في ظل السباق المحموم الذي تخوضه المحافل العلمية للتوصل إلى عقار أو مصل ضد فيروس "كورونا المستجد"، توصلت دراسة أجراها باحثون من مركز شنغهاي للصحة العامة في الصين إلى نتائج جديدة، قد يكون لها تأثير في فهم طبيعة الوباء وسبل انتقاله وانتشاره.

توضح الدراسة التي نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) حدوث تطور مستقر في التسلسلات الجينومية للفيروس، مشيرةً إلى "وجود سلالتين رئيسيتين من الفيروس يختلفان في التسلسل الجينومي، ويتفقان في ضراوة أعراض المرض".

يشير الباحثون إلى أن النقص غير الطبيعي في الخلايا الليمفاوية (من خلايا الدَّم البيضاء)، وبصفة خاصة انخفاض عدد خلايا كتلة التمايز CD4+ وخلايا CD8+T، يُعَد من العلامات المميزة التي تنجم نتيجةً لتطور المرض، إضافةً إلى وجود مستويات عالية من السيتوكينات المسببة للالتهاب IL-6 وIL-8 في أثناء العلاج لدى المرضى الذين يعانون من مرض شديد، ويرتبط ذلك بانخفاض عدد الخلايا الليمفاوية.

ووفق الدراسة، فإن "شدة المرض تتوقف على مجموعة من العوامل، مثل عمر المصاب، وقلة عدد الخلايا الليمفاوية، وعاصفة السيتوكين المرتبطة بها، في حين أن التبايُن الجيني الفيروسي لم يؤثر بشكل كبير على النتائج".

يقول رامي كرم عزيز -أستاذ ورئيس قسم الأحياء الدقيقة والمناعة بكلية الصيدلة في جامعة القاهرة، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": حتى الآن لا توجد أيّة أدلة على اختلاف سلالات في ڤيروس الكورونا، وجميع الاختلافات لا تزيد على ٢٠ حرفًا من المادة الوراثية (من ٣٠ ألف حرف)، ومن المتوقع أن يتغير الڤيروس بمعدل ٣٠ حرفًا في العام، وهو معدل قليل جدًّا، لا يُتوقع معه تَكوُّن "سلالات" بالمعنى العلمي.

يضيف "عزيز": السلالات يجب أن تختلف في درجة عدواها وأعراضها وكذلك المناعة ضدها، أما في حالة السارس كوڤ٢، فلا يبدو أنّ هناك أيّ ضغط انتقائي يجبر الڤيروس على التحوّر (أو يختار أفرادًا دون غيرهم من بين الڤيروسات)، وأثبت هذا البحث المنشور أن معظم الاختلافات في الأعراض يرجع إلى عوامل وراثية ومناعية لدى البشر وليست في الڤيروس.

من أجل التوصل إلى هذه النتائج، أخضع الباحثون للدراسة 326 حالة تأكدت إصابتها بـ"كوفيد-19" في شنغهاي في الفترة ما بين 20 يناير حتى 25 فبراير؛ إذ عملوا على تحليل البيانات السريرية والجزيئية والمناعية للمصابين.

تم تصنيف العينة إلى أربع فئات: الأولى ضمت خمسة أفراد لا يعانون من أعراض حمى واضحة أو أعراض تنفسية أو مظاهر مرضية عبر الفحص بالأشعة، والثانية كانت تمثل غالبية المرضى (293) يعانون من أعراض خفيفة مع الحمى وبعض مظاهر للالتهاب الرئوي التي بدت في التصوير بالأشعة، والثالثة ضمت 12 مريضًا ممن تم تصنيفهم ضمن الإصابات الشديدة؛ إذ كانوا يعانون من أعراض ضيق التنفس و"عتامة الزجاج الأرضي" (GGO)، وأخيرًا فئة الحالات الحرجة، التي ضمت 16 مريضًا تدهورت حالتهم إلى "متلازمة الضائقة التنفسية الحادة" .

كما جمع الباحثون 112 عينة على درجة عالية من الجودة (البلغم ، مسحة البلعوم) من قِبَل المبادرة العالمية لمشاركة جميع البيانات الخاصة بالإنفلونزا GISAID؛ وذلك لدراسة اختلاف النيوكليوتيدات في الجينوم الفيروسي بينها وبين عينات شنغهاي السابقة.

وتمكَّن الباحثون من رصد سلالتين رئيسيتين في عينة شنغهاي، مما يؤكد فكرة وجود أصول متعددة لنقل المرض.

وتوفر البيانات أدلةً إضافيةً على الأدوار الخاصة التي تؤديها العوامل الفيروسية وتلك الخاصة بالمضيف (المريض) في آلية المرض، وتسلط الضوء على أهمية التدخل المبكر في العلاج، وفق الدراسة.