تمثل السكتة الدماغية عبأً ثقيلًا على كاهل الدول؛ إذ تصيب 15 مليون شخص في العالم سنويًّا، يموت 5 ملايين منهم، في حين يبقى 5 ملايين آخرين عاجزين بشكل دائم، وهي السبب الرئيسي الثاني للوفاة والثالث للإعاقة عالميًّا، وفق منظمة الصحة العالمية.

وتحدث السكتة الدماغية عندما تنقطع أو تنخفض إمدادات الدم إلى جزء من الدماغ؛ ما يمنع أنسجته من الحصول على الأكسجين والغذاء الكافيَين، لتبدأ خلايا الدماغ بالموت خلال دقائق. وفي إطار البحث عن سبل وقائية لمواجهة المرض، كشفت دراسة تايوانية حديثة أن تناول نظام غذائي نباتي غني بالمكسرات والخضراوات وفول الصويا، يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية.

وأوضح الباحثون بجامعة تزو تشي التايوانية، أن دراستهم التي نُشرت في دورية "نيورولوجي" (Neurology) التابعة للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب، ركزت على فاعلية النظام الغذائي النباتي في الوقاية من السكتة الدماغية، مقارنةً بمَن يتناولون اللحوم والأسماك.

من جانبه، قال تشين لون لين، قائد فريق البحث: "توصلت دراستنا إلى أن اتباع نظام غذائي نباتي يفيد في تقليل خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، حتى بعد ضبط عوامل خطر أخرى ترتبط بالمرض، كضغط الدم ومستويات السكر والدهون في الدم".

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم": "لقد أثبتت النتائج أن النباتيين لديهم معدل أقل من السكتة الدماغية، سواء النزفية -تحدث نتيجة نزف دموي في الدماغ، يؤدي إلى موت الخلايا المحيطة- أو الإقفارية -تنتجها خثرة دم تسد الشريان الذي يمد الدماغ بالدم". وتابع أنه إذا استطعنا تقليل عدد المصابين بالسكتات الدماغية عبر إجراء تغيير على الوجبات الغذائية، فسيكون لذلك تأثير كبير على الصحة العامة. وعن خطط الفريق المستقبلية، أوضح أنه وفريقه سيواصلون دراساتهم لكشف العلاقة بين اتباع نظام غذائي نباتي والوقاية من أمراض دماغية أخرى كالخرف والاكتئاب.

قيود على الدراسة

شملت الدراسة مجموعتين من الأشخاص في تايوان، حيث ينتشر النظام الغذائي النباتي، إذ كان ما يقرب من 30٪ من المشاركين في الدراسة نباتيين، لا يتناولون أي لحوم أو أسماك.

وفي بداية الدراسة، كان متوسط ​​أعمار المشاركين 50 عامًا، ولم يصَب أيٌّ منهم بالسكتة الدماغية، وجرت مراقبة المجموعة الأولى (5050 شخصًا) لـ6 سنوات، في حين جرت متابعة المجموعة الثانية (8302 من الأشخاص) لـ9 سنوات. ووفقًا للبيانات، أكل النباتيون المزيد من المكسرات والخضراوات وفول الصويا أكثر من غير النباتيين، واستهلكوا كميات أقل من منتجات الألبان، في حين استهلكت كلتا المجموعتين كمية البيض والفاكهة ذاتها، في حين أكل النباتيون المزيد من الألياف والبروتين النباتي، مقابل كميات أقل من البروتين والدهون الحيوانية.

ولتحديد عدد مَن أصيبوا بالسكتات الدماغية بين المشاركين، لجأ الفريق إلى قاعدة بيانات وطنية، ورصدوا 54 حالة إصابة بين المجموعة الأولى، كان بينهم 3 حالات فقط من "النباتيين" من أصل 1424 حالة أو 0.21٪، مقارنةً بـ28 حالة من غير النباتيين من أصل 3626 حالة أو 0.77٪. وبعد ضبط عوامل أخرى قد تسهم في السكتة، منها العمر والجنس والتدخين والظروف الصحية مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، وجد الباحثون أن النباتيين كانوا أقل عرضةً بنسبة 74٪ للسكتة الدماغية من غير النباتيين.

أما المجموعة الثانية، فقد سجلت 121 إصابة بالسكتات الدماغية، كان بينها 24 حالة من النباتيين من أصل 2719 حالة، أو 0.88٪، مقارنة بـ97 حالة بين غير النباتيين من أصل 5583 حالة، أو 1.73٪. وبعد ضبط العوامل الأخرى، تبيَّن أن النباتيين كانوا أقل عرضةً للإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 48٪ مقارنة بغير النباتيين، و60٪ أقل لخطر السكتة الدماغية الإقفارية، و65٪ أقل لخطر السكتة الدماغية النزفية.

لكن في المقابل، هناك قيود على الدراسة، أبرزها أنه جرى تقييم النظام الغذائي للمشاركين في بداية الدراسة فقط، لذلك فمن غير المعروف ما إذا كانت وجبات المشاركين تغيرت بمرور الوقت أم لا، بالإضافة إلى أن المشاركين كانوا لا يشربون الكحول أو يدخنون، لذلك قد لا تعكس النتائج عموم السكان. أيضًا، قد لا تكون نتائج دراسة السكان في تايوان قابلةً للتعميم في جميع أنحاء العالم.  

الغذاء النباتي جيد بشروط

من جانبه، قال عبد الرحمن رجب، أستاذ التغذية وعلوم الأغذية بكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس: إنه على وجه العموم هناك ارتباط وثيق بين تناول الأغذية النباتية والوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، خاصةً تصلُّب الشرايين، وذلك لانخفاض نسبة الدهون المشبعة التي تُوجد بكثرة في الأغذية الحيوانية. لكنه أضاف في حديث لـ"للعلم" أن ارتباط الأغذية النباتية بالوقاية من السكتة الدماغية غير مؤكد حتى الآن، إذ يُعتبر النباتيون من أكثر الفئات نقصًا فيما يتعلق بفيتامين (B12)، ومصدره الرئيسي الأغذية الحيوانية، ويؤدي هذا الفيتامين دورًا كبيرًا في تنشيط الخلايا العصبية وحماية الإنسان من السكتات الدماغية، غير أنه يمكن تعويض نقصه عبر المكملات الغذائية.

كما شدد "عبد الرحمن" على أن الدراسة أغفلت التاريخ الغذائي لعينة الدراسة، وهو مهم جدًّا في تحديد السلوك والنمط الغذائي لهولاء الأفراد، ويعطي دلالة عن تقييم حالتهم الغذائية قبل إجراء الدراسة، إذ جرى التقييم متزامنًا مع بداية إجراء الدراسة فقط.

لذا رأى "عبد الرحمن" أن إطلاق العلاقة بين الأغذية النباتية وانخفاض الإصابة بالسكتة الدماغية غير مقبول، حتى لا يتم تشجيع الناس على ترك الأغذية الحيوانية بما فيها من عناصر غذائية أساسية لا يستطيع الجسم تكوينها، مثل الأحماض الأمينية الأساسية والفيتامينات الذوابة -أي التى تذوب في الدهون- مثل فيتامينات (A D E K).

وأضاف أنه من المفيد جدًّا تناول الخضراوات كمصدر للألياف، ومضادات الأكسدة، وتقليل السعرات الحرارية، والمكسرات كمصدر للأحماض الدهنية الأساسية، ولكن ذلك لا يغني عن تناول المنتجات الحيوانية ولو بكميات قليلة كمصدر للأحماض الأمينية الأساسية والفيتامينات التي يحتاج إليها الجسم، خاصةً المخ.

وبناءً على ذلك نصح "عبد الرحمن" بتناول الوجبات المتزنة المتكاملة، وبكميات تكفي لإمداد الجسم باحتياجاته الأساسية من العناصر والفيتامينات، ويكون أغلب مكونات الوجبات من الأغذية النباتية، بالإضافة إلى القليل من الأغذية الحيوانية، مع التركيز على الأسماك الدهنية مثل الماكريل والتونة والسلمون.

مسببات رئيسية للسكتة

من جانبه، اعتبر حسام الخبيري -أستاذ أمراض القلب والأوعية الدموية بالمعهد القومي للقلب- أن تناول الخضراوات بمعدل أكبر، بدلًا من اللحوم والدهون أفضل للصحة، لكنه قلل من أهمية الاعتماد على أطعمة بعينها للوقاية من السكتة الدماغية، ما لم يصحب ذلك السيطرة على عوامل الخطر التي يمكن أن تسببها.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن السبب الرئيسي للسكتة الدماغية هو زيادة معدل دهون الجسم، وترسباتها في الشرايين، بالإضافة إلى ارتفاع مستويات الكوليسترول الضار في الدم، وهذا يمكن أن يشكل ترسُّبات دُهنية في الأوعية الدموية الخاصة بالمريض، وفي نهاية المطاف، تنمو هذه الترسُّبات وتؤدي إلى صعوبة تدفُّق الكمية الكافية من الدم عبر الشرايين، ويمكن أن تنفجر تلك الترسُّبات فجأةً لتُشكِّل جلطةً تسبب النوبة القلبية أو السكتة الدماغية.

وأوضح "الخبيري" أن مَن يعانون من السمنة هم أكثر عرضةً لأمراض القلب والأوعية الدموية وعلى رأسها السكتة الدماغية، وذلك لكثرة الدهون الضارة والكوليسترول الزائد في أجسامهم، والعكس صحيح مع ذوي الأوزان المنخفضة والأجسام المتناسقة، لذا فإن الخضراوات والمكسرات يمكن أن تحسِّن الصحة العامة، وتقي من الأمراض، لكن بصورة غير مباشرة، وذلك لأنها تساعد على ضبط وزن الجسم، وتقليل نسبة الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم. وعن أبرز مسببات السكتة الدماغية، أشار إلى أن هناك 4 عوامل خطر رئيسية هي: التدخين، وضغط الدم المرتفع، وارتفاع نسبة السكر في الدم، والسمنة.

أما عن طرق الوقاية، فرأي "الخبيري" أن الحل يكمن في السيطرة على عوامل الخطر، عبر الإقلاع عن التدخين، والسيطرة على نسبة السكر في الدم بتقليل السكريات وبالأدوية الفعالة، وخفض ضغط الدم المرتفع عن طريق تقليل تناول ملح الطعام والأطعمة المملحة، وبالأدوية أيضًا، بالإضافة إلى السيطرة على الوزن الزائد وخفض مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم، وكذلك ممارسة الرياضة.