بين عشية وضحاها، تغير العالم، حل وباء "كورونا" المستجد، وتبدلت الأحوال، وتفرقت الجموع، وأصبح العمل عن بُعد سيد الموقف.

ربما تعتقد أن تعبير "العمل عن بُعد" جديد، إلا أن الأمر ليس كذلك، ففي عام 1976، صاغ مهندس "ناسا" الشهير "جاك نيلز" ذلك المصطلح في كتابه المعروف "مقايضة الاتصالات والنقل: خيارات للغد"، يقول "نيلز" في كتابه: "إن الثورة في مجال الاتصالات يُمكن أن تُمكِّن بعض الموظفين من العمل دون الحاجة إلى الانتقال إلى مقرات عملهم".

وفي عام 1979، سُمح لخمسة موظفين من شركة IBM بالعمل من المنزل كتجربة، وبحلول عام 1983، ارتفع العدد إلى 2000، ثم أعطت الشركة موظفي مركز الاتصال لديها خيار العمل من المنزل بشكل دائم.

وهكذا تطور مفهوم العمل من المركز، وخاصةً بعد أن صاغت الشركات الكبرى مجموعةً من القوانين والقواعد المتعلقة بذلك الأمر، لكن الأمر ظل "خيارًا"، ثم أصبح الموظفون مجبرين على العمل عن بُعد بسبب الوباء الحالي.

الإبداع في العمل

وفي ضوء فقدان المزيد من الاتصالات والتفاعلات التلقائية وجهًا لوجه، قد يفترض أن هذه التغييرات الرئيسية في طريقة عملنا تؤثر بشكل كبير على الإبداع في العمل، والحقيقة أن ذلك الافتراض صحيح، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature).

تقول الدراسة إن مكالمات الفيديو تقلل من إنتاج الأفكار الإبداعية، مقارنةً بالاجتماعات الشخصية، وتشير النتائج إلى أن التفاعلات الافتراضية قد يكون لها تكلفة معرفية عند إنشاء الأفكار بشكل تعاوني.

خلال جائحة كورونا المستجد، طُلب من ملايين الموظفين العمل من المنزل إلى أجل غير مسمى، والتعاون افتراضيًّا باستخدام تقنيات مؤتمرات الفيديو.

قدم الأمريكيون، على سبيل المثال، ما يقرب من نصف ساعات العمل مدفوعة الأجر من المنزل بين أبريل وديسمبر 2020، مقارنةً بنسبة 5% قبل الوباء، وقتها، قال "ريد هاستينجز"، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة نتفليكس: لا أرى أي إيجابيات، عدم القدرة على الاجتماع وجهًا لوجه، خاصة على الصعيد الدولي، هو أمر سلبي تمامًا .

الإدارة عن بُعد

وعلى الطرف الآخر من الطيف، قال "هيوارد دونيجان" الرئيس التنفيذي لشركة "رايت أد" المتخصصة في المستحضرات الدوائية: لقد تكيفنا مع العمل من المنزل بشكل لا يصدق، لقد تعلمنا أنه يمكننا العمل عن بُعد، ويمكننا الآن توظيف وإدارة شركة عن بُعد.

في حين عبر الرئيس التنفيذي لشركة آبل "تيم كوك" عن وجهة نظر وسيطة بقوله: "بكل صراحة، ليس الأمر مثل الحضور معًا جسديًّا، لكن لا أعتقد أننا سنعود إلى ما كنا عليه؛ لأننا وجدنا أن هناك بعض الأشياء التي تعمل بشكل جيد فعليًّا".

فأي وجهات النظر تلك هي الصحيحة؟ خصوصًا أن بعض الدراسات تقول إن 20٪ من أيام العمل في الولايات المتحدة ستتم في المنزل حتى بعد انتهاء الوباء، مع قيام الشركات الرائدة في مختلِف القطاعات -بما في ذلك جوجل وميكروسوفت وأمازون- بزيادة مرونة سياسات العمل من المنزل، ومع ذلك، فإن آثار هذا التحول بعيدًا عن التفاعُل الشخصي، وكيف يمكن أن تؤثر على الابتكار تظل بعيدة المنال.

مكالمات الفيديو

لاستكشاف كيفية تأثير استخدام مكالمات الفيديو على توليد الأفكار التعاونية، وظَّف الباحثون 1490 مهندسًا عبر خمسة مواقع لشركة بنية تحتية للاتصالات (في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا)، تم إقران المشاركين بشكل عشوائي، إما وجهًا لوجه أو عبر مكالمة فيديو، وطُلب منهم إنشاء أفكار للمنتج واختيار واحدة لتقديمها باعتبارها ابتكار منتج مستقبلي للشركة.

وجد المؤلفون أن الموظفين الذين يلتقون وجهًا لوجه أنتجوا مزيدًا من الأفكار الإبداعية، مقارنةً بهؤلاء الذين يعقدون اجتماعاتهم بشكل افتراضي.

لكن، عند اختيار الفكرة التي تريد العمل عليها، لم يكن الموظفون الذي يلتقون افتراضيًّا أقل فاعلية، وتؤكد هذه النتائج الدراسات المختبرية باستخدام بيانات تتبُّع العين؛ إذ وجد المؤلفون أن الشركاء الافتراضيين يقضون وقتًا أطول في النظر مباشرةً إلى شريكهم، بدلًا من التحديق في جميع أنحاء الغرفة.

يقترح المؤلفون أن مكالمات الفيديو تركز الأنظار والتواصل على الشاشة، مما يضيق التركيز المعرفي ويقلِّل من توليد الأفكار الإبداعية.

وتشير النتائج إلى أن العمل الإبداعي سيكون أفضل خلال الاجتماعات الشخصية، في حين أن الأنواع الأخرى من التعاون قد لا تتأثر.

خصائص مميزة

للاجتماعات الافتراضية مجموعة من الخصائص التي قد تُسهم في إعاقة عملية الابداع الجماعي عبر فرض مجموعة من القيود على التواصل بين أفراد المجموعة الواحدة؛ فالشخص الذي يقوم بعمل ذلك الاجتماع هو مَن يتحكم بشكل كامل في إعداداته، مثل حجم صور المشاركين والوقت المُخصص لكلمة كل واحد منهم، كما أن الكاميرا المُخصصة لتلك الاجتماعات لا يُمكنها التقاط الإشارات غير اللفظية، بالإضافة إلى أن الحديث خلال الاجتماع الافتراضي يكون لشخص واحد فقط، على عكس الاجتماعات الشخصية التي يميل المشاركون فيها إلى الدخول في أحاديث متزامنة،

تقول "ميلاني بروكس" -الباحثة بقسم التسويق بجامعة كولومبيا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن المجموعات الافتراضية مرتبطة أكثر بالشاشة؛ إذ تنظر أكثر إلى شريكها وتنظر أقل إلى الغرفة المحيطة، وهذا التركيز المرئي على الشاشة يضيِّق الإدراك، وبمعنى آخر يكون الأشخاص أكثر تركيزًا عند التفاعُل عن بُعد مع الفيديو، مما يضر بعملية توليد الأفكار الواسعة والموسعة.

كفاءة الاجتماعات الافتراضية

لكن ما الذي يمكن عمله في أوقات الوباء؟ وكيف يمكن زيادة كفاءة الاجتماعات الافتراضية التي نُجبَر عليها في بعض الأحيان؟

تشير النتائج التي توصل إليها الباحثون إلى أن إيقاف تشغيل الكاميرا "يُمكن أن يحسِّن توليد الأفكار"، بمعنى أن الاجتماعات الصوتية ستكون أفضل.

تقول "بروكس": أقوم بالتدريس، وقد جعلت طلابي يوقفون مقاطع الفيديو الخاصة بهم عندما كانوا يتبادلون الأفكار مع مجموعاتهم العام الماضي، وأخبرني الطلاب أنهم شعروا بمزيد من الحرية والإبداع عندما كانوا غير مقيدين بشاشاتهم في أثناء توليد الأفكار، وهذا يدعم فرضية أن مؤتمرات الفيديو تضر بتوليد الأفكار؛ لأننا نركز على بيئتنا المشتركة للشاشة، مما يضيق نطاق تفكيرنا.

لكن هذا لا يعني أن كل المؤتمرات الافتراضية يُمكن أن تكون ضارةً أو سيئة؛ فالتأثير السلبي لعقد المؤتمرات عبر الفيديو خاص بمهمة محددة وهي الخاصة بتوليد الأفكار، فعلى وجه التحديد، نظر الباحثون إلى مهمتين هما "إنشاء مجموعة من الأفكار" ثم "اختيار أفضل فكرة من المجموعة".

تضيف "بروكس" في تصريحاتها لـ"للعلم": "تُظهر نتائجنا أنه على الرغم من أن مؤتمرات الفيديو تضر بإنتاج الأفكار الإبداعية، إلا أن مؤتمرات الفيديو لا تضر (بل قد تساعد) في اختيار الفكرة. وعلى الرغم من الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لاستكشاف هذا الجانب الإيجابي المحتمل لعقد مؤتمرات الفيديو، يمكننا القول ببعض الثقة إن مؤتمرات الفيديو ليست سيئةً بشكل كامل؛ فعلى أقل تقدير هناك أنشطة لن يُثقلها تفاعُل الفيديو، وبالتالي، بالنسبة لهذه المهمات، يمكن جني مزايا من العمل بالمنزل.

وقد تستفيد بعض المهمات التي تتطلب التركيز من عقد المؤتمرات عبر الفيديو، وفي هذه الحالة، وفق ما تقول "ميلاني"، يمكن أن تكون بعض الاجتماعات افتراضيةً دون أيّ جوانب سلبية.

الدمج أفضل خيار

من جهته، يرى "نيكولاس بلوم" -الباحث في الاقتصاد بجامعة ستانفورد، وغير المشارك في الدراسة- أن الدمج بين العمل من المنزل والعمل داخل المؤسسة "هو أفضل خيار من جميع النواحي"، مضيفًا أنه "بعد عودة الناس -نوعًا ما- إلى الحياة الطبيعية، خاصةً مع ارتفاع معدلات التطعيم، لا يُمكن بكل تأكيد أن يعمل الشخص بشكل كامل من داخل بيته".

لكن للعمل عن بُعد العديد من الفوائد؛ فالبشر ينفقون ثروةً على المحروقات من جرَّاء الانتقال إلى أماكن عملهم.. كما يأكلون نصف وجباتهم خارج المنزل.. ويلوِّثون البيئة ويزاحم بعضهم بعضًا في وسائل المواصلات.

يقول "بلوم": يوفر العمل من المنزل تلك التكاليف، لكنه بطبيعة الحال لن يأتي دون ثمن.. والثمن في تلك الحالة "هو الإبداع".

تؤكد الدراسة أن التواصل عبر مكالمات الفيديو تغير طريقة التفكير، مما يضر بتوليد الأفكار، تقول "بروكس": "إن ذلك التغير هو الدواء المر الذي يتوجب علينا تناوله في أثناء الوباء"، لكنها تنصح -بشدة- بالعودة إلى الاجتماعات وجهًا لوجه في حالة محاولة العمل على أفكار إبداعية؛ "فالتواصل مع المجموعة وجهًا لوجه لن يُعوض بشاشة حاسوب وكاميرا مدمجة".