في فبراير من العام الماضي، أطلقت "الجمعية الأمريكية لطب الأسرة" ما يشبه "صيحة تحذير" مما وصفته بـ"الحماس نحو استخدام مكملات فيتامين د"، مشددةً على "عدم وجود أدلة كافية على أن هذه المكملات تمنع الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أو السرطان"، كما يشاع في بعض وسائل الإعلام.

حذرت الجمعية، في تقرير حمل عنوان "فيتامين (د): حان الوقت لكبح حماسنا"، من أن تعاطي جرعات زائدة عن الحد منه قد يتسبب في تأثيرات سامة، مثل الإصابة بالقصور الكلوي، أو ارتفاع مستوى الكالسيوم بالدم، أو تكلس الأوعية الدموية.

لكن التحذيرات السابقة لم تمنع فريقًا من الباحثين الدانماركيين من مواصلة أبحاثهم العلمية حول تأثيراته الصحية على مَن يتناولونه، مشيرين في دراسة نشرتها مجلة "ساينتفك ريبورتس" إلى أن "حديثي الولادة الذين يعانون من نقص فيتامين (د) يكونون أكثرَ عرضةً للإصابة بمرض "الشيزوفرينيا"، المعروف أيضًا بالفصام الذهاني أو انفصام الشخصية".

وتأتي أهمية الدراسة في أنها تتعلق بمرض "انفصام الشخصية" الذي يصيب 21 مليون فرد على سطح الكوكب، وقد يتسبب في ارتفاع مخاطر الموت المبكر من مرتين إلى مرتين ونصف لدى هؤلاء الأشخاص مقارنةً بالأفراد غير المصابين بالمرض، وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية.

وتشير الإحصائيات إلى أن "ثلث المرضى فقط يستجيبون للعلاج، مقابل نسبة تتراوح بين 20 و30% لا يتعافون طيلة حياتهم من هذا المرض، الذي يصيب الرجال بنسبة أكبر من النساء (12 مليون ذكر مقابل 9 ملايين سيدة)".

وتكشف الإحصائيات أيضًا أن "نسبة تزيد على 50% من المصابين بانفصام الشخصية لا يحصلون على خدمات الرعاية المناسبة، وأن نسبة 90% من المصابين به وغير المُعالَجين منه يعيشون في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط".

و"انفصام الشخصية" عبارة عن اضطراب عصبي مبكر، يؤثر على تكوين قشرة الدماغ، ويعاني المصابون به من الهلاوس والأوهام والقلق والاكتئاب واللامبالاة وصعوبة التعلُّم وضعف الانتباه في مرحلة الطفولة. كما يفتقر مرضاه إلى غياب الحافز والقدرة على التكيُّف الاجتماعي في أواخر المراهقة، وتتطور التغيُّرات المرضية التي تحدث في تركيب خلايا الدماغ وشكلها بالتوازي مع أعراض المرض، في حين تزيد الضغوط والتأثيرات البيئية من حدته.

ضوء الشمس

يقول "جون ماكجراث" -عالِم الأعصاب في "معهد كوينزلاند برين" في أستراليا وجامعة "آرهوس" الدنماركية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن بعض الأدلة تؤكد أن الأفراد الذين وُلدوا في فصل الشتاء أو الربيع قد يعانون بشكل أعلى من مرض انفصام الشخصية، وهي الفترات التي ترتبط بغياب التعرُّض لضوء الشمس لمدة طويلة، وبالتالي عدم الحصول على القدر الكافي من فيتامين (د) الذي يساعد على إذابة الدهون ونمو الجسم بشكل صحي وسليم".

ويضيف أن "الافتراضات التي تربط بين نقص فيتامين (د) وضعف نمو الدماغ معقولة بيولوجيًّا؛ إذ يجري التعبير عن مستقبِل الفيتامين في الدماغ -والمعروف اختصارًا بـ(VDR)- خاصةً في المناطق ذات الأهمية للباحثين المتخصصين في دراسة مرض انفصام الشخصية، مثل النواة المخططية التي تقع تحت القشرة الأمامية للدماغ وتدير مسارات الدوبامين المسؤول عن تنظيم عملية التحكم في الانفعالات".

ويُعرف فيتامين (د) بأنه "هرمون يتم إنتاجه في الجسم نتيجة للتعرّض لأشعّة الشمس، كما أنّه يمكن الحصول عليه من أغذية معيّنة، ويشار إليه علميًّا بـ"25- هيدروكسي فيتامين د".

السنسنة المشقوقة

يوضح "ماكجراث" أن هناك علاقة قوية بين نقص المكملات الغذائية مثل "حمض الفوليك" وفيتامين (د) وتصاعُد خطر الإصابة بـ"السنسنة المشقوقة" (جزء من مجموعة تشوهات وعيوب خلقية يُطلق عليها تشوهات الأنبوب العصبي، وهو البنية المضغية التي تكوِّن في نهاية المطاف دماغ الطفل والحبل الشوكي والأنسجة التي تغلفهما)، ما يعني أن التدخلات الصحية العامة الآمنة والبسيطة قليلة التكلفة يمكن أن تمنع اضطرابات الدماغ، ما يجعلنا قادرين على تقليل نسبة الإصابة بانفصام الشخصية.

ويشدد على أن هذه النتائج يمكن أن يكون لها تداعيات صحية مهمة تتعلق بالوقاية الأولية من الانفصام، وفق وصفه.

تتبُّع الخيوط

عقد الباحثون الدانماركيون دراسةً مقارنةً بين مجموعتين، إحداهما ضمت 2602 من الدانماركيين (وُلدوا في فترة ما بين 1981 وحتى 2000) ممن يعانون من الانفصام أو ممن تخضع حالتهم للدراسة، والثانية عبارة عن مجموعة ضابطة شملت أشخاصًا وُلدوا في الفترة نفسها وغير مصابين بالمرض ولا يخضعون لأي فحص يتعلق باحتمال إصابتهم به عند بدء الدراسة.

وانتهى الباحثون إلى أن أفراد العينة الذين تقل معدلات فيتامين (د) لديهم عن 20.4 نانومول/لتر، يرتفع خطر إصابتهم بانفصام الشخصية بنسبة 44٪ مقارنةً بتلك الموجودة في المجموعة الضابطة.

يقول "ماكجراث": عند مقارنة أفراد عينة البحث بالمجموعة، أخذنا في اعتبارنا الضوابط العمرية والجنسية، وسجلت النتيجة فروقًا واضحة، إذ إن نقص فيتامين (د) يمكن أن يكون سببًا في إصابة حوالي 8% من الحالات في الدانمارك.

ويضيف: "كان لدينا دليل بشكل مسبق عن وجود رابط بين الولادة في الشتاء أو الربيع في المناطق ذات خطوط العرض المرتفعة مثل الدانمارك -وهي فترة تقل فيها كمية أشعة الشمس بشكل كبير، مما يقلل إنتاج فيتامين (د) في الجسم- وزيادة خطر الإصابة بالفصام".

ويستطرد بقوله: "ولأن هذا الاضطراب النفسي خطير للغاية كان يجب علينا أن نسير وراء كل خيط بأقصى ما نستطيع، هذا على الرغم من أن بعض الأدلة قد تكون غير قابلة للتصديق أو غير مألوفة".

ويشير "ماكجراث" إلى أن النتائج التي انتهى إليها فريقه البحثي تفتح الباب لتطوير علاجات للأم الحامل التي يُكتشف أن طفلها عرضة للإصابة بالفصام؛ لإيقاف تطوره"، مضيفًا أنه "جرى تشخيص الحالات المُصابة بمرض الفصام في الفترة ما بين سبتمبر 2005 وديسمبر 2008، وفقًا للتصنيف الإحصائي الدولي للأمراض"، مضيفًا أنهم قاموا بفحص تركيز فيتامين (د) في عينات الدم المأخوذة من هؤلاء الأفراد وهم أطفال حديثو الولادة.

3 أشهر من الحمل

وتزامن الإعلان عن نتائج الدراسة الدانماركية مع نتائج دراسة أجراها باحثون أمريكيون بكلية "جاكوبس للطب والعلوم الطبية الحيوية" في جامعة "بافالو" انتهت إلى أن "الإصابة بمرض الفصام تبدأ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ما قد يتيح فرصةً للتدخل المبكر لعلاجه في مرحلة ما قبل الولادة".

ووجد الباحثون "الأمريكيون" أن جينًا يُعرف باسم nFGFR1 يُحدِث طفرات في العديد من الجينات المرتبطة بمرض الفصام، وأن واحدةً فقط من هذه الطفرات الجينية يمكن أن تؤثر على نمو الدماغ قبل الولادة، ما يعني أن "الفصام ينتج عن مسارات جينية تؤثر في الدماغ قبل الولادة".

تطور الدماغ

من جهتها، تقول "ولاء صبري" -أستاذ مساعد الطب النفسي بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك أدلة علمية ثابتة على أن نقص فيتامين د في وقت الحمل يؤثر على تطور جزء من الدماغ يدعى الجسم الثفني (corpus callous)".

 و"الجسم الثفني" عبارة عن حزمة مسطحة واسعة من الألياف العصبية بيضاء اللون تقع تحت القشرة في الشق الطولي للدماغ، وتمتد عدة سنتيمترات من الأمام إلى الخلف، ويُعَد أكبر هيكل من المادة البيضاء في الدماغ، ويتكون من ملايين الألياف العصبية التي تربط بين النصفين الكرويين الأيمن والأيسر في الدماغ، ويعمل على نقل المعلومات بينهما على هيئة إشارات كهربائية، وفق "صبري".

وتضيف أن "هذا الجزء هو المسؤول عن الاتصال بين فصي الدماغ الأيمن والأيسر، لذا فإن مَن يعانون قصورًا في هذا التواصل يعانون لاحقًا من مرض الفصام أو الانشطار الذي نعرفه في مجال الطب النفسي بمسمى آخر هو متلازمة الانشطار الوظيفي، ونظرًا إلى أن هذا الجزء من الدماغ يرتبط به كثيرٌ من الاضطرابات النفسية، فإن دراسة تأثيرات فيتامين (د) قد يكون لها آثار كبيرة في تفادي تلك الاضطرابات".

تحذيرات من المبالغة

لكن "صبري" تحذر في الوقت ذاته من خطورة المبالغة في ما يمكن أن يحققه تناوُل فيتامين (د)، مضيفةً أنه "قد يساعدنا على تفادي حدوث بعض المشكلات النفسية أو قد يساعد في تحسن حالة المريض، لكنه لا يمكن مطلقًا أن يكون -مثلًا- بديلًا لمضادات الاكتئاب، لكنه نوعٌ من العلاجات المكملة".

ولا يتوقف الأمر عند تحذيرات "صبري"؛ إذ يعترف الباحثون بوجود بعض نقاط الضعف التي تشوب الدراسة.

يقول "ماكجراث": "إنه رغم أهمية هذه الأطروحة التي قد تساعد على الوقاية من بعض الاضطرابات النفسية إلا أن فيها بعض نقاط الضعف. إذ وجدنا أن الارتباط بين نقص فيتامين (د) لدى حديثي الولادة وزيادة مخاطر الإصابة بانفصام الشخصية كان مقصورًا على الدانماركيين الأصليين، وليس على الجيل الثاني من المهاجرين (أي مع أحد الأبوين على الأقل المولودين في الخارج). لذا نخطط لاستكشاف هذه المسألة في الدراسات المستقبلية التي تحتوي على حجم عينة أكبر من المهاجرين، مع الأخذ في الاعتبار متغير العرق بالإضافة إلى متغيري الجنس وتاريخ الميلاد".

ويضيف أن "الأمر لا يقتصر على ذلك، والخطوة التالية تتمثل في اختبار الطرح الذي فرضته الدراسة وتتبُّع ذلك منذ بداية تكوُّن الجنين على الطبيعة وليس استنادًا فقط إلى بيانات، وذلك عبر إجراء تجارب سريرية عشوائية لمكملات فيتامين (د) عند النساء الحوامل اللاتي يعانين من نقص هذا الفيتامين من أجل دراسة تأثير ذلك على نمو دماغ الطفل وتَزُايد مخاطر الإصابة بالاضطرابات النفسية العصبية مثل التوحد وانفصام الشخصية".