قبل أكثر من 24 عامًا، وتحديدًا في 27 مارس من عام 1998، وافقت "إدارة الغذاء والدواء" في الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام دواء "سيلدينافيل" -وهو الاسم الكيميائي لعقار "الفياجرا"- علاجًا للعجز الجنسي، و"سيلدينافيل" هو مركب درس وصنع في الأصل لعلاج حالات ارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية، لكن الباحثين في الشركة المصنعة وجدوا أنه بالرغم من تأثيره المحدود على الذبحة الصدرية، يمكنه تحفيز انتصاب القضيب في غضون 30 إلى 60 دقيقة، ما دفع الشركة إلى تسويقه باعتباره "دواء للعجز الجنسي"، سجلت براءة اختراع "سيلدينافيل" في عام 1996، وبعد ذلك بعامين فقط -وهو وقت قصير مقارنةً بالعقاقير الأخرى- تمت الموافقة على استخدامه في علاج "ضعف الانتصاب".

حقق العقار الذي اشتهر على المستوى الإعلامي والشعبي بـ"الحبة الزرقاء"، حوالي مليار دولار من المبيعات في العام الأول فقط من تسويقه، وساعد على ذلك أن شخصيات سياسية أمريكية بارزة -مثل السياسي الأمريكي المخضرم "بوب دول" الذي شغل مقعد عضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية كانساس لسنوات طويلة، والمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكي لعام 1996- عملت على التسويق للعقار، لكن "الحبة الزرقاء" أثارت في الوقت ذاته حالةً كبيرةً من الجدل وسط مخاوف من تداعياتها السلبية وآثارها الخطيرة على صحة البشر، مثل احتمالات الإصابة بفقدان القدرة على الرؤية والسمع، والشعور بآلام في الصدر، وعدم انتظام دقات القلب، والشعور بضيق في التنفس، وانتفاخ اليدين والكاحل والقدمين.

فقدان البصر

وقد حذرت دراسة صادرة حديثًا، أجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي "كولومبيا" البريطانية و"أوتاوا" الكندية، من خطورة تأثير المنشطات الجنسية على شبكية العين، مؤكدةً "وجود علاقة بين استخدام الرجال لأدوية الضعف الجنسي بشكل منتظم وحدوث مشكلات في شبكية العين قد تنتهي بفقدان البصر نهائيًّا".

تحقق الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية (JAMA Ophthalmol) من ارتباط أدوية علاج الضعف الجنسي بمشكلات شبكية العين، وانتهوا إلى أن "الاستخدام المنتظم للمنشطات الجنسية قد يزيد من خطر إصابة الرجال بمشكلات في الرؤية في مرحلةٍ ما من حياتهم".

جمع الباحثون بيانات التأمين الصحي لرجال لم يواجهوا مشكلةً في العين في العام السابق لبدء علاج الضعف الجنسي، وبحثوا ثلاث حالات من الإصابة بانفصال الشبكية أُولاها انفصال الشبكية المصلي (SRD)، الذي يحدث عندما يتسبب الالتهاب أو تشوهات الأوعية الدموية في تراكُم السوائل تحت الشبكية، أما الحالة الثانية فهي انسداد الوريد الشبكي (RVO)، وهو عبارة عن اضطراب يصيب الأوردة الدموية في شبكية العين ويمكن أن يسبب فقدانًا جزئيًّا أو كليًّا للرؤية، أما الحالة الثالثة فقد تمثلت في الاعتلال العصبي البصري الإقفاري (ION)، الذي يحدث نتيجة عدم تدفق دمٍ كافٍ (نقص تروية) إلى العصب البصري.

وأُجريت الدراسة على 213 ألفًا و33 رجلًا بمتوسط أعمار بلغ 64.6 عامًا يحصلون على أدوية مثبطة لـ"إنزيم الفوسفوديستيراز 5"، وانقسمت عينة البحث إلى 123 ألفًا و347 يستخدمون سيلدينافيل، و78 ألفًا و609 يستخدمون تادالافيل، و4473 يستخدمون أفانافيل، و6604 يستخدمون فاردينافيل، ولم يكن أيٌّ منهم يعاني من مشكلات في العين قبل استخدام المنشطات الجنسية بصورة منتظمة.

وتدخل الدراسة في دائرة دراسة الأتراب، التي تعتمد على مراقبة مجموعتين إحداهما معرضة لعامل خطورة والأخرى غير معرضة لعامل الخطورة، وبعد هذا التقسيم تجري متابعة المجموعتين لفترة زمنية معينة ثم المقارنة بينهما على مستوى النتائج.

كما استعان الباحثون بمجموعتين ضابطتين في إطار دراسة الحالات والشواهد؛ إذ ضمت المجموعة الضابطة الأولى 1146 شخصًا مصابين بالفعل بانفصال الشبكية المصلي (278 حالة)، وانسداد الوريد الشبكي (628 حالة)، والاعتلال العصبي البصري الإقفاري (240 حالة)، أما المجموعة الثانية فقد ضمت 4584 حالة غير مصابة بأيٍّ من هذه الأمراض، وجرت متابعة المجموعتين في الفترة من يناير 2006 إلى ديسمبر 2020، واستهدف الباحثون التحقق من مدى ارتباط استخدام "مثبطات الفوسفوديستيراز 5" استخدامًا منتظمًا بزيادة خطر الإصابة بهذه الأمراض الثلاثة لدى الرجال الأكبر سنًّا.

إنزيم فسفودايستراز-5

ربطت الدراسة بين "إنزيم فسفودايستراز-5" ومخاطر الإصابة بمرض انفصال الشبكية، ويُعد هذا الإنزيم هدفًا لأدوية ضعف الانتصاب التي تؤخذ عن طريق الفم، ومن ضمنها عقار "سيلدينافيل" الذي يُستخدم أيضًا لعلاج ارتفاع ضغط الدم الرئوي (PAH) وتحسين القدرة على ممارسة الرياضة لدى الرجال والنساء عن طريق استرخاء الأوعية الدموية في الرئتين للسماح بتدفق الدم والأكسجين بسهولة، وكذلك عقار "تادالافيل" الذي يسبب استرخاء الأوعية الدموية الرئوية واتساعها فيعالج ارتفاع ضغط الدم الرئوي، ويساعد على تدفق الدم والأكسجين على نحوٍ أكثر حريةً في الرئتين، وقد بدأ استخدامه لعلاج هذه الحالة منذ أواخر عام 2008، إضافةً إلى أدوية "فاردينافيل"، و"أفانافيل"، و"سياليس".

ووفق نتائج الدراسة، ترتبط حبوب علاج ضعف الانتصاب بحدوث مشكلات قوية في جهاز الإبصار ومنها انفصال الشبكية المصلي، ويعاني المرضى بهذا الانفصال من مشكلات في مجال الرؤية، كما تسبب تلك المنشطات انسداد الأوعية الدموية في الشبكية والاعتلال العصبي البصري الإقفاري، ما يعني عدم تدفق الدم بشكل صحيح إلى العصب البصري، فيؤدي إلى ضرر دائم؛ إذ يفقد الشخص البصر فجأةً بإحدى عينيه أو كلتيهما.

وبلغ معدل إصابة الأشخاص الذين يتناولون منشطات جنسية بانفصال الشبكية المصلي 3.8 حالات لكل 10 آلاف شخص، بزيادة قدرها 2.58 مرة مقارنةً بغيرهم، وانسداد الوريد الشبكي 8.5 حالات لكل 10 آلاف شخص بزيادة قدرها 1.44 مرة مقارنةً بغيرهم، والاعتلال العصبي البصري الإقفاري 3.2 حالات لكل 10 آلاف شخص بزيادة قدرها 2.02 مرة مقارنةً بغيرهم.

وأكد الباحثون ضرورة أن يكون الأفراد الذين يستخدمون هذه المثبطات بانتظام على دراية بالأحداث العكسية المرتبطة بتعاطي هذه الأدوية والمتعلقة العين، والرجوع إلى أطبائهم إذا واجهوا أي عيوب بصرية، مشيرين إلى أن "المرضى الذين يعانون من تلك الحالات الثلاث كانوا أكثر تعرضًا للإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري ومرض الشريان التاجي وتوقف التنفس في أثناء النوم".

يقول ماهيار إتمنان -الأستاذ المساعد بقسم جراحة العيون بكلية الطب جامعة كولومبيا، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": على الرغم من ندرة الحالات الثلاث، إلا أنها يمكن أن تؤدي إلى فقدان البصر، وعلى سبيل المثال، نجد أن الإصابة بانفصال الشبكية المصلي ليس من الآثار الجانبية الشائعة لـ"مثبطات الفوسفوديستيراز 5"، إلا أن النتائج تتفق مع المعلومات المدرجة بشأن الآثار الجانبية النادرة لتناول هذه الأدوية، والتي تشير إلى أن تناول مثبطات سيلدينافيل وتادالافيل –اللذين يُعدان أكثر "مثبطات الفوسفوديستيراز 5" استخدامًا- تؤثر على أقل من شخص من بين كل ألف شخص يتناولونها.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول المقصود بالاستخدام المنتظم للمنشطات الجنسية، يوضح "إتمنان" أن الاستخدام المنتظم للمنشطات الجنسية الذي تقصده الدراسة يتمثل في تناول تلك العقاقير ولو مرة واحدة على الأقل كل ٣ شهور، مضيفًا أن "الدراسة لم تتطرق إلى عقاقير جنسية أخرى لتعرف مدى خطورتها؛ إذ اقتصرت على دراسة مخاطر أدوية الفياجرا وسياليس وليفيترا وستيندرا فقط".

تضرُّر جهاز الإبصار

تتفق تلك النتائج مع دراسة سابقة انتهت إلى أن "عقار سيلدينافيل قد يقلل بشكل عابر من وظيفة شبكية العين، وأن هذا التأثير يعتمد على حجم الجرعة التي يتم تناولها من هذا المنشط"، مضيفةً أن "عقار سيلدينافيل المكون النشط في الفياجرا قد يسبب اضطرابًا بصريًّا عابرًا، وذلك من خلال تثبيط إنزيم PDE6 ، وهو إنزيم رئيسي في مسار النقل الضوئي البصري، ويوجد هذا الإنزيم بكثرة في الأغشية الداخلية لمستقبلات الشبكية الضوئية".

وأكدت الدراسة التي أُجريت على الفئران أن "عقار سيلدينافيل له تأثيرٌ مباشرٌ على الشبكية الداخلية والخارجية للعين، وأنه قد يؤدي إلى انتكاسة بصرية، وأن استخدام الفياجرا قد يؤدي إلى فقدان البصر بشكل كامل لمَن لديهم استعداد وراثي لذلك، وأن واحدًا من بين كل 50 شخصًا تقريبًا على مستوى العالم من المحتمل أن يكون حاملًا لصفات متنحية تؤدي إلى تنكُّس الشبكية".

ووفق الدراسة، فإن "المشكلات المتعلقة بالجهاز البصري تزيد مع الأشخاص المصابين بما يسمى التهاب الشبكية الصباغي، وهو مرض يؤدي إلى عدم القدرة على الرؤية ليلًا، ويتطور في العقد الرابع إلى فقدان شبه كامل في البصر"، مشيرةً إلى أن "الفئران التي لديها استعداد وراثي للفياجرا أصيبت بفقدان البصر بعد أسبوعين فقط من تناول عقار سيلدينافيل".

ويصف التهاب الشبكية الصباغي مجموعةً من أمراض شبكية العين الوراثية تتميز بالفقدان التدريجي للخلايا المستقبلة للضوء (موت الخلايا المبرمج)، ويصيب بالدرجة الأولى العِصي (نوع من مستقبلات الضوء مسؤولة عن الرؤية الليلية) والظهارة الشبكية المُصطبِغة بسبب طفرات الإنزيمات والبروتينات في تلك الأنسجة، ويؤثر التهاب الشبكية الصباغي على واحد من كل 2000 شخص، ويُعد السبب الرئيسي للعمى الكلي.

تحفظات

يتفق جمال شعبان -مدير معهد القلب السابق- مع ما ذهبت إليه الدراسة، مشيرًا في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن "الڤياجرا قد تؤدي إلى ضعف العصب البصري، خاصةً لو اقترنت بتعاطي المخدرات أو بالإصابة بمرض السكر".

إلا أن "شعبان" عاد ليؤكد أنه لا يوجد دليل علمي قاطع على أن الڤياجرا قد تسبب العمى، مضيفًا: "معظم الناس تعاني من ارتفاع الضغط والسكر وارتفاع الكوليسترول، وهذه الثلاثية في حد ذاتها تؤثر على قاع العين وعلى الأوعية الدموية المغذية للعصب البصري، وقد تكون وراء ضعف العصب البصري لدى مستخدمي الڤياجرا".

بدوره، يختلف أشرف الهباق -أستاذ طب وجراحة العيون في كلية الطب بجامعة بنها- مع ما ذهبت إليه الدراسة، مؤكدًا أن "المنشطات الجنسية لا تسبب العمى"، وفق قوله.

يقول "الهباق" في تصريحات لـ"للعلم": قد يحدث بعض الاعتلال في قوة الإبصار نتيجة استخدام جرعات زائدة من هذه الأدوية أو نتيجة استخدامها بغير إشراف طبي، وذلك في حالة ما إذا كان الشخص المستخدم للڤياجرا يعاني من مشكلات صحية بالفعل، وأرى أن الڤياجرا لا تؤثر حتى على إبصار مَن تخطوا الـ60 عامًا إذا أُخذت تحت إشراف طبي.

يعلق "إتمنان" على تلك التحفظات قائلًا: لا يرتبط تأثير الڤياجرا والمنشطات الجنسية على شبكية العين وجهاز الإبصار بمَن هم فوق الـ60 عامًا فقط، لقد كان متوسط الأعمار للرجال الذين تمت دراسة ملفات بياناتهم الصحية 64.6 عامًا، لكن المشكلات التي قد تصيب شبكية العين لمستخدمي المنشطات الجنسية يمكن أن تحدث للشباب ومَن هم دون سن الـ60 عامًا أيضًا.

يضيف "إتمنان": قد يرى البعض أنه لا سبب يدعو المرضى للقلق من نتائج هذه الدراسة، لكن علينا الحذر من المخاطر المحتملة لتناول هذه العقاقير، خاصةً أنه يتم شراء دواء مثل "سيلدينافيل" دون وصفة طبية منذ مارس 2018، ومن هنا تأتي أهمية أن يستفسر الصيادلة من الأشخاص الذين يشترون مثل هذه الأدوية عما إذا كانوا قد أجروا فحصًا يؤكد عدم معاناتهم من الاعتلال العصبي البصري الإقفاري الأمامي غير الشرياني على سبيل المثال، أو عدم معاناتهم من أمراض وراثية تتعلق بالعين مثل التهاب الشبكية الصباغي.

ويتابع: الأشخاص الذين يتناولون المنشطات الجنسية بصورة منتظمة ينبغي أن يتعاملوا بجدية مع المخاطر المحتملة على عيونهم، وأن يتوجهوا إلى طبيب العيون بشكل فوري وسريع في حالة تعرُّضهم لأي مشكلات تتعلق بالرؤية، وأن يُجروا الفحوص اللازمة للتعرف على مدى ارتباط تلك المشكلات بتناولهم للمنشطات الجنسية.