يمكن القول بأن الاشتعال العسكري الأكثر إثارة للقلق في العالم لا يوجد في مضيق تايوان، أو شبه الجزيرة الكورية، أو إيران، أو إسرائيل، أو كشمير أو أوكرانيا. في الواقع، لا يمكن تحديد موقعه على أي خريطة للأرض، ومع ذلك فمن السهل للغاية العثور عليه. لكي تراه، انظر فقط إلى سماء صافية، للفضاء المحيط بمدار الأرض، حيث يتكشف أمامك صراع وسباق تسلُّح لا ينقصه سوى الاسم.

قد يكون فراغ الفضاء الخارجي هو آخر مكان تتوقع أن تتنافس فيه الجيوش على المناطق المتنازَع عليها، إلا أن الفضاء الخارجي لم يعد فارغًا، ففي محيطه يدور حوالي 1300 من الأقمار الصناعية النشطة، تحيط بالكرة الأرضية في عش مزدحم من المدارات، من أجل توفير الاتصالات في جميع أنحاء العالم، وتحديد المواقع والملاحة، والتنبؤ بالأحوال الجوية ومراقبة الكواكب. بالنسبة للجيوش التي تعتمد على بعض من تلك الأقمار الصناعية في طرق الحرب الحديثة، أصبح الفضاء بمنزلة التل المرتفع في نهاية الطريق، حيث الولايات المتحدة هي الملك المتوَّج عليها بلا منازع. الآن، إذ تسعى كل من الصين وروسيا بقوة إلى تحدي التفوق الأمريكي في الفضاء عبر برامجها الفضائية العسكرية الطموحة، تزيد مخاطر الصراع على السلطة وفرض النفوذ من خطر اشتعال نزاع قد يشل البنية التحتية الفضائية لكوكب الأرض بأكمله. وبالرغم من أنه قد يبدأ في الفضاء، قد يُشعل هذا النزاع بسهولة حربًا شاملة على الأرض.

التوترات المستمرة منذ مدة طويلة تقترب الآن من نقطة الغليان نتيجة العديد من الأحداث، من ضمنها الاختبارات الأخيرة والمستمرة لأسلحة مضادة للأقمار الصناعية، والمحتمل إجراء الصين وروسيا لها، فضلًا عن الفشل في محادثات تخفيف حدة التوتر بالأمم المتحدة في شهر يوليو 2015.

في شهادته أمام الكونجرس، في وقت سابق من عام 2015، ردد مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر المخاوف التي تشغل العديد من كبار المسؤولين في الحكومة بشأن التهديد المتزايد للأقمار الصناعية الأمريكية، قائلًا إن كلًّا من الصين وروسيا "تطور قدرات لمنع التورُّط في نزاع معها"، مثل تلك التي قد تندلع بشأن الأنشطة العسكرية للصين في بحر الصين الجنوبي أو الأنشطة العسكرية لروسيا في أوكرانيا. وكما يقول كلابر، فقد أثبتت الصين بشكل خاص "حاجتها إلى التدخل في الأقمار الصناعية الأمريكية، وإتلافها وتدميرها"، في إشارة إلى سلسلة من التجارب الصينية لصواريخ مضادة للأقمار الصناعية بدأت في عام 2007.

هناك العديد من الطرق لتعطيل الأقمار الصناعية أو تدميرها دون تفجيرها بشكل استفزازي بواسطة الصواريخ، إذ يمكن لمركبة فضائية أن تقترب ببساطة من القمر الصناعي وترش الطلاء على أجهزته البصرية، أو تدمِّر هوائيات الاتصال الخاصة به يدويًّا، أو تزعزع استقراره في مداره. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الليزر لتعطيل الأقمار الصناعية مؤقتًا أو إتلاف مكوناتها، خاصة أجهزة الاستشعار الحساسة، كما يمكن لموجات الراديو أو الموجات الصُّغرية (الميكروويف) التشويش أو الاستيلاء على موجات الإرسال الصادرة من محطات التحكم الأرضية أو القادمة إليها.

وردًّا على هذه التهديدات المحتملة، خصصت إدارة أوباما ميزانية لا تقل عن 5 مليارات دولار لإنفاقها على مدار السنوات الخمس القادمة من أجل تعزيز كلٍّ من القدرات الدفاعية والهجومية لبرنامج الفضاء العسكري الأمريكي. بالإضافة إلى ذلك، تحاول الولايات المتحدة أيضًا معالجة المشكلة بطرق دبلوماسية، على الرغم من فرص النجاح الضئيلة؛ فمنذ أواخر يوليو عام 2015، والمحادثات بالأمم المتحدة متوقفة بسبب معارضة روسيا والصين وعدة دول أخرى من بينها البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران، وهي المحادثات التي طال انتظارها بشأن مدونة لقواعد السلوك صاغها الاتحاد الأوروبي للدول التي ترتاد الفضاء. لقد وضع هذا الفشل الحلول الدبلوماسية للتهديد المتزايد في طي النسيان، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى سنوات إضافية من الجدل داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.

"خلاصة القول تكمن في أن الولايات المتحدة لا تريد نزاعًا في الفضاء الخارجي"، وفق فرانك روز، مساعد وزارة الخارجية الأمريكية للحد من التسلح والتحقُّق ومراقبة الالتزام، والذي قاد الجهود الدبلوماسية الأمريكية لمنع سباق التسلح في الفضاء. إن الولايات المتحدة -وفق قوله- على استعداد للعمل مع روسيا والصين للحفاظ على الفضاء آمنًا. "ولكن اسمحوا لي أن أجعل الأمر في غاية الوضوح: سوف ندافع عن ممتلكاتنا الفضائية إذا تعرضت لهجوم".

اختبار أسلحة فضائية هجومية
 

إن احتمال نشوب حرب في الفضاء ليس جديدًا. فبدافع خوفها من الأسلحة النووية السوفيتية التي تنطلق من مدار حول الأرض، بدأت الولايات المتحدة في اختبار أسلحة مضادة للأقمار الصناعية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حتى إنها اختبرت القنابل النووية في الفضاء قبل حظر أسلحة الدمار الشامل المدارية، بعد معاهدة الفضاء الخارجي بالأمم المتحدة لعام 1967. بعد الحظر، أصبحت المراقبة الفضائية عنصرًا حاسمًا في الحرب الباردة، مع الأقمار الصناعية التي أصبحت جزءًا من أنظمة الإنذار المبكر المتطورة، والمتأهبة لرصد انتشار الأسلحة النووية الأرضية أو إطلاقها. طوال أغلب فترات الحرب الباردة، عمل الاتحاد السوفيتي على تطوير واختبار "الألغام الفضائية"، وهي مركبات فضائية ذاتية التفجير يمكنها ملاحقة أقمار التجسس الصناعية الأمريكية وتدميرها عن طريق إمطارها بوابل من الشظايا. في ثمانينيات القرن الماضي، وصلت عسكرة الفضاء إلى ذروتها مع مبادرة إدارة ريجان للدفاع الاستراتيجي، والتي بلغت ميزانيتها مليارات الدولارات وعُرفت باسم حرب النجوم، وقد أُطلقت بهدف تطوير تدابير مدارية مضادة للصواريخ السوفيتية الباليستية العابرة للقارات. وفي عام 1985، قدم سلاح الجو الأمريكي دليلًا واضحًا على قدراته الهائلة، عندما أطلقت طائرة مقاتلة من طراز F-15 قذيفة أخرجت قمرًا صناعيًّا أمريكيًّا فاشلًا من مداره المنخفض حول الأرض.

خلال كل ذلك، لم يندلع أي سباق مسلح شامل أو نزاعات مباشرة. ووفقًا لمايكل كريبون، الخبير في الحد من التسلح وأحد مؤسسي مركز ستيمسون البحثي في واشنطن العاصمة، يرجع ذلك إلى إدراك الولايات المتحدة وروسيا لمدى ضعف أقمارهما الصناعية -خاصة الموجودة في المدارات الأرضية المتزامنة على ارتفاع 35 ألف كيلومتر أو أكثر. مثل هذه الأقمار الصناعية تحلق بشكل فعال فوق بقعة واحدة من كوكب الأرض، مما يجعل استهدافها أمرًا يسيرًا. لكن لأن أي عمل عدائي ضد تلك الأقمار الصناعية يمكن أن يتصاعد بسهولة ليصل إلى تبادل نووي شامل على الأرض، تُحجم كلتا القوتين العظميين عن ذلك. وكما يقول كريبون: "لم يوقع أيٌّ منا معاهدة بشأن هذا الأمر، فقد استنتج كلٌّ منَّا بشكل مستقل أن أمننا سيكون في وضع أسوأ حال استهدافنا تلك الأقمار الصناعية، لأنه إذا فعلها أحدنا، سوف يفعلها الآخر أيضًا".

اليوم، يبدو الموقف أكثر تعقيدًا بكثير. لقد أصبحت المدارات المنخفضة والمرتفعة حول الأرض بؤرًا للنشاط العلمي والتجاري، ملأى بالمئات فوق المئات من الأقمار الصناعية من حوالي 60 دولة مختلفة، وعلى الرغم من أن أغراضها سلمية إلى حد كبير، إلا أن جميعها في خطر، يرجع ذلك جزئيًّا إلى عدم استعداد جميع أعضاء نادي القوى الفضائية العسكرية لاتباع القواعد ذاتها– وهم ليسوا مضطرين إلى ذلك، لأن القواعد لم تُكتب بعد.

تشكل النفايات الفضائية أكبر تهديد للأقمار الصناعية، فهي تدور في الفضاء بسرعات عالية للغاية، لذلك فإن أسرع وأقذر وسيلة لتدمير أحد الأقمار الصناعية هي ببساطة إطلاق شيء ما في الفضاء ليعترض طريقه. إن تأثير اصطدام جسيم صغير ومنخفض التقنية مثل قطعة رخام، يمكنه تعطيل قمر صناعي قيمته مليار دولار أو تدميره تمامًا. وإذا ما استخدمت دولة طريقة "حركية" كتلك لتدمير قمر صناعي للعدو، فإن الحطام الناتج عنه قد يكون أكثر خطورة، فقد يتسبب في سلسلة متتالية من ردود الفعل تحول مدار الأرض إلى حلبة من الدمار.

في عام 2007، ارتفعت المخاطر الناتجة عن الحطام عندما أطلقت الصين صاروخًا لتدمير أحد أقمارها الصناعية الخاصة بالطقس في المدار الأرضي المنخفض. أسفر هذا الاختبار عن سرب من الشظايا طويلة الأجل، والتي تمثل تقريبًا سدس مجموع الحطام القابل للتتبع بالرادار في المدار. وفي عام 2008، ردت الولايات المتحدة الأمريكية ردًّا نوعيًّا، عندما استفادت من سفينة فضائية في إطلاق قذيفة مضادة للصواريخ الباليستية بغرض إسقاط قمر صناعي عسكري أمريكي فيه خلل، قبل وقت قصير من سقوطه عبر الغلاف الجوي. أسفرت هذه التجربة عن نفايات خطرة أيضًا، وإن كانت بكميات أقل، وكان الحطام أقصر عمرًا لأنه نتج على ارتفاع أقل بكثير.

وفي الآونة الأخيرة، أطلقت الصين ما أسماه العديد من الخبراء تجارب إضافية للأسلحة الحركية الأرضية المضادة للأقمار الصناعية. وعلى الرغم من أن هذه التجارب لم تؤدِّ إلى تدمير أية أقمار صناعية، يقول كريبتون وخبراء آخرون إن تجارب الصينيين الآن مجرد اختبار للخطأ بدلًا من إصابة الهدف، وكلاهما يؤدي إلى النتيجة النهائية العدائية نفسها. ويعود تاريخ إجراء آخر اختبار صيني إلى 23 يوليو من عام 2014، ويصر المسؤولون الصينيون على أن الغرض الوحيد من الاختبارات هو الدفاع الصاروخي السلمي وإجراء التجارب العلمية. لكن في أحد الاختبارات، في مايو 2013، انطلق صاروخ إلى ارتفاع 30 ألف كيلومتر فوق الأرض، مقتربًا من الملاذ الآمن للأقمار الصناعية الاستراتيجية في المدار الأرضي المتزامن.

كان ذلك بمنزلة دعوة للاستيقاظ، كما يقول بريان ويدين، المحلل الأمني والضابط السابق في سلاح الجو، والذي درس التجربة الصينية وساعد في التعريف بها، والذي أضاف: "أدركت الولايات المتحدة منذ عقود مضت حقيقة أن أقمارها الصناعية في المدارات المنخفضة يمكن إسقاطها بسهولة. إن الوصول بالقرب من المدار الأرضي المتزامن جعل الناس يدركون، ويا للهول، أن شخصًا ما قد يحاول ملاحقة أشيائنا هناك".

لم يكن من قبيل المصادفة أن ترفع الولايات المتحدة السرية عن تفاصيل برنامجها السري "جي إس إس إيه بي" GSSAP، بعد فترة وجيزة من اختبار مايو 2013، وهو برنامج مراقبة وضع منطقة المدار الأرضي المتزامن Geosynchronous، ويتكون البرنامج من أربعة أقمار صناعية قادرة على مراقبة المدارات العالية حول الأرض، بل والتقاء الأقمار الصناعية الأخرى لفحصها عن قرب، وقد انطلقت أول مركبتين فضائيتين في برنامج GSSAP إلى مداريهما في يوليو 2014.

"كان هذا برنامجًا سريًّا تمامًا -شيئًا لم يكن له وجود في السجلات الرسمية"، وفق ويدين، الذي أضاف: "جرى رفع السرية عنه في الأساس لإرسال رسالة: مهلًا، إذا كنتم تفعلون شيئًا مريبًا في الحزام المتزامن مع الأرض أو حوله، فسوف نراه". ولا يلزم أن يكون الدخيل على المدار المتزامن مع الأرض صاروخًا ذا رؤوس متفجرة ليشكل خطرًا أمنيًّا -بل إن مجرد الاقتراب من الأقمار الصناعية الاستراتيجية للعدو يُعَد تهديدًا. وهو أحد الأسباب التي قد تزعج الخصوم المحتملين للولايات المتحدة من قدرات التقاء برنامج GSSAP والطائرات الفضائية الروبوتية عالية المناورة من طراز X-37B التابعة لسلاح الجو الأمريكي.

تعمل روسيا أيضًا على تطوير قدراتها على الاقتراب من الأقمار الصناعية وفحصها في مداراتها، وربما تخريبها أو تدميرها. فعلى مدار العامين الماضيين، أطلقت روسيا ثلاث حمولات غامضة على متن أقمار صناعية تجارية روتينية أطلقتها، كان أحدثها في مارس 2015. وقد كشفت الأرصاد الرادارية لسلاح الجو الأمريكي وكذلك ملحوظات بعض الهواة أنه بعد نشر تلك الأقمار الصناعية التجارية، انطلق جسم صغير إضافي بعيدًا عن معزِّز الدفع الصاروخي، قبل أن يستدير ويعود في وقت لاحق. إن الأجسام، التي أُطلق عليها كوزموس-2491، و-2499، و-2504، قد لا تكون سوى جزء من برنامج سلمي لتطوير تقنيات لخدمة الأقمار الصناعية القديمة وتزويدها بالوقود، كما يقول ويدين، ولكن من الممكن أيضًا أن يكون الهدف منها نوايا أخرى شريرة.

 

المعاهدات توفر القليل من الضمانات

يصر المسؤولون الصينيون على أن أنشطتهم العسكرية في الفضاء هي تجارب علمية سلمية بسيطة، بينما التزم المسؤولون الروسيون الصمت في معظم الأحوال. من الممكن ببساطة رؤية ما تفعله الدولتان كمجرد رد على ما تعتبرانه تطويرًا سريًّا لأسلحة فضائية محتملة تقوم به الولايات المتحدة. في الواقع، إن أنظمة الدفاع الصاروخية الأمريكية، بطائراتها الفضائية من طراز X-37B وحتى مركبة GSSAP الفضائية، يمكن استخدامها بسهولة كأسلحة لحرب فضائية، على الرغم من تخصيصها ظاهريًّا للحفاظ على السلام. لقد سعت روسيا والصين لسنوات من أجل التصديق على معاهدة ملزِمة قانونيًّا بالأمم المتحدة لحظر الأسلحة الفضائية -وهي المعاهدة التي رفضها مسؤولون أمريكيون وخبراء خارجيون مرارًا وتكرارًا، ونعتوها بالعقيمة والمخادعة.

"سعت مسودة المعاهدة من روسيا والصين لحظر نفس الأشياء التي يسعون إليها الآن بنشاط"، وفق كريبون، الذي أضاف: "إنها تخدم مصالحهما بجدارة. يريدون حرية العمل، ويعملون على تغطية ذلك بهذا الاقتراح لحظر الأسلحة الفضائية". وحتى لو عُرضت المعاهدة بنية حسنة، كما يقول كريبون، فإنها ستموت بمجرد وصولها إلى الكونجرس ولن تتوفر لها فرصة للتصديق عليها. على كلٍّ، كما يقول كريبون، فإن الولايات المتحدة، هي الأخرى، تريد حرية التصرف في الفضاء، ولا تفوقها دولة أخرى في قدراتها الفضائية، وبالتالي لدى غيرهم الكثير لكي يخسروه.

ووفقًا لروز، فإن في المعاهدة ثلاث مشكلات رئيسية: "الأولى، لا يمكن التحقق منها بفاعلية، إذ لا يمكنك كشف الغش فيها، ويعترف الروس والصينيون بهذا"، ويضيف: "الثانية، أنها لم تأت بذكر مسألة الأسلحة الأرضية المضادة للأقمار الصناعية، كالتي اختبرتها الصين مرة في 2007، وأخرى في يوليو 2014. والثالثة، لا تقوم بتعريف ماهية السلاح في الفضاء الخارجي".

بديلًا لها، تساند الولايات المتحدة مبادرة بقيادة أوروبية لإرساء "معايير" للسلوك السليم من خلال إنشاء مدونة طوعية دولية للقواعد السلوكية للفضاء الخارجي. سوف تكون بمنزلة خطوة أولى، يعقبها اتفاق ملزِم. تنادي مسودة المبادرة الأوروبية -والتي منعت روسيا والصين تبنيها في مناقشات الأمم المتحدة في شهر يوليو 2015-بالمزيد من الشفافية و"بناء الثقة" بين الدول المرتادة للفضاء كوسيلة لتعزيز "الاستكشاف والاستخدام السلمي للفضاء الخارجي". يمكن لهذا -كما هو مأمول- أن يمنع توليد المزيد من الحطام وتطوير الأسلحة الفضائية. ومع ذلك، وكحال المعاهدة الروسية-الصينية، لم تضع المسودة تعريفًا دقيقًا للمقصود بالسلاح الفضائي.

تطرح تلك الضبابية مشكلات أمام كبار مسؤولي الدفاع، مثل الجنرال جون هايتن، رئيس القيادة الفضائية بالقوات الجوية الأمريكية، والذي يتساءل: "هل يُعَد نظام المراقبة الفضائي التابع لنا، والذي يستكشف السماوات ويتتبع كل شيء في المدار الأرضي المتزامن، نظامًا مسلحًا؟". يضيف هايتن: "أعتقد أن كل شخص في هذا العالم سوف ينظر لذلك ويقول كلا. لكنه قادر على المناورة، ويتحرك بسرعة 17 ألف ميل في الساعة، ولديه جهاز استشعار على متنه. إنه ليس بسلاح، حسنًا؟ لكن هل ستحد لغة [معاهدة] من قدرتنا على المراقبة الفضائية؟ آمل ألا يحدث ذلك!".

 

هل الحرب في الفضاء حتمية؟
 

في الوقت نفسه، تعطي التحولات في السياسة الأمريكية للصين وروسيا المزيد من الأسباب للمزيد من التشكيك. لقد عمل الكونجرس على الضغط على مجتمع الأمن القومي الأمريكي لتحويل انتباهه إلى دور القدرات الهجومية بدلًا من الدفاعية، بل قام بتوجيه التمويل الخاص بالسنة المالية 2015 -والمخصص معظمه لبرنامج الأمن الفضائي والدفاع التابع للبنتاجون- نحو "تطوير السيطرة الفضائية الهجومية والاستراتيجيات وقدرات الدفاع النشطة".

يشير مسمى "السيطرة الفضائية الهجومية" بوضوح إلى الأسلحة، أما "الدفاع النشط" فهو مسمى أكثر غموضًا بكثير، ويشير إلى تدابير مضادة هجومية غير محددة يمكن اتخاذها ضد أي مهاجم، مما يوسع الطريق أمام تسليح الفضاء بشكل أكبر. في حال ملاحظة تهديد وشيك، قد يقوم القمر الصناعي أو المتحكمون فيه بالهجوم الاستباقي عن طريق أجهزة الليزر الحادة، أو موجات الميكروويف المشوشة، أو القصف الحركي، أو أي عدد آخر من الطرق الممكنة.

"أتمنى ألا أخوض حربًا فضائية مطلقًا"، هكذا يقول هايتن، الذي يضيف: "إنها أمر سيئ للعالم. إن الأسلحة الحركية [المضادة للأقمار الصناعية] أمر مروِّع للعالم"، بسبب المخاطر الوجودية التي يشكلها الحطام على جميع الأقمار الصناعية. "لكن إذا امتدت الحرب إلى الفضاء بالفعل"، كما يقول هايتن، "فلا بد من أن يكون لدينا قدرات هجومية ودفاعية للرد بها، وقد طلب منا الكونجرس استكشاف ماهية تلك القدرات، وبالنسبة لي، فالعامل المقيد الوحيد هو اللاحطام. أيًّا يكن ما تفعل، لا تنتج حطامًا".

على سبيل المثال، تبدو تقنية تشويش الإرسال وكأنها تدعم نظام الاتصالات المضادة للقوات الجوية، وهي القدرة الهجومية الأمريكية الوحيدة المعترَف بها ضد الأقمار الصناعية في الفضاء. "إنها في الأساس هوائي كبير على مقطورة، ولا أحد يعرف كيفية عمله وما يقوم به في الواقع"، كما يقول ويدين، مشيرًا إلى أن تفاصيل النظام سرية للغاية، كما هو معظم العمل الأمني الفضائي. "كل ما نعرفه بشكل أساسي هو أنه يمكنهم استخدامه للتشويش بشكل ما، أو ربما في محاكاة الأقمار الصناعية للعدو أو اختراقها".

بالنسبة لكريبون، فإن الجدل القائم حول تعريف الأسلحة الفضائية، والمبارزة المحمومة بين روسيا والصين والولايات المتحدة، تساعد في التشويش على قضية أكثر إلحاحًا، وهي الحطام. فكما يقول: "يتحدث الجميع عن الأشياء التي يصنعها الإنسان ويكرِّسها للحرب في الفضاء، ويبدو الأمر وكأننا عدنا لزمن الحرب الباردة. في الوقت نفسه، هناك ما يقارب 20 ألف سلاح على صورة حطام. ليس فقط بلا فائدة ولكن بلا توجيه. إنها لا تلاحق الأقمار الصناعية للعدو. إنها تحلق في الفضاء لتفعل ما يحلو لها".

لا بد من حماية البيئة الفضائية، كما يقول كريبون، بصفتها ملكية عالمية، أشبه بمحيطات الأرض وغلافها الجوي. إنه من السهل للغاية صناعة نفايات الفضاء ومن الصعب للغاية التخلص منها، ولذلك يجب تركيز الجهود الدولية لمنع إنتاجها. فيما عدا التهديد بالتدمير المتعمد، سوف يستمر خطر حوادث الاصطدام وضربات الحطام في النمو كلما عملت المزيد من الدول على إطلاق المزيد من الأقمار الصناعية وتشغيلها دون مساءلة ورقابة دولية صارمة. ومع ازدياد فرص الحوادث، واحتمالية تفسيرها كتصرفات عدائية متعمدة، سيظل نصل خنجر النزاع العسكري الفضائي الحاد يهددنا.

"إننا في قلب عملية عبث فضائية، ولا يدرك معظم الناس ذلك لأننا لا يمكننا رؤيته بنفس الطريقة التي يمكننا بها رؤية نفوق الأسماك، وانتشار الطحالب، أو الأمطار الحمضية". يضيف كريبون: "لتجنب امتلاء مدار الأرض بالنفايات، نحتاج إلى الشعور بإلحاح المشكلة، وهو ما يفتقر إليه الجميع. ربما نشعر بالمشكلة عندما ينقطع إرسال القنوات الفضائية والاتصالات عنا، ونكون عاجزين عن معرفة تنبؤات أحوال الطقس والأعاصير، ليعود بنا الزمن إلى عصر الخمسينيات من القرن الماضي، هنا فقط سنشعر بالمشكلة، لكن بعد فوات الأوان".

ساهمت في التقارير سابرينا إمبلير