستخدمان المنطقة نفسها في الدماغ، تساءلوا: هل سيؤدي تدريب المشاركين على استخدام الكماشة إلى تحسين فهمهم للجمل المعقدة؟

لذلك في الجزء الثاني من الدراسة، دعا الباحثون عينةً جديدةً من المشاركين لإكمال مهمة الفهم النحوي قبل 30 دقيقة من التدريب الحركي باستخدام الزردية وبعده.

في مهمة بناء الجملة، وجد الباحثون أنه بعد التدريب الحركي، كان أداء المشاركين أفضل مع الجمل التي تعتبر أكثر صعوبةً مقارنة بما قبل التدريب الحركي.

وللتأكد من النتائج، أجروا مقارنةً بينها وبين ثلاث مجموعات تحكم -واحدة لم تتلقَّ أي تدريب حركي بين أنشطة بناء الجملة ومجموعتين تم تكليفهما بمهمات تدريب حركية لإكمالها بأيديهم دون أدوات، ولم تُظهر أي هذه المجموعات تحسنًا ملحوظًا في مهمة اللغة.

كان لدى الباحثين أيضًا مجموعة من المشاركين الذين أكملوا تمرين الكماشة قبل نسخة معدلة من تمرين اللغة وبعده، للتأكد مما إذا كان العكس صحيحًا، وجد الباحثون أن ممارسة المهارات النحوية المعقدة أدت إلى تحسين الأداء الحركي باستخدام الأداة.

يقول الباحث في مركز علوم الأعصاب في ليون "كلاوديو بروزولي"، وهو مشارك في تلك الدراسة: إن تطور الدماغ يرتبط بشكل عام باستخدام الأدوات، مشيرًا إلى أن النتائج تؤكد أن إمكانية استخدام المهارات الحركية لعلاج الأطفال الذين يعانون من الاضطرابات اللغوية.

عمل الباحثون على تلك الدراسة لبضع سنوات، ويقول "بروزولي" في تصريحاته لـ"للعلم" إنهم بصدد دراسة مناطق أخرى في الدماغ لمعرفة ما إذا كانت المهارات المختلفة تؤثر على إدراك اللغات وتعلُّمها.

عمليات عصبية مشتركة

يرى عالِم الأعصاب في جامعة ستانفورد "كريشنا شينوي" أن النتائج تكشف عن "عمليات عصبية مشتركة" بين اللغة واستخدام الأدوات، "وهو شيء متوقع بالفعل قبل سنوات"، مشيرًا في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن الدماغ "يعمل كوحدة واحدة تتكاتف من أجل البقاء"؛ فالتنسيق بين عصبونات الدماغ "يتم على قدم وساق من أجل ضمان بقاء نوعنا البشري".

ويقول "شينوي": إن الرسالة الرئيسية التي تستطيع تلك الدراسة تأكيدها هي أنه "على الرغم من أن اللغة هي بالفعل قدرة معقدة للغاية، فإن الوظائف التي تقوم عليها تتم مشاركتها مع المجالات المعرفية الأخرى، مثل العمليات التي تدير تفاعلاتنا الحسية مع العالم".

ووفق "شينوي"، يمكن أن تساعد تلك الدراسة في محاولة فهم المسار التطوري للغة وكيف ظهرت هذه القدرة الاستثنائية لدى البشر، "أحد الاحتمالات هو أنه عندما بدأ أسلافنا في استخدام الأدوات أدى ذلك إلى إحداث تغييرات في الدماغ كانت أساسيةً للتطور اللاحق للغة"، وهذا بدوره يمكن أن يدفع باتجاه سلوك حركي أكثر تطورًا، على حد ما يقول الباحث؛ "ففي النهاية أدى التطور المشترك للوظائف إلى جعل الجنس البشري ماهرًا جدًّا في استخدام الأدوات واللغة".