يُعاني المزارعون الأفارقة من إصابة الماشية التي يقومون بتربيتها بمرض الحمى القلاعية، الأمر الذى ينجم عنه خسائر كبيرة في إنتاج الحليب واللحوم، تضاف إلى ذلك الخسائر الاقتصادية التي تسببها خسارة الماشية نفسها.

شددت دراسة علمية نشرتها دورية " نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن" على أن برامج التحصين القائمة على التحديد المسبق لسلالات فيروس الحمى القلاعية في الماشية يُمكن أن تُخفف من تلك الآثار السلبية، وتحد من الفقر المنتشر في شرقي القارة الأفريقية.

ووجد الباحثون أن الأُسَر التي تُحصن ماشيتها تحصينًا استباقيًّا تُحقق مكاسب اجتماعية وصحية واقتصادية، مشيرين إلى ضرورة تبنِّي حكومات شرقي القارة الأفريقية لبرامج تستهدف تزويد السكان المحليين باللقاحات عالية الجودة؛ للسيطرة على المرض الذي ينتشر في صورة موجات وبائية، والتركيز على استراتيجيات لحماية الثروة الحيوانية بدلًا من فصل قطعان الماشية عن الجواميس البرية.

وأوضحوا أن الفيروس يستوطن في قطاعات عريضة من الثروة الحيوانية، ويعتمد انتشاره على ممارسات إدارة تلك الثروة وحجم القطيع، وليس على الاتصال بين المواشي التي تكون تربيتها في مزارع والجواميس البرية كما هو الحال في جنوب أفريقيا، مؤكدين أن "السيطرة على المرض تبدأ من خلال تحصين قطعان الماشية التي يتم تربيتها، وليس تطعيم الجواميس البرية كما يحدث في جنوبي القارة السمراء".

وتقدر الخسائر الناجمة عن مرض الحمى القلاعية في أفريقيا بنحو 2.3 مليار دولار سنويًّا؛ في حين تُعَدُّ فرص السيطرة عليه ضئيلة، خاصة في شرقي القارة السمراء، بالرغم من تنفيذ استراتيجيات التحصين الجماعي ضد الحمى القلاعية.

وذكرت الدراسة أن مرض الحمى القلاعية يمثل مصدرًا كبيرًا للقلق بين السكان المحليين في تنزانيا؛ إذ تكافح تلك الأسر من أجل الحفاظ على ماشيتها التي تَنفَق عادةً بسبب الإصابة بالمرض، موضحةً أن "فحص السلالات المختلفة من فيروس الحمى القلاعية كشف أن المرض يمر عبر شرق القارة في موجات بطيئة، وأنه من النادر أن يُصيب الجواميس البرية".

تقول "تيزيانا ليمبو" –الباحثة بمعهد التنوع البيولوجي وصحة الحيوان التابع لجامعة جلاكسو، والمؤلفة الأولى في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن المرض الذي يُصيب الماشية لا تقوده العوامل المرتبطة بالحياة البرية، وبالتالي، فإن تربية الماشية بمعزل عن الحياة البرية ستكون له آثار سلبية على الحياة البرية والسياحة وسبل العيش بالنسبة للرعاة التقليديين، الذين يعتمدون على قدرة الماشية على التحرك في المواسم للبحث عن فرص أفضل للرعي".

وتضيف أن "الدراسة بدأت منذ عام 2010، ولم نَكتفِ بالتوقف عند عتبات النتائج التي انتهينا إليها، بل قدمنا مجموعةً من النصائح وورش العمل للمزارعين والمربين، كما ناقشنا نتائج الدراسة معهم لوضع حلول محتملة تتناسب مع السياق المحلي لتلك المشكلة؛ فعلى الرغم من أن ورش العمل التي قدمتها الحكومات والسلطات المعنية حددت التحصين بوصفه آلية تحكُّم مهمة للسيطرة على المرض، فإن 5% فقط من الأسر التي عايشتها الدراسة هي التي طعَّمت ماشيتها ضد الحمى القلاعية".

وتُرجع "ليمبو" تلك النسبة المنخفضة إلى سببين رئيسيين: أولهما "محدودية الوصول للقاحات عالية الجودة في تلك المناطق، إذ عادةً ما يشتري مالكو الثروة الحيوانية لقاحات لا تعمل على نحوٍ جيد، سواء لأنها غير مطابقة بشكل صحيح لنوع الفيروس المُسبب للمرض، أو لأنها ذات قدرة منخفضة على مكافحة الفيروس".

أما السبب الثاني فيكمن في "غياب ثقة القائمين على تربية الماشية بتلك اللقاحات؛ لفشلها في السيطرة على المرض خلال العقود الماضية"، وفق "ليمبو".

ويُعد التحكم في مرض الحمى القلاعية أمرًا صعبًا للغاية؛ بسبب وجود أنواع مختلفة من الفيروس المُسبب لذلك المرض، إضافةً إلى أن فترة الحصانة بعد التطعيم لا تزيد على 6 أشهر، على حد وصف الدراسة.

وهناك تحدٍّ لوجيستي آخر يواجهه المربون للحفاظ على سلامة التطعيم، الذي يجب أن يُحفظ في درجة حرارة منخفضة، وحيث إن البنية التحتية في شرقي أفريقيا محدودة، فإن تلك التطعيمات تفسد في الغالب بسبب نقص الكهرباء والمبردات، وبالتالي يُصبح التطعيم بها غير مفيد.

غير أن الدراسة تضمنت العديد من الجوانب الإيجابية؛ إذ أظهرت حرص المستثمرين في الثروة الحيوانية على المشاركة والمساعدة في العثور على إجابات لمشكلة الحمى القلاعية، كما أنهم حرصوا على تلقِّي دورات تدريبية متقدمة لمكافحة المرض، وهو الأمر الذى يُمكن أن يحد من ذلك الوباء.

وسُتجري المجموعة البحثية دراساتٍ علمية لفهم العوامل المرتبطة بالثروة الحيوانية والحمى القلاعية؛ لتنفيذ تدابير جديدة، قد تُسهم في حل المشكلة خلال المستقبل القريب.

وتأمل "ليمبو" أن تتمكن من تطوير لقاح جديد يمنح مناعةً أطول أجلًا للماشية، على أن يكون أسهل في توزيعه في ظل الظروف الميدانية الصعبة التي تعيشها القارة السمراء.