تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 783 مليون شخص لا يحصلون على مياه نظيفة. ويفتقر 2.1 مليار فرد إلى خدمات مياه الشرب المأمونة، كما يفتقر 4.5 مليارات فرد إلى خدمات المرافق الصحية.

ونظرًا للأهمية القصوى للمياه في حياتنا، استحوذت قضية ندرة المياه على جلسة كاملة من مؤتمر "بيوفيجين 2018" الذي عُقد بمدينة الإسكندرية الأسبوع الماضى. وسلط المحاضرون الضوء على أبعاد الأزمة التي يشهدها العالم، والمتوقع استفحالها خلال القرن الواحد والعشرين إذا لم يتم التصدي لها بسرعة.

وتَوافَق العلماء الحضور على أن "المياه الافتراضية" تحمل في طياتها أحد الحلول المُثلى لمواجهة الفقر المائي الذي يخشاه العالم، وأنها السبيل لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي اتفق زعماء العالم على تحقيقها بحلول 2030، وهو "ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع".

فالملايين من الناس (معظمهم من الأطفال) يموتون بسبب الأمراض المرتبطة بعدم كفاية إمدادات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. وتؤثر ندرة المياه على أكثر من 40% من سكان العالم، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة.

حجم الاستهلاك

وعن مفهوم "المياه الافتراضية"، أوضح "شريف قنديل"، أستاذ علوم المواد بمعهد الدراسات العليا والبحوث بجامعة الإسكندرية، أنه يمثل حجم المياه المطلوبة لتصنيع منتجٍ ما والمياه المستخدمة في عمليات الإنتاج.

وأضاف: يستهلك الإنسان في المعتاد نحو 1000 متر مكعب من المياه سنويًّا، ويشمل ذلك طعامه وشرابه وملابسه واستخداماته اليومية، وقد لا يدرك المواطن العادي أن كيلوجرامًا واحدًا من اللحم يستهلك نحو 15 ألف لتر مياه، بدايةً من تغذية المواشي على العلف والبرسيم، وحتى طهي اللحم وتناوله، مشددًا على أنه لا بد من الحد من استهلاك "المياه الافتراضية" وتدويرها وإعادة استخدامها لمواجهة عامل الندرة.

وتتكون "المياه الافتراضية" من 3 عناصر، هي: المياه الخضراء، والزرقاء، والرمادية اللون. وفيما يتعلق بالمياه الخضراء، فتتركز في رطوبة التربة بفعل الترسُّب، ويستخدمها النبات عبر عملية النتح (الرشح)، وهي جزء من تدفُّق التبخر في الدورة الهيدرولوجية.

 أما المياه الزرقاء، فالمقصود بها الماء العذب في الأنهار وتيارات المياه الجوفية والأنهار الجليدية والثلوج.

في حين توصف المياه بالرمادية، إذا كانت ملوثة، ولكن بغير فضلات الإنسان، وهي نتاج الاستخدامات المنزلية مثل الاستحمام والغسيل، أو الملوثة بالمبيدات في الزراعة أو ببقايا الأسمدة.

ويمكن إعادة تدوير هذه المياه واستخدامها، لا للشُرب بل للري، فهي تحتوي على حبيبات من الصابون والدهون والشعر، وإذا لم يكن محتوى المواد الكيميائية فيها عاليًا، فإن معظم النباتات تستطيع تحمُّلها دون ضرر بعد معالجتها، أما المياه الناتجة عن الصرف الصحي والتي تُعرف بالمياه السوداء، فلا تُعد ضمن "المياه الافتراضية" ولايمكن إعادة استخدامها؛ لأنها ملوثة بالبراز وتحتوي على بكتيريا ضارة ومسببات الأمراض.

التحلية وإعادة التدوير

ووفقًا لبرنامج الرصد المشترك بين منظمة الصحة العالمية واليونيسف للمياه والصرف الصحيJ M P" "، هناك على الأقل 1.8 مليار نسمة يشربون مياهًا ليست محمية من البراز، مما يعرضهم لخطر الإصابة بأمراض مثل الكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد وشلل الأطفال.

ومن أجل تحقيق غايات التنمية المستدامة في مجال المياه والصرف الصحي، يتعين زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية بمقدار ثلاثة أضعاف لتصل إلى 114 مليار دولار سنويًّا، وفق تقديرات البنك الدولي.

وأكد قنديل أنه بحلول عام 2020 سوف يحتاج سكان العالم إلى زيادة 17% عن كمية المياه النقية المستخدمة حاليًّا، وهذا يعني ضرورة حُسن استخدام المياه وتحلية المزيد من مياه البحار باستخدام تكنولوجيا متطورة لخفض تكلفة التحلية، مشيرًا إلى وجود 18 ألف محطة تحلية تخدم 300 مليون شخص حاليًّا في 87 دولةً على مستوى العالم، أكبرها في المملكة العربية السعودية والكويت.

ونوَّه بضرورة الاستفادة من وجود أكثر من 35 مليون طن من المخلفات الزراعية، التي يمكن تحويلها إلى "أسيتات سيليلوز" لعمل الأغشية المستخدمة في التحلية بتكلفة زهيدة.

حماية المياه واستعادتها

وفي الجلسة ذاتها، والتي جاءت تحت عنوان "آفاق المياه في القرن الواحد والعشرين" ، قال "ساليف ديوب"، أستاذ الجغرافيا والبيئة بجامعة "الشيخ أنتا ديوب" بالسنغال وعضو برنامج البيئة بالأمم المتحدة: إن الدول يجب أن تضع أهدافها الخاصة فيما يتعلق بنظم ومتابعة أهداف التنمية المستدامة التي أعلنتها الأمم المتحدة ويختص الهدف السادس منها بحماية واستعادة المياه والتي يمكن قياسها بالنظام البيئي وعمق الآبار الجوفية وتدفق الأنهار.

وأضاف أن نوعية المياه تحدد وفق المغذيات بها ونسبة الملوحة، ويُعَد تسجيل هذه البيانات أمرًا مهمًّا لمعرفة احتياجات كل بلد ومدى تطوره في تحقيق أهدافه، مشيرًا إلى ضرورة التحرك بسرعة، فلم يتبقَّ سوى 12 عامًا لبلوغ 2030.

 من جانبه، أشار "خالد أبو زيد"، مدير البرنامج الإقليمي للموارد المائية بمركز البيئة والتطوير بالمنطقة العربية وأوروبا ""CEDARE إلى أهمية سلامة المياه للجميع وقياس الاحتياجات بالنسبة للموارد من المياه، فالزراعة مثلًا تستهلك 70% من المخزون العالمي للمياه، وتستخدم 75% من المياه المستخدمة في الصناعة في إنتاج الطاقة.

وأوضح أنه في عام 2015، تَقرَّر في مصر إعادة تدوير المياه المستخدمة في زراعة بعض المحاصيل الغذائية بعد أن كان ذلك قاصرًا على المحاصيل غير الصالحة للأكل، نتيجة ندرة المياه بعد معالجتها وتحويلها إلى مياه نقية وتخزين الفائض منها، إذ تُستخدم لزراعة التفاح والأغذية القابلة للطهي، وهو ما تفعله دول مجاورة لمصر تستخدم 80% من المياه المعالَجة في الزراعة.

وفي ظل احتياج مصر إلى موارد أكثر للمياه مع زيادة عدد السكان وارتفاع مستوى المعيشة والتوسُّع في الرقعة الزراعية، يُعَد تحسين إدارة موارد المياه والبحث عن بدائل مثل إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة الحل الأمثل والعملي لقطاع الزراعة الذي يواجه الكثير من التحديات لبلوغ مرحلة الأمن الغذائي في مصر.

تنقية مياه الصرف

وفقًا لتقرير برنامج إدارة الموارد المائية للمنطقة العربية وأوروبا "سيداري" الصادر عام 2014، فإن تنقية مياه الصرف من المواد الصلبة والمُلوِّثات تتيح استخدامها في الزراعة وري المسطحات الخضراء وإعادة تخزين المياه الجوفية الصناعية والسيطرة على الأتربة وإطفاء الحرائق، وذلك بهدف الحفاظ على المياه النقية لغرض الشُّرب، وأيضًا تجنُّب الأضرار البيئية التي تنتج عن تصريف مياه الصرف غير المعالَجة في الأنهار والبحار. ولهذا فإن معالجة مياه الصرف لا بد أن تكون على قمة أولويات بدائل موارد المياه في مصر.

وأعد "سيداري" في هذا الإطار «رؤية 2030 الاستراتيجية لإعادة استخدام مياه الصرف المعالَجة في مصر»، إذ يستهلك القطاع الزراعي أعلى حصة من المياه، والتي تصل لنحو 80% من إجمالي الطلب عليها.

وتتوقع الخطة القومية لموارد المياه التي أعدتها وزارة الري والموارد المائية في 2017 أن يتم التوسُّع الزراعي أفقيًّا، ليشمل نحو ربع مليون فدان، اعتمادًا على مياه الصرف المعالجة. وفي هذا الصدد، أوصى التقرير بالاستعانة بتقنيات حديثة لمعالجة المياه المستخدمة لخفض التكلفة.