في القصص القديمة، كان فتى الأحلام هو ذلك الشخص "السوبرمان" ذا البنيان القوي، الذي يأتي لمحبوبته ممتطيًا حصانه الأبيض ليختطفها ويغدو بها مسرعًا بين الغابات والجبال والصحاري حتى يصل بها لشاطئ الأمان!

لكن دراسة أجراها فريق من الباحثين بمدرسة علم النفس والأعصاب في جامعة "سانت أندروز" الاسكتلندية وكلية جيتسبيرج الأمريكية، كشفت أن النساء اللواتي تعرضن للعنف الأسري، أو لديهن خوف من التعرُّض للعنف في علاقاتهن مع أزواجهن، يملن للارتباط بالرجال ذوي الملامح الأنثوية.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "بيهيفير إيكولوجي آند سوسيوبيولوجي"، فقد اشتملت عينة البحث في البداية على 120 امرأةً تزيد أعمارهن على 17 عامًا، لكن خُفض العدد إلى 83 امرأة فقط بعد استبعاد مَن تزيد أعمارهن على 41 عامًا، على اعتبار أن النساء الأقل عمرًا يكنَّ أكثر عرضةً للعنف.

وطُلب من المشارِكات الإجابة عن استبانة حول صحتهن وتعليمهن، ومدى استخدامهن للإنترنت ومتابعتهن للتلفزيون، واحتمال وقوع العنف في إطار العلاقة الزوجية، ثم طُلب منهن اختيار صورة وجه للرجل الذي يشعرن بأنه أكثر جاذبية، وذلك من بين صورتين جرى التلاعب فيهما كي تبدوان مختلفتين فيما يتعلق بملامح الرجولة.

ولقياس تعرُّض المشاركات للعنف في إطار الأسرة، جرى توجيه أسئلة لهن، مثل: ما مدى احتمال أن تكون المرأة هدفًا للعنف العائلي في منطقتها؟ وما مدى شعورها بالضعف إذا دخلت في مشاحنات مع شريك الحياة؟ وما مدى اتفاقها مع عبارة "الرجال يمثلون خطرًا على أطفالهن"؟

جرائم مُمَنهَجة

وتم تقييم العنف الذي تشعر به المشاركات من خلال إجاباتهن عن أسئلة تقيس مدى القلق الذي ينتابهن من الوقوع ضحية لثمانية أنواع من الجرائم الممنهجة والمستمرة، وهي: التعرُّض لهجوم في الشارع من شخص غريب، والتعرُّض للسرقة أو الضرب في الشارع، والتعرُّض للتهديد أو الإساءة اللفظية في الشارع، والتعرُّض لعملية نشل دون الشعور بذلك، والتعرُّض للسرقة بطريقة عنيفة، وتخريب المنزل أو الممتلكات، وتعرُّض المنزل لاقتحام من مجهولين خلال وجود المرأة وأسرتها، وتعرُّض المنزل لاقتحام من مجهولين دون وجود أحد داخله.

وعلى الرغم من استخدام الباحثين لآليات المنهج التجريبي، بالتحكُّم في عمر المشارِكة ومستوى تعليمها وصحتها ومدى استخدامها لوسائل التواصل، اتضح أن للعنف تأثيرًا كبيرًا على تفضيل المرأة وميولها تجاه اختيار شريك الحياة.

نسف الحقائق

يقول ديفيد بيريت -مدير مختبر علم الأعصاب بجامعة "سانت أندروز" وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن دراستنا لا تنكر بأي حال من الأحوال أن الرجال ذوي الملامح الأكثر ذكورةً قد يكونون عاملَ سلامةٍ مفيدًا لحماية النساء من العنف العام، ولكن بحثنا يلفت الانتباه إلى أن هناك تهديدات محتملة يمثلها الشركاء الأكثر ذكورة، فالدراسات السابقة افترضت أنّ الرجال ذوي الصفات الأكثر ذكورة يشكلون عامل أمان للمرأة ضد العنف العام، لكنها تجاهلت حقيقة أنه عندما تفضل المرأة رجلاً أكثر ذكورة، فإنها تعرّض نفسها لخطر عنف مُحتمَل قد يمثله هذا الرجل".

يُرجع الباحث اختيار "كولومبيا" لإجراء الدراسة إلى "ارتفاع معدلات العنف فيها؛ إذ تُعَد من أكثر الأماكن خطرًا في العالم. كان معدل القتل في كولومبيا في عام 2014 أعلى بـ30 مرة من المملكة المتحدة، كما أن متوسط العمر المتوقع بالنسبة للنساء الكولومبيات يقل بنسبة 7% عن البريطانيات، ولذا كانت كولومبيا بلدًا مثاليًّا لإجراء الاستقصاء"، مرجِّحًا "تعميم النتائج في أماكن أخرى، وأن تكون هناك آثار مماثلة في بلدانٍ أخرى كثيرة، خاصة أن العنف والخوف من العنف منتشران جدًّا"، وفق قوله.

ويرى "بيريت" أن الذين يخشون العنف لا يحبون الذكورة، مضيفًا: "رصدنا من خلال الدراسة خوفًا من العنف في المنزل وخوفًا من العنف في الأماكن العامة، وتبيَّن من خلال الرصد أن تأثير العنف المنزلي كان أكثر انتشارًا، واتضح جليًّا أن القلق من العنف هو الذي يحدد نوع شريك الحياة الذي تميل له الزوجة".

تفضيل الملامح الذكرية المعتدلة

كما توصلت دراسة أخرى أعدها باحثون بجامعتي "جلاسكو" و"سانت أندروز" الاسكتلنديتين إلى أن النساء يفضّلن الرجال ذوي الملامح الذكرية في العلاقة القصيرة التي لا تنتهي بالزواج، في حين يفضّلن الرجال الذين تُبرِز وجوههم ملامح ذكرية متوسطة في العلاقات التي تنتهي بالزواج، أما الوجوه التي تبدو "شديدة الأنوثة" أو "شديدة الذكورة" فكانت أقلَّ جذبًا للنساء.

واستعانت إيريس هولزليتنر - الباحثة الرئيسية في هذه الدراسة، التي أُجريت على مدار 15 عامًا- بـ563 امرأة شاركن في الدراسة عبر الإنترنت، إذ صنفت هؤلاء النساء درجة انجذابهن لمجموعة من وجوه الرجال تمّ التلاعب بها، فأظهرت أحيانًا بعض ملامح الأنوثة وفي أحيان أخرى ملامح أكثرَ رجولة، أو بمعنى أدقّ، أظهرت الوجوه درجات متغايرة من الذكورة.

أرقام صادمة

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 30% من نساء العالم يتعرضن لشكل معين من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي (أو كليهما معًا) على يد "شريك الحياة"، وأن 38% من جرائم قتل النساء يرتكبها شركاء أحِمَّاء.

من جهته، يرى أحمد عبد الله -أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق- في تصريحات لـ"للعلم" أن الرجل على مستوى الهرمونات يتكون من مكوِّن ذكري ومكوِّن أنثوي، والرجل النموذجي هو الذي يستخدم المكونين الذكري والأنثوي بتوازن وحجم وقدر معقول.

ويضيف أنه "كلما طغا المكوِّن الأنثوي بداخل الرجل على المكون الذَّكري، كان أكثر فهمًا وتعاطفًا وإحساسًا بمشاعر المرأة، وكلما كان المكوِّن الذَّكري طاغيًا والمكوِّن الأنثوي متنحِّيًا، ازداد عنف الرجل وازداد معه خوف المرأة من أن يمارس العنف ضدها".

وعن تعميم نتائج التجربة على مجتمعاتنا الشرقية، يقول عبد الله: "إن ذلك مستحيل؛ لأن المرأة في المجتمع العربي تعيش تحت مظلة قانون لا يمكِّنها من الحصول على حقوقها، ولذا ترى في الرجل حمايةً وقوةً لها، وذلك على النقيض من المجتمعات الغربية التي تأخذ فيها المرأة حقها بالقانون، ولم تعد في حاجة إلى مفهوم وجود الرجل كحماية إلى جوارها، وبالتالي ظهر مفهوم الاستغناء عن الرجل تمامًا وإحلال الدولة والقانون بديلاً عنه لأخذ الحقوق".

ويشير إلى أن "المرأة التي تتعرض للعنف تعاني من صدمة نفسية، تزداد حدتها عندما يكون العنف متكررًا وعميقًا ويمارَس ضدها من شركاءٍ أحِمَّاء، ويمكن أن يكون ذلك مقدمةً لإصابتها بالعديد من الاضطرابات النفسية والسلوكيات العدائية والإدمان والاكتئاب والقلق والسرقة وحتى الإقدام على ارتكاب جريمة القتل".