تمكَّن باحثون في معهد "بول شيرير للأبحاث التكنولوجية والعلوم الطبيعية" بسويسرا من تطبيق تقنية جديدة تتيح لهم التقاط صور فائقة الدقة باستخدام مجهر الأشعة السينية، الذي يعتمد على الموجات الكهرومغناطيسية بدلًا من الضوء المرئي.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسس" (Science Advances)، فإن "التقنية الجديدة ساعدت الباحثين على فحص رقائق الكمبيوتر والمواد الكيميائية المحفزة وأجزاء صغيرة من العظام أو حتى أنسجة المخ باستخدام مجهر الأشعة السينية؛ إذ يساعد قِصَر الموجة على رؤية التفاصيل الصغيرة بمعدل أقل مليون مرة من حبة الرمل".

وكما هو الحال في الميكروسكوب العادي، فإن العدسة -في التقنية الجديدة- تُستخدم لجمع الضوء المتناثر من العينة وتكوين صورة مكبرة للكاميرا. وفى المقابل، فإن الهياكل الصغيرة تنشر الضوء في زوايا واسعة.

يقول "كلاوس واكونيج" -الفيزيائي في معمل التصوير الحيوي بمعهد "بول شيرير"، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": للحصول على صورة فائقة الدقة، لا بد من الاستعانة بعدسة كبيرة، ولكن إنتاج مثل هذه العدسات يُعَد تحديًا كبيرًا؛ فعند استخدام الضوء المرئي، توجد عدسات يمكنها التقاط زوايا تشتت كبيرة جدًّا، ولكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا مع الأشعة السينية بسبب ضعف التفاعل مع خامة العدسة. وبالتالي، فإنه لا تُلتَقط إلا زوايا صغيرة جدًّا، وبالتالي تكون العدسات غير فعالة.

ويضيف أن "التقنية الجديدة التي توصلنا إليها يمكنها التغلب على هذه المشكلة؛ إذ تظهر الصورة وكأنها جرت رؤيتها بعدسة كبيرة، والسبب هو استخدام عدسات صغيرة ولكنها فعالة -مثل تلك المستخدمة فى مجهر الأشعة السينية- وتحريكها فوق منطقة كبيرة، مما يحولها افتراضيًّا إلى عدسة واسعة. وتركز العدسة على نقاط مختلفة وتلتقط صورة لكلٍّ منها؛ وباستخدام الخوارزميات الحسابية يمكن تجميع كل الصور لصنع صورة واحدة فائقة الدقة".

وعادةً ما يتجنب الباحثون تحريك العدسات فى الأجهزة بعيدًا عن المحور البصري؛ إذ قد يسبب ذلك تشوهات فى الصورة. لذا يلجأ العلماء إلى إضاءة نقاط كثيرة متجاورة، وبالتالي يتحكمون في كيفية تَناثُر الضوء. وهي الطريقة التي استطاع الباحثون توظيفها في مجهر الأشعة السينية للمرة الأولى.

وتتيح التقنية الجديدة، إلى جانب دقة الصورة، قياس كَم الضوء الذي يمتصه الشيء الذي يتم تصويره كما يحدث فى الكاميرا العادية، وأيضًا تسجيل انكسار الضوء.

من جهتها، تقول "آنا دياز" -المتخصصة في الأشعة بالمعهد، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم: "إن الطريقة الجديدة نجحت في توضيح تبايُن المظهر الذي يُحسِّن بدرجة كبيرة من جودة الصورة، وهو ما كان صعبًا من قبل. وهذا التبايُن يسمح  باستخلاص النتائج حول خصائص العينة التي يتم فحصها، وهو ما لم يكن متاحًا بأساليب التصوير العادية، وتمكنَّا في تجاربنا من فحص رقاقة كمبيوتر، ولكن في المستقبل يمكن استخدام هذه التقنية في معرفة كيفية عمل المادة المحفزة عند إضافة غاز أو متى وكيف ينكسر المعدن عند التعرُّض للضغط. وكذلك يمكن فحص مجموعات الخلايا والأنسجة بشكل أفضل باستخدام هذه التقنية"، مشيرةً إلى أن "العينات البيولوجية تفتقر عادةً إلى جودة "تباين الامتصاص"، بينما يسمح "تباين المظهر" بصنع صورة عالية الجودة، ولهذا ستستفيد دراسات العينات البيولوجية من هذه التقنية".

وتوضح "دياز" الفارق بين "تباين الامتصاص" و"تباين المظهر" قائلةً: عندما يمر ضوء خلال شيء ما موجود تحت الميكروسكوب، فإنه يتم امتصاص الضوء بصورة كبيرة -أو صغيرة- وفق المواد التي يتكون منها هذا الشيء، فنجد مثلًا أن العظام تمتص الضوء بصورة أكبر من الأنسجة الرخوة المحيطة بها (تبايُن الامتصاص)، ويزداد الأمر صعوبةً في ظل الانحرافات التي يتعرض لها الضوء في أثناء انعكاسه في زوايا مختلفة بصورة تجعل من الصعب أيضًا تحديد الاختلافات بين الأجزاء متناهية الصغر داخل جسم الإنسان أو الحيوان (تبايُن المظهر)، ويؤدي كلٌّ من تبايُن الامتصاص وتبايُن المظهر إلى وجود صعوبة في التقاط صورة شديدة الدقة للعينات الصغيرة التي يقل حجمها عن ملليمتر واحد.

وتضيف: من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجريناها؛ إذ قمنا بتجميع الضوء المتناثر بزوايا مختلفة بعضها مع بعض للحصول على صور فائقة الدقة؛ إذ تفتح الدراسة الجديدة المجال أمام تطبيقات محتملة على عينات صغيرة يقل حجمها عن ملليمتر واحد، مثل أجزاء من أنسجة البشر أو الحيوان أو أي مادة أخرى، على حد وصفها.

ويأمل الباحثون أن تساعد التقنية الجديدة على فهم تطور بعض الأمراض، مثل الالتهاب الكبدي الوبائي أو "ألزهايمر".

وعن التطبيقات التي قد تستفيد من التقنية الجديدة، تؤكد "دياز" إمكانية استخدامها لتصوير أي مادة ورؤية ملامحها بمقدار يقل بـ10 آلاف مرة عن ملليمتر واحد، وكذلك فحص مواد أخرى كالمحفزات والخلايا الحيوانية والأنسجة المستخدمة في الأبحاث الطبية.