قبل 10 أشهر، وتحديدًا في يناير 2018، نجح فريق مصري خالص، في اكتشاف «منصوراصورس» أول ديناصور في مصر وأفريقيا يوثق لحقبة زمنية ظلت لغزًا يستعصي على العلم، يعود تاريخها إلى قرابة 30 مليون سنة في الفترة ما بين (94- 66 مليون سنة) بنهاية العصر الطباشيري.

ومن جديد عاد فريق بحث مصري- أمريكي مشترك، ليوثق لهذه الحقبة التي شهدت موجة انقراض هائلة، قضت على أكثر من ثلاثة أرباع أشكال الحياة على الأرض، باكتشاف أقدم حفرية لتمساح هو الأول من نوعه في مصر وقارة أفريقيا من حيث الحجم والنوع، وذلك بمنطقة الواحات الداخلة بصحراء مصر الغربية، وأطلق عليه «واحة سوكس» أو «تمساح الواحة».

ووفقًا للدراسة المنشورة في دورية كريتسيوس ريسيرش (Cretaceous Research)، فإن الحفريات المكتشفة تشير إلى أن هذا التمساح الفريد من نوعه ينتمي إلى أواخر العصر الطباشيري في شمال أفريقيا، ويختلف اختلافًا ملحوظًا عن الأشكال المعروفة للتماسيح في أمريكا الجنوبية ومدغشقر في الفترة ذاتها.

قاد فريق البحث، المصرية "سارة صابر"، باحثة الماجستير بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة أسيوط، وضم كلًّا من "هشام سلام"، الأستاذ المساعد في قسم الجيولوجيا بجامعة المنصورة، و"باتريك أوكونور" من قسم العلوم الطبية الحيوية بكلية التراث بجامعة أوهايو الأمريكية، و"إريك سيفرت" بقسم العلوم التشريحية التكاملية بكلية الطب بجامعة جنوب كاليفورنيا.

خصائص «تمساح الواحة»

قالت "سارة صابر" إنها كانت تدرس في الجامعة حينما انطلقت رحلة البحث عن «واحة سوكس» بين عامي 2008 و2010، وعقب تخرجها، عكفت على دراسة ما تم اكتشافه من حفريات للتمساح، في إطار سعيها لنيل درجة الماجستير.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضافت أن التمساح المكتشَف يوثق لحقبة أواخر العصر الطباشيري، التي لا يُعرف عنها شيء في أفريقيا، ويعود تاريخه لما بين 70 إلى 80 مليون سنة، كما أنه أول كائن مكتشَف يعيش على اليابسة بعد الديناصور «منصوراصورس».

وعن خصائص التمساح المكتشف، أوضحت أن طوله يبلغ نحو 5 أمتار ووزنه في حدود 750 كيلوجرامًا، وأن بقاياه المكتشفة عبارة عن أجزاء من الفك السفلي وعظم الجمجمة، وبعض فقرات العمود الفقري، وبعض عظام الأطراف.

وما يميز «واحة سوكس» -وفق "سارة"- أن الصفات التشريحية للجمجمة والفك وموضع الأسنان، تختلف تمامًا عن مثيلاته من العمر نفسه والحقبة الزمنية نفسها في القارات الأخرى، كما أنه أول تمساح مكتشف يعيش على اليابسة في أفريقيا ينتمى إلى أواخر العصر الطباشيري.

التنوع الحيوي في عصر الديناصورات

من جانبه، تحدث "هشام سلام" عن العلاقة التي تربط «منصوراصورس» بـ«واحة سوكس»، قائلًا إن معيشة الاثنين في الفترة نفسها تكشف أن العلاقة بينهما كانت علاقة بين فريسة ومفترس، فالتمساح من الحيوانات آكلة اللحوم والديناصور من آكلة العشب، ويمكن للحيوانات آكلة اللحوم السيطرة على آكلة العشب، حتى لو كان هناك تبايُن في الحجم.

واستشهد في تصريحات لـ"للعلم" بالتماسيح التي تعيش في عصرنا الحالي، وتتغذى على افتراس الأفيال والحيوانات التي تعيش بالقرب من البرك والمستنقعات والأنهار، وعلى هذا المنوال لا يستبعد سلام أن «واحة سوكس» كان يفترس الديناصورات.

ورأى سلام أن اكتشاف «واحة سوكس» يوثق لنظام الحياة في فترة نهاية العصر الطباشيري، وهي فترة زمنية غير موثقة في أفريقيا، كما يُعتبر دليلًا على التنوع الحيوي الذي كان موجودًا في عصر الديناصورات، ويُعَد حلقة في سلسلة التنوع الحيوي لهذا العصر، ودلالة على أن هناك مزيدًا من الكائنات المفترسة التي كانت تعيش في هذه الحقبة.

وضرب مثلًا بالغزالة والأسد، اللذَين يجسدان العلاقة بين الفريسة والمفترس في عصرنا الحالي، لكن هذا لا يمنع أن بيئتهما تعيش فيها كائنات أخرى مثل الطيور والزواحف وغيرها لاكتمال المنظومة البيئية، وهكذا حدث قديمًا في عصر الديناصورات.

واعتبر سلام أن منطقة الواحات تعتبر بكرًا وواعدة، وتحتاج إلى مزيد من البعثات العلمية لاكتشاف أسرار هذه الحقبة الزمنية، مؤكدًا أن هذا البحث هو جزء من سلسلة أبحاث يعمل الفريق عليها لوضع تصور لنظام الحياة في الفترة التي عاش فيها "منصوراصورس"، إذ ستُنشر قريبًا أبحاث عن سلحفاة عاشت في الفترة نفسها بعد اكتشاف بقاياها.

وأضاف أن الفريق اكتشف أيضًا بعض بقايا الأسماك، ومنها سمكة متوحشة يُطلق عليها "تنيه" نسبة للمنطقة المكتشفة بها في قرية "موص" عاصمة واحة الداخلة، وهي سمكة متوحشة ذات أسنان ضخمة ويصل طولها لحوالي متر ونصف المتر.

تعاون دولي

وعن دور الجانب الأمريكي في البحث، أشار سلام إلى أن مهمة الباحثين الأمريكيين تمثلت في التعاون العلمي المشترك بين الجانبين، وتبادُل المناقشات والآراء والخبرات، وكتابة الورقة البحثية، مؤكدًا أن الهدف من هذا التعاون هو الاستفادة التي يتلقاها الطلاب المصريون من الاحتكاك بالثقافات الأخرى والخبرات العلمية المتميزة، ونتج عن ذلك البحث أن سارة صابر أصبحت أول سيدة في تاريخ الوطن العربي تصبح مؤلفًا رئيسيًّا لبحث عن الحفريات الفقارية للتماسيح.

والبحث المنشور عن «واحة سوكس» هو أول بحث دولي تشارك فيه "سارة"، كما أنه أول بحث لحفرية تمساح في الشرق الأوسط وأفريقيا يكون مؤلفه الرئيسي سيدة من الشرق الأوسط، وفق قولها.

وفي هذا الإطار، شدد "محمد سامح" -مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة ونقطة الاتصال الوطنية لمواقع التراث الطبيعي العالمي بمنظمة اليونسكو-على أهمية مشاركة الفريق المصري لعلماء وباحثين أجانب، مما يعطي فرصة لتبادل الخبرات وإثراء الفكر والشراكة بين المجتمعات العلمية، لتطوير البحث العلمي في مجال الحفريات الفقارية في مصر.

كشف "واعد"

من جانبه، وصف "جبيلي عبد المقصود" -مدرس الطبقات والحفريات الفقارية بكلية العلوم، جامعة الوادي الجديد- الكشف الجديد بـ"الواعد"، مؤكدًا أن هذا التمساح المكتشف يوثق للفترة التي ترصد مشارف نهاية العصر الطباشيري، قبل موجة الانقراض التي حدثت للكائنات الحية، بفعل النيازك التي ضربت الأرض، وانتهت معها حقبة الزواحف والثدييات العملاقة تمامًا.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف أن منطقة الواحات البحرية لا تزال بكرًا، ومليئة بالدلائل التي تكشف أسرار تلك الحقبة، وأن الفريق البحثي الذي يقوده "سلام" من أوائل الباحثين الذين نجحوا في هذه النوعية من الاكتشافات بمنطقة الواحات البحرية.

وعن طبيعة المنطقة التي كان يعيش فيها تمساح الواحات بجوار الديناصورات، أوضح أن البيئة كانت عبارة عن مستنقعات مختلطة بمياه البحر والنهر، وكانت تنمو على شواطئها الحشائش والغابات، مشكِّلةً بيئة ملائمة لعيش الديناصورات آكلة العشب، بجوار التماسيح آكلة اللحوم والسلاحف.

ونوه بأنه عقب موجة الانقراض التي حدثت للديناصورات والتماسيح العملاقة بنهاية العصر الطباشيري، غطت مياه البحر المنطقة بالكامل، لتبدأ بعدها حقبة الحياة الحديثة، أو ما يُطلق عليه العصر المزدهر للثدييات البرية مثل الأفيال والقرود والخيول والثدييات البحرية مثل الحيتان، وتعتبر منطقة الفيوم من أشهر المناطق على مستوى العالم التي توثق لهذه الحقبة.

فيما رأى "سامح" أن «واحة سوكس» يمثل إضافةً جديدةً لنوع جديد من التماسيح آكلة اللحوم، وهو مختلف من حيث الحجم والنوع عما تم اكتشافه من قبل في أمريكا الجنوبية ومدغشقر.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن هذا الاكتشاف الرائع يكشف ملامح البيئة التي كانت تحيط بـ«منصوراصورس»، ويوضح العلاقة بين الكائنات المختلفة، ويعطي الفرصة للتفكير في العلاقات بين الكائنات التي عاشت في الماضي السحيق، وكيف تحولت هذه المستنقعات التي كانت تعيش فيها تلك الكائنات العملاقة إلى صحراء قاحلة الآن.

وفيما يتعلق بجدوى هذا الجهد البحثي، قال: يفيد هذا الاكتشاف الجديد في تكوين فكرة عن النظام الحياتي، وخاصةً في فترة نهاية العصر الطباشيري، مثمنًا جهود الفريق المصري لمحاولاته الجادة لسد هذه الفجوة.