تستطيع تقنية الواقع الافتراضي تنشيط شبكات المخ، مما يزيد من قدرة الإنسان على فهم مشاعر الآخرين، وفق دراسة نشرتها دورية "إي نيورو" (eNeuro)، ما قد يساعد على استخدام التكنولوجيا كوسيلة لعلاج المجرمين الذين يتسمون بالعنف، وتمكينهم من التعاطف بصورة أكبر مع غيرهم.

استخدمت "إلين دي بورست" -الباحثة بقسم العلوم العصبية بجامعة هامبورج، والباحثة الرئيسية في الدراسة- التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمتابعة نشاط مخ المشاركين في أثناء خوضهم تجربة تمثيل الواقع الافتراضي لرجل يسيئ لفظيًّا إلى امرأة، وذلك من خلال منظور المرأة نفسها.

قبل مشاهدة هذا المشهد، تدرب المشاركون على واقع افتراضي لتجسيد دور المرأة أو دور متفرج يشاهد الواقعة، وتعامل المشاركون مع جسد المرأة كأنه جسدهم، كما أظهروا نشاطًا متزامنًا قويًّا في بعض أجزاء المخ المسؤولة عن إدراك التهديد والشعور بالخطر عندما اقترب الرجل من تلك المرأة، أو منهم كما تخيلوا.

تقول "دي بورست" في تصريحات لـ"للعلم": "إن الواقع الافتراضي يجعل الشخص يشعر وكأنه موجود داخل المشهد المعروض أمامه، فيتوهم أن الأحداث التي يشاهدها تحدث بالفعل. وفي هذه الدراسة، تم استخدام خداع ملكية الجسم الافتراضي بالحواس المختلفة، بحيث يشعر المشارك في أثناء تحريك جسمه بأن الجسم الافتراضي يتحرك بالتزامن مع حركاته هو، أما منظور الشخص الأول (أن ترى من خلال عيون الشخص الافتراضي) فيخلق خداعًا بأن الجسم الافتراضي جزءٌ من جسمه. وهذه الخصائص مجتمعةً للواقع الافتراضي تتيح لمستخدميه خوض تجربة من منظور جديد بالنسبة لهم".

أظهرت الدراسة أن المشاركين شعروا بالتقارب مع الضحية الافتراضية عند الخضوع لتدريب على تجسيد منظور الشخص الأول، وأن تغيُّر المنظور حدث نتيجة تغيرات في مناطق المخ المسؤولة عن رسم المساحة الشخصية لنا. وهذا يعني أن المشاركين لم يشعروا فقط بالتقارب مع الضحية، ولكن مخهم صور لهم أن الحدث المرئي يقع قريبًا من أجسامهم.

تضيف "دي بورست" أن طول تجربة الواقع الافتراضي يعتمد على الهدف من تطبيقها. فإذا كانت عن التجسيد الافتراضي في سياق البحث العلمي، فإن التدريب يكون قصيرًا ما بين 5 دقائق إلى 15 دقيقة. أما في التجارب السريرية، فيستغرق التدريب زمنًا أطول مدته 90 دقيقة على مدى ثلاثة أيام أسبوعيًّا لمدة خمسة أسابيع.

وتتابع: استمرارية تأثر الشخص بالواقع الافتراضي وفاعليته يحتاج إلى مزيد من البحث، لكن هناك نتائج واعدة في هذا المجال؛ إذ إن ممارسة الواقع الافتراضي لأشخاص من ذوي البشرة الفاتحة في جسد أشخاص من ذوي البشرة الداكنة أسفر عن تأثير طويل المدى فيما يتعلق بخفض التحيز العنصري لذوي البشرة البيضاء لمدة بلغت عدة أسابيع، كما ساعدت تجربة الواقع الافتراضي الأشخاص على التخلص من مخاوف الطيران بصورة امتدت لأكثر من ثلاث سنوات، وتختلف مدة التأثير تبعًا لعدة عوامل تحتاج إلى مزيد من البحث، ومن بينها المحتوى الذي يتم تقديمه، ونوعية الأجهزة والبرامج المستخدمة، والخطوة القادمة في البحث تتعلق بتجارب جديدة يتيحها تجسيد الواقع الافتراضي، وكيف يمكن أن تستفيد العلوم الأساسية وكذلك المرضى منها، كما في حالات اضطرابات الطيف العاطفي أو اضطراب الحالة المزاجية بشكل مرضي.