داخل قاعدة "باكينور" الكازاخستانية، الواقعة شمالي ضفة نهر "سيرداريا" الشهير، دوى هدير محركات صاروخ "سويوز" الروسي، واندلعت نيران عظيمة أسفله ناجمة عن احتراق الوقود، انطلق الصاروخ بقوة دفع 400 نيوتن، حاملاً شحنة تزن نحو 1270 كيلوجرامًا إلى الفضاء، تتمثل في مركبة فضائية مُخصصة لدراسة كوكب الزهرة، أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية وتُدعى "فينوس أكسبريس".

نحو 155 يومًا قضتها المركبة تُبحر في ظلمات الفضاء، قاطعةً مسافةً تُقدر بحوالي 261 مليون كيلومتر، لتصل إلى كوكب الزهرة في السابع من أبريل عام 2006، وتدور حوله في خمسة أيام إضافية حتى استقرت في مدارها. بدأت المركبة في رصد الكوكب الذي يُعد ثاني أقرب الكواكب للشمس بعد عطارد.

استخدمت المركبة آلات دقيقة ومعدات عالية التقنية لتصوير الجانب المشرق من الكوكب، ورويدًا رويدًا، بدأت التحرك نحو جانبه المظلم، لتكشف عن مفاجأة، متعلقة بمناخ الزهرة، الذي يختلف اختلافًا كليًّا في النهار عنه في الليل.

وقد أطلق علماء الفضاء عددًا ضخمًا من المسابير والمركبات الفضائية لدراسة مناخ الزهرة، في محاولة لعمل مُقاربة بينه وبين الأرض قد تكشف عن العوامل التي أثرت في تكوين كوكبنا الأزرق، أو حتى عن أسباب نشوء الحياة على الأرض. ويحظى الكوكب بمراقبة مستمرة من قبل وكالات الفضاء والمؤسسات المعنية، عبر استخدام مطياف للتصوير الحراري يعمل خلال النهار، إلا أن الباحثين تمكنوا مؤخرًا من توظيف منتجات تقنية تصوير للغيوم في ليل الزهرة بواسطة كاميرا تعتمد على الأشعة تحت الحمراء مدمجة في مركبة فينوس إكسبريس، بالإضافة إلى دارسة صور مُلتقَطة بواسطة تلسكوب هاواي التابع لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، ليجدوا أن شكل السحب، ونمط توزيع الرياح يحظيان بعدم الاستقرار في الليل.

سرعة الرياح

ووفق ورقة علمية، نُشرت مؤخرًا في دورية "نيتشر أسترونومي"، تمكن فريق من الباحثين اليابانيين والأوروبيين من كشف غموض مناخ الزهرة العاصف؛ إذ تبين وجود اختلافات في شدة الرياح في الغلاف الجوي للكوكب، وتبايُنات شديدة الوضوح في سرعة دوران تلك الأعاصير في ليل الكوكب مُقارنةً بنهاره.

"طبوغرافية الكوكب لها القول الفصل في أثناء الليل، لسبب مجهول؛ تتشكل الغيوم العليا بطريقة غير منتظمة وتهيمن عليها ظاهرة الموجات الثابتة في أثناء الليل فقط"، وفق وصف ريكاردو هاسيو، الفيزيائي الفلكي والباحث المشارك في الدراسة.

على الرغم من أن الكوكب يدور حول نفسه دورةً كاملةً في نحو 243 يومًا أرضيًّا، إلا أن الرياح تدفع السحب للدوران حول الكوكب في أربعة أيام فقط، بسرعة تبلغ نحو 400 كيلومتر في الساعة الواحدة، وطيلة العقود الماضية، يحاول العلماء دراسة تلك الرياح لمعرفة سر سرعتها الفائقة، إلا أن طبيعة الغلاف الجوي للزهرة، الممتلئ طيلة الوقت بغيوم مُشكَّلة من ثاني أكسيد الكربون ومُكونة على ارتفاعات تصل إلى 72 كيلومترًا، حالت دون دراسة سبب تلك الظاهرة.

طبوغرافية الكوكب

نجحت بعض المهام في الكشف عن طبوغرافية الكوكب، فيما نجحت مهام أخرى في رصد مجموعة من العوامل الجوية التي تؤثر على غلافه الجوي، إلا أن الدراسة الجديدة تُعد هي الأولى من نوعها التي تكشف عن مدى تأثير طبوغرافية الكوكب على سرعة دوران رياحه، خاصةً في الليل.

تقول الدراسات السابقة إن سرعة الرياح الشديدة ثابتة على كوكب الزهرة في جميع المناطق، إلا أن الدراسة الحالية تُشير إلى أن ذلك الافتراض "ليس صحيحًا بالنسبة لليل الكوكب" على حد قول "جافير براليتا"، الباحث الرئيسي للدراسة، والذي يعمل بوكالة استكشاف الفضاء اليابانية. يقول براليتا لـ«للعلم»: إن الرياح على الكوكب "تتسم بفوضى غير نمطية"؛ إذ تتزايد تدريجيًّا على كوكب الزهرة كلما اتجهت نحو خط الاستواء، بمعنى أن أعلى قيمة لسرعة الرياح –تبلغ 90 مترًا في الثانية- تكون في منتصف الكوكب، وتقل تلك القيمة كلما اتجهنا نحو قطبي الكوكب.

وتشير الدراسة إلى أن سرعة الرياح في ليل الكوكب أكثر فوضويةً بكثير منها في نهاره؛ إذ إن نمط السرعة يختلف في أثناء الليل من منطقة إلى أخرى وفقًا لشكل طبوغرافيتها، فنمط توزيع سرعة الرياح المتعلق بخطوط العرض "ليس صالحًا في ليل الكوكب" على حد قول براليتا، الذي يؤكد أن تلك النتائج "صادمة"، فكيف يختلف توزيع سرعة الرياح في النهار عنه في الليل؟

تتألف تضاريس كوكب الزهرة من سهولٍ بركانية، وأخاديد عميقة، وجبال يصل ارتفاعها إلى نحو 13 كيلومترًا، إلا أن أكثر من 60% من مساحة سطح الكوكب لا يزيد ارتفاعها على 500 متر.

يقول ريكاردو في تصريحات لـ"للعلم": "إن سرعة الرياح على كوكب الزهرة تصل إلى نحو 400 كيلومتر في الساعة، لكن هذا في أثناء النهار فقط، أما في أثناء الليل، فتقل سرعة الرياح كثيرًا بسبب ظاهرة الموجات الثابتة، تحدث تلك الظاهرة في أثناء الليل فقط، وفيها تتقابل موجة من الرياح مع موجة أخرى قادمة في الاتجاه المعاكس، فتعمل الموجة الأولى على إخماد الموجة الثانية، ما يُقلل من سرعة الرياح في أثناء الليل، وهي ظاهرة مُدهشة لم تُلحَظ قَطُّ في كوكب الزهرة".

يضيف ريكاردو أن "تلك الظاهرة قد تكون هي المسؤولة عن الفرق الواضح بين سرعتي الرياح في الليل والنهار عند ثبات الظروف المناخية".

الدوامات الليلية

لكن.. لماذا تتكون تلك الموجات الثابتة؟ يقول ريكاردو: "إن السبب لا يزال غير مؤكد، إلا أن ثمة تكهنات تتعلق بالحرارة المنبعثة من السحب الدافئة، فضوء الشمس ينعكس على قمم الجبال وسحب الكوكب، وهو ما يؤدي إلى عجز الكوكب عن التخلص من درجة الحرارة، فيسخن سطحه بالنهار، فيما يُعرف بظاهرة الاحتباس الحراري، تلك الحرارة تنبعث في ليل الكوكب، تُسخن هواءه، وتُشكل دوامات تسير بسرعات كبيرة في اتجاهات متضادة، ويخمد بعضها الآخر.

ويضيف: "وفي النهار، تكون الدوامات الليلية قد استهلكت معظم الطاقة الحرارية، فتبدأ دورة الرياح في النشاط مرة أخرى، فتزيد سرعتها، حتى تقوم الشمس بتسخين الغلاف الجوي للكوكب مرة أخرى، فتحدث ظاهرة الدوامات الليلية، وهكذا دواليك".

يرى الدكتور أشرف شاكر -أستاذ علوم المجرات بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية- في تصريحات لـ"للعلم" أن نتائج الدراسة "تشكل صدمةً للمجتمع العلمي؛ إذ إنها المرة الأولى التي يُكشف فيها أن طبوغرافية الكوكب تتعاون مع تعاقب الليل والنهار وتُغير من سرعة الرياح، وهي فرضية لم تكن لتخطر على بال أحد"، مؤكدًا أن نتائج الدراسة قد تُسهِم في فهم التغيُّرات المناخية الحادة التي تحدث على كوكب الأرض.

ووفق براليتا فإن نتائج الدراسة الحالية ستُسهِم في فهم أفضل لطبيعة الرياح على كوكب الزهرة باعتباره جِرمًا ينتمي إلى مجموعتنا الشمسية، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف لفهم طبيعة الرياح والأعاصير التي تصول وتجول على كوكبنا الأزرق، مضيفًا: "يُمكن في نهاية المطاف أن نفهم على نحوٍ أفضل فيزياء تكوُّن الأعاصير على كوكب الأرض، وهو الأمر الذي قد يُنقذ آلاف الأرواح ومئات البلايين من الدولارات".