كان العمل يجري على قدم وساق داخل المحطة 41، التابعة لقاعدة كيب كانافيرال الجوية بولاية فلوريدا الأمريكية. إذ يتأهب العلماء لإطلاق مسبار في رحلة تاريخية لم يسبق لها مثيل. كان ذلك المسبار "فوياجر 2"، يقبع أمام فريق تقني تابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا"؛ لفحص الأجهزة العلمية التي بلغ عددها 11 جهازًا، يبلغ إجمالي وزنها أكثر من 100 كيلوجرام. وعلى بُعد خطوات قليلة منه، جلس "توأمه" "فوياجر 1"، الذي يستعد بدوره للانطلاق في رحلة تاريخية أخرى.

وفي اليوم المُحدد، 20 أغسطس 1977، دوى هدير النيران المندلعة من الوقود الصاروخي، انطلق "فوياجر 2" أولًا، ليتبعه بعد 16 يومًا فقط "فوياجر 1"، الذي فضل العلماء إطلاق رقم 1 عليه –رغم انطلاقه بعد أخيه- لكونه سيسلك مسارًا مختصرًا ليصل إلى هدفه أسرع!

الهدف الرئيسي للمهمة "فوياجر" كان –ولا يزال- هو توسيع استكشاف "ناسا" للنظام الشمسي، والانطلاق إلى ما وراء محيط كواكبنا الخارجية؛ بهدف دراسة نطاق تأثير الشمس في الفضاء البينجمي. في محاولة لتقديم معلومات تعطينا وصفًا فريدًا لبيئة الفضاء الخارجي، والحدود الخارجية للحقل المغناطيسي للشمس، والطريقة التي تتدفق بها الرياح الشمسية، وإجراء قياسات للحقول المغناطيسية بين النجوم.

رقم استثنائي

وفي 25 أغسطس من عام 2012، كانت "فوياجر 1" أول مركبة أرضية تغادر النظام الشمسي، محلقةً وراء الغلاف الشمسي الخارجي لتدخل منطقة ما بين النجوم، في نصر علمي فريد، لم يسبق إنجازه من قبل، مُحققةً رقمًا استثنائيًّا يبلغ 18 مليار كيلومتر بُعدًا عن الأرض. وبعد نحو 6 سنوات، وتحديدًا في 5 نوفمبر من عام 2018، تبعت "فوياجر 2" توأمها إلى الفضاء البينجمي.

بلغ عدد الأجهزة العلمية على متن المركبة فوياجر 11 جهازًا، كما بلغ إجمالي وزنها أكثر من 100 كيلوجرام credit:NASA/JPL-Caltech

وعلى الرغم من المعلومات القيِّمة حول نظامنا الشمسي التي أرسلتها لنا تلك المهمة، والتي تشمل وصفًا لكواكب المشتري وزحل وأورانوس ونبتون، علاوةً على كوكب "بلوتو" المعروف بـ"القزم الجليدي"، إلا أن المعلومات المنتظرة من تلك المنطقة تجعل المسبارين كما لو كانا لا يزالان في بداية مهمتهما! فالسؤال المطروح حاليًّا على المسبارين هو: ماذا يحدث في تلك المنطقة المظلمة والبعيدة، التي تقع خارج حدود نظامنا الشمسي؟

وعلى ما يبدو، نجحت المركبة "فوياجر 2" في الإجابة عن مجموعة كبيرة من تلك التساؤلات، بعد أن نشرت دورية "نيتشر أسترونومي" (Nature Astronomy) اليوم "الإثنين"، 4 نوفمبر، خمس دراسات دفعةً واحدة، تحلل مجموعةً كبيرةً من البيانات الواردة من تلك المركبة، كشفت عن مفاجآت غير متوقعة على الإطلاق.

ما الذي يُحدد حدود نظامنا الشمسي؟ وكيف تتفاعل المواد بعضها مع بعض على حافة ذلك النظام؟ وما هي خصائص البلازما الصادرة عن الشمس مقارنةً بالبلازما الموجودة بين النجوم؟ تلك بعض من التساؤلات التي حاولت المهمة "فوياجر" الإجابة عنها، مدفوعةً بفكرة أن "لملعب كرة القدم حدودًا واحدة، ولطاولة لعبة البينج بونج حدودًا واضحة، أما المدن والبلدان فليس لها حدودٌ يُمكن رؤيتها بشكل واضح. فمن الصعب تحديد مكان انتهائها، وأن النظام الشمسي يُشبه البلدان أكثر من كونه طاولةً أو ملعبًا لكرة القدم".

النظام الشمسي

يُمكننا القول إن النظام الشمسي يمتد إلى أقصى مدى يصل إليه تأثير الشمس، قد يعني هذا تأثير ضوء الشمس، أو جاذبيتها، أو حقلها المغناطيسي، أو حتى مدى هبوب الرياح الشمسية. لكن، هل يُمكن أن يكون ضوء الشمس وسيلةً جيدةً لتحديد مدى امتداد النظام الشمسي؟ الإجابة لا. إذ يتلاشى ضوء الشمس في أثناء التحرك بعيدًا عنها. والأمر نفسه بالنسبة للجاذبية، إذ تُصبح أضعف كلما ابتعدنا عن الشمس، ولكن تأثيرها يمتد بطبيعة الحال حتى خارج حدود نظامنا الشمسي، تمامًا كتأثير "أجنحة الفراشة" التي يُمكن أن تُسبب رفرفتها في جانب من كوكب الأرض حدوث إعصار في الجانب الآخر، وفق النظرية التي وضعها العالم "إدوارد لورنتز"، والمعروفة باسم "نظرية الفوضى" أو "نظرية الوشواش" (Chaos Theory).

ماذا عن الرياح الشمسية؟ تختلف تلك الرياح عن الضوء أو الجاذبية؛ لكونها تحتوي على آثار للغبار الشمسي، يُشبِّهها العلماء بسحابة ضبابية تتنفس في هواء الشتاء البارد، ويعتقدون أن أبعد نقطة لتأثيرها تبعد مسافة 90 مرة بين الأرض والشمس، أي بعد كوكب بلوتو بنحو ضعفي المسافة.

ولكون الرياح –وجسيماتها- أمرًا ملموسًا، اعتبرها العلماء -بالإضافة إلى المجال المغناطيسي للشمس- حدًّا مقبولًا يُمكن أن يكون نوعًا ما حدودًا لنظامنا الشمسي. لذا كانت إحدى مهمات "فوياجر" دراسة تأثير الرياح الشمسية في الوسط البينجمي.

فعلى الرغم من أن ذلك الوسط منخفض الكثافة، إلا أنه يتمتع بضغط مشابه لضغط الهواء. ولأن الرياح الشمسية لديها أيضًا ذلك النوع من الضغط، فهناك احتمالان لا ثالث لهما، إما أن ضغط الرياح الشمسية أكبر من ضغط الوسط البينجمي، وبالتالي يُمكن لتلك الرياح "دفع" الوسط البينجمي بعيدًا عن الشمس، أو إذا ما كان الضغط في الوسط البينجمي قويًّا بدرجة كافية، فسيتمكن من إبطاء تدفق الرياح الشمسية، والانتقال إلى محيطها، وتقليص حدود الغلاف الجوي للشمس.

صدمة القوس

يُطلق على المكان الذي تبطئ فيه الرياح الشمسية وتبدأ في التفاعل مع الوسط البينجمي اسم "هيليوهيت" (HelioHeat)، ونظرًا إلى أن الشمس تتحرك بالنسبة للوسط البينجمي، فإن الغلاف الجوي للشمس يُشكل موجةً أو صدمةً تُشبه قاربًا يُصارع الأمواج، يُطلق على تلك الصدمة اسم "صدمة القوس" (Bow Shock).

تتشكل تلك الصدمة أمام الغلاف الجوي للشمس، حيث تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الصوت، مصطدمةً بكل الأجرام الموجودة حول الشمس، مرورًا بالكواكب ووصولاً للفضاء البينجمي. وعند نقطة معينة تُعرف بـ"الهيلوبوز" (Heliopause) تحدث صدمة الإنهاء، ويتكون الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والوسط البينجمي، ويحدث ما يُعرف باسم "صدمة الانهيار". وهي الحدود الخارجية لنفوذ الشمس، أي يُمكن اعتبارها حدود نظامنا الشمس، وفيها تتباطأ جزيئات الرياح الشمسية عندما تبدأ في الضغط على الوسط البينجمي. تتكون الرياح الشمسية من البلازما، وعندما تبطئ بتلك الطريقة، تمر بالعديد من التغيرات؛ إذ يتغير ضغطها، ودرجة حرارتها، ومجالها المغناطيسي، وكثافتها، وحتى سرعتها.

ما فعلته الدراسات المنشورة في دورية "نيتشر أستروموني" هو قياس مجموعة من التأثيرات التي تحدث للرياح الشمسية في الوسط البينجمي، اعتمادًا على معلومات واردة من المسبار المعجزة "فوياجر 2".

credit: NASA/JPL-Caltech تصور فني لفنان عن المركبة الفضائية فوياجر 1 في الفضاء البعيد

ففي الدراسة الأولى التي استهدفت قياس الجسيمات المشحونة بالطاقة في النقطة التي تحدث عندها صدمة الانهيار، يقول الباحثون إن ثمة اكتشافًا مُذهلًا موثقًا بالبيانات الواردة من المسبار "فوياجر2". إذ توضح القياسات أن الغلاف الشمسي المكون من البلازما في المنطقة البينجمية "كروي الشكل"، وهو "شكل لم يتوقعه أحد على الإطلاق"، على حد قول عالم الفضاء الأمريكي اليوناني الشهير "ستاماتيوس كرامجاس"، الذي يعمل في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، علاوةً على كونه عضوًا في مكتب أبحاث وتكنولوجيا الفضاء التابع لأكاديمية أثينا للعلوم.

صدمة شخصية

يقول "ستاماتيوس" –الذي كرمه الاتحاد الدولي عام 1999 بإطلاق اسمه على أحد الكويكبات- في تصريحات لـ"للعلم": إن النتائج كانت بمنزلة "صدمة شخصية". فطيلة عمر الرجل –الذي أتم عامه الـ81 مؤخرًا- لم يتوقع أبدًا أن الجسيمات المشحونة بالطاقة في الحدود الخارجية للنظام الشمسي يُمكن أن تكون شكلًا كرويًّا!

يُمكن أن نطلق لفظ الغلاف الجوي للشمس على المنطقة الشاسعة التي تحيط بالشمس بشكل يُشبه الفقاعة، ويعرف العلماء أن ثمة تجويفًا تُشكله الشمس في الوسط البينجمي بسبب اندفاع الرياح الشمسية البلازمية. لم يعرف العلماء إطلاقًا –قبل الآن- شكل ذلك التجويف على وجه الدقة، "إلا أننا لم نتخيل إطلاقًا أن يكون ذلك التجويف كرويًّا"، وفق "ستاماتيوس".

ويُشير "ستاماتيوس" إلى أن حدود تلك الكرة –إذا ما اعتبرنا الشمس في منتصفها- تبلغ حوالي 120 وحدة فلكية، أى 18 مليار كيلومتر كامل. وهذا يعني أن تأثير الشمس يمتد في دائرة قطرها حوالي 36 مليار كيلومتر.

ويقول "ستاماتيوس" إن "فوياجر2" أظهرت لنا "أننا نعيش داخل فقاعة أو شرنقة تم إنشاؤها بواسطة شمسنا"، مشيرًا إلى أن تلك الفقاعة الهائلة الحجم "تحمي الأرض من الإشعاع الكوني الذي يتربص بنا في الخارج".

يضيف "ستاماتيوس" -الذي بدأ العمل على تلك الدراسة قبل نحو 48 عامًا؛ إذ كان أصغر باحث رئيسي يعمل في المهمة حين تم اختباره من قبل ناسا عام 1971- قائلًا: لم أتوقع وقتها أن أقضي حياتي في هذا البرنامج، لم يكن لديَّ خطة على الإطلاق، فوجئت بكل خطوة على الطريق وصولاً إلى ذلك الاستنتاج، ربما كانت الخطة الوحيدة هي الاستمرار مع تلك المهمة الكبيرة.

السفر بين النجوم

اهتمت الورقة العلمية الثانية، المعنونة بـ"ملحوظات حول البلازما في منطقة الهيلوبوز والوسط البينجمي" بدراسة البلازما في تلك المناطق، وهي أول مرة تُدرس فيها بيانات مُستقاة بشكل مباشر من الوسط البينجمي، على حد قول أستاذ علوم الفيزياء الفلكية وبحوث الفضاء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "جون دي ريتشاردسون"، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة.

يقول "ريتشاردسون"، في تصريحات لـ"للعلم": إن النتيجة المدهشة التي توصل إليها "فوياجر 2" تتمثل في أن حدود المنطقة التي تنتشر فيها البلازما الشمسية "رفيعة جدًّا"؛ إذ عبرها المسبار "فوياجر 2" في أقل من يوم، "وهذا يعني أن سماكة تلك الطبقة الحدودية تقدر بحوالي 0.06 وحدة فلكية"، أى ما يعادل نحو 8.97 ملايين كيلومتر.

ويشير "ريتشاردسون" في تصريحاته إلى أن درجة حرارة تلك المنطقة "أكثر سخونةً ما مما كان متوقعًا إلى حدٍّ"؛ إذ تتراوح درجة الحرارة ما بين 30 إلى 50 ألف كلفن! في حين كانت التوقعات تُشير إلى أن درجة الحرارة تتراوح ما بين 15 إلى 30 ألف كلفن، وهو ما يعني أن "تأثير الشمس يمتد إلى حدود مذهلة، أكثر بكثير مما كان يتوقع سابقًا".

بدأ "ريتشاردسون" العمل على دراسة الرياح الشمسية وتأثيرها في الوسط البينجمي عام 1979، حين كان طالبًا في الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا، ويقول عالِم الفيزياء الفلكية إن نتائج تلك الدراسة ستُسهم في نهاية المطاف في بناء معلومات تساعد "على سفر البشر بين النجوم"، مؤكدًا أن مهمة "فوياجر" ستستمر ما بين 5 إلى 10 سنوات أخرى، ستمدنا خلالها بمزيد من المعلومات حول ذلك المكان المجهول.

قفزات في كثافة البلازما

وفي الدراسة الثالثة، المعنونة بـ"كثافة البلازما بالقرب من الهيلوبوز وخارجه"، اهتم الباحثون بدراسة المعلومات الواردة من مسباري "فوياجر1" و"فوياجر2"؛ لتوضيح الفرق بين كثافة البلازما الساخنة في منطقة "هيليوهيت" وكثافة البلازما الموجودة في الوسط البينجمي.

بدأت تلك الدراسة قبل نحو 50 عامًا، حتى قبل بدء مهمة "فوياجر" نفسها. وقتها، اكتشف العلماء أن البلازما عالية السرعة تتدفق شعاعيًّا إلى خارج الشمس بسرعة تفوق سرعة الصوت (حوالي 1.7 مليون كيلومتر في الساعة). وقتها تساءل العلماء عما يُمكن أن يحدث لتلك الجسيمات –الرياح الشمسية- حين تصل وتتفاعل مع الغاز الضعيف بين النجوم.

وقتها اعتقد البعض أن تلك الجسيمات سيتم امتصاصها بالتدريج في الوسط البينجمي، "كما يحدث عندما يتم رش العطر في هواء الغرفة"، على حد قول العالم الكبير "دونالد جونيت"، وهو الأستاذ الفخري للفيزياء الفلكية بجامعة أيوا الأمريكية، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة.

يقول "جونيت" في تصريحات لـ"للعلم": "إن ثمة فكرة أخرى اعتقدها العلماء وقتها، وكنت واحدًا ممن اعتنقوا تلك الفكرة التي تقول إن البلازما الشمسية ستكون حدودًا حادة تُسمى "الهيلوبوز". تفصل تلك الحدود بين الرياح الشمسية الساخنة التي تبلغ درجة حرارتها نحو مليون درجة كلفينية، والبلازما الموجودة في الوسط البينجمي، والتي تبلغ درجة حرارتها نحو 10 آلاف درجة مئوية.

يضيف "جونيت"، الذي قضى معظم عمره في دراسة الرياح الشمسية وتأثيراتها، أن "فكرة الهيلوبوز اتضحت صحتها في وقت لاحق. لكن ما كنا نجهله تحديدًا هو كيفية التفاعل بين بلازما الشمس وبلازما الوسط البينجمي".

تكشف تلك الدراسة عن نتائج مُدهشة، أهمها على الإطلاق وجود "قفزات" في كثافة البلازما. أي أن الكثافة (عدد جسيمات البلازما في كل سنتيمتر مكعب) تتزايد بمستوى كبير في المنطقة التي تتقاطع فيها الرياح الشمسية مع الوسط البينجمي.

يقول "جونيت": إن تفسير تزايُد كثافة البلازما غير معروف إلى الآن، إلا أن الرصد الدقيق لها أوضح أن بلازما الوسط البينجمي تزيد كثافتها بنسبة تبلغ 20 إلى 50 ضعفًا من بلازما الرياح الشمسية.

كان "جونيت" ضمن الفريق الذي قام بتصميم المسبارين "فوياجر 1" و "فوياجر 2". ويقول الرجل الذي يبلغ من العمر 79 عامًا إنه سيمر وقت طويل للغاية قبل إجراء قياسات قابلة للمقارنة بتلك القياسات؛ "فربما يشهد علماء القرن القادم مسبارًا آخر كذلك المسبار".

الأشعة الكونية

فحصت الدراسة الرابعة التي تحمل عنوان "قياسات الأشعة الكونية بواسطة فوياجر 2" مجموعة من البيانات التي ترصد تفاعل الرياح الصادرة عن الفضاء البينجمي مع الرياح الشمسية، خاصةً مع الاختلافات الهائلة بين النوعين.

تتكون الرياح الشمسية من أيونات منخفضة الطاقة (أقل من 0.5 ميجافولت لكل نوكليون)، وهي تنشأ داخل الغلاف الشمسي، أما الأشعة الكونية فتزيد طاقة أيوناتها عن 70 ميجافولت لكل نيوكليون.

credit: NASA, JPL-Caltech, Voyager , امتدت مهمة فوياجر لأكثر من أربعين عامًا

وتقول تلك الدراسة إن مسبار "فوياجر 2" لاحظ انخفاضًا حادًّا في شدة الأيونات منخفضة الطاقة، وزيادة متزامنة في شدة الأشعة الكونية في منطقة "الهيلوبوز". وهو الأمر الذي يُشير إلى "تدفق هائل للأشعة الكونية في تلك المنطقة" على حد قول عالِم الفضاء الأمريكي الشهير وأستاذ الفيزياء بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والمدير السابق لمختبر الدفع النفاث التابع لناسا "إدوارد ستون"، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة.

ويشير "ستون" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن نماذج المحاكاة السابقة توقعت ذلك الأمر، "إلا أن فوياجر 2 ساعدنا على فهم التفاعلات على مستوى دقيق، كما حدد نسبة تقريبية لأيونات الرياح الشمسية مقارنةً بأيونات الأشعة الكونية في تلك المنطقة، والتي تبلغ أيونًا واحدًا للرياح الشمسية مقارنة بـ9 أيونات للأشعة الكونية".

منطقة مغناطيسية

أما الدراسة الخامسة والأخيرة، والمعنونة بـ"قياسات المجال المغناطيسي وجسيماته بالقرب من الهيلوبوز"، فقد كشفت عن نتيجة كبيرة بحق، ألا وهي وجود منطقة مغناطيسية جديدة على الجانب الشمسي من الهيلوبوز.

ويقول عالِم الفيزياء الفلكية بمركز جودارد للرحلات الفضائية التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، "ليونارد بورلاجا": إن "فوياجر 2" عبرت الحدود بين الحقول المغناطيسية الناتجة عن تأثير الشمس، ونظريتها الموجودة في الوسط البينجمي، لتكشف عن منطقة مغناطيسية جديدة –تم التنبؤ بها منذ عقود على أساس نظري- إلا أن سماكتها لم تكن معروفة على الإطلاق.

يقول "بورلاجا"، في تصريحات لـ"للعلم": إن "مساحة المنطقة المغناطيسية الجديدة تبلغ نحو 100 مرة مساحة الهيلوبوز، ولها شدة مجال متوسطة"، مضيفًا أن "النتيجة الثانية في تلك الدراسة جاءت بمنزلة مفاجأة، فعلى عكس التوقعات، لم يتغير اتجاه المجال المغناطيسي الناجم عن الشمس، مقارنةً باتجاه المجال المغناطيسي الموجود في منطقة ما بين النجوم".

يضيف "بورلاجا" -الذي عمل على تلك الدراسة منذ نحو 40 عامًا- أن "المهمة "فوياجر وفرت ملحوظات وبيانات لا يُمكن أن تقدر بثمن على الإطلاق، والمستقبل سيجلب لنا كثيرًا من المعلومات بواسطة مهمات أخرى مماثلة، ستسافر إلى مسافات أبعد من ذلك بكثير، إلا أن تلك المهمة ستظل تحمل ذلك الاسم الرنان: المهمة التي وُجدَت لأول مرة في الوسط البينجمي.. مهمة فوياجر العظيمة".