في الحضارة المصرية القديمة، كانت "البيضة" رمزًا لـ"الحياة من الجماد"، أما الرومان فاعتادوا تقديم البيض كهدايا في مطلع كل عام؛ رمزًا لـ"حياة جديدة".

وفي عصرنا الحديث، لجأ ملايين البشر في جميع أنحاء العالم -وخاصةً الرياضيين- إلى تناول البيض باعتباره بديلًا آمنًا للحصول على البروتين، في ظل تصاعد التحذيرات من خطورة تناول الوجبات السريعة واللحوم المصنَّعة، باعتبارها من الأسباب المحتملة للإصابة بالسرطان.

لكن يبدو أن العلم له رأي آخر؛ إذ حذرت دراسة أجراها باحثون بجامعة "نورث ويسترن" الأمريكية، من الإفراط في تناول البيض، مؤكدةً أن تناول ثلاث بيضات أسبوعيًّا قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والدورة الدموية، بل والوفاة المبكرة.

وأرجعت الدراسة -التي نشرتها دورية "جاما" (JAMA) التي تصدرها "الجمعية الطبية الأمريكية"- ذلك إلى احتواء صفار البيض على نسبة عالية جدًّا من الكوليسترول.

ويبلغ وزن البيضة في المتوسط 68 جرامًا، وتمد الجسم بنحو 265 ملجم من الكوليسترول، ويحتوي صفار البيضة الواحدة (فقط) على 186 ملجم من الكوليسترول.

وفحص الباحثون في الدراسة البيانات الصحية لـ29.615 أمريكيًّا (بينهم 13.299 رجلًا بنسبة بلغت 44.9% من إجمالي عينة البحث، و9204 من السود بنسبة 31.1%)، وبلغ متوسط أعمار المشاركين في الدراسة 51.6 عامًا، وتمت متابعة حالتهم على مدار 17.5 عامًا.

واعتمدت الدراسة على تحليل العادات الغذائية والصحية للمشاركين الذين لم يصابوا سابقًا بأمراض القلب، والذين أبلغوا عن كل عاداتهم الشخصية التي قد تُلحق أضرارًا بالقلب، مثل التدخين واستهلاك الكحول.

نوبات قلبية

أوضح الباحثون أن 5400 شخص من عينة البحث تعرضوا لنوبة من الأمراض القلبية الوعائية، وأن 6132 منهم توفوا وفاة طبيعية في العقدين اللذَين تليا بدء البحث.

و"الأمراض القلبية الوعائية" هي مجموعة من الاضطرابات التي تصيب القلب والأوعية الدموية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومرض القلب التاجي، والسكتة الدماغية، وأمراض الأوعية الدموية المحيطية، وفشل القلب، وأمراض القلب الروماتيزمية، وأمراض القلب الخلقية، واعتلالات عضلة القلب.

وقدرت منظمة الصحة العالمية عدد الوفيات من جَرَّاء الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية في 2015 بنحو 17.7 مليون نسمة، أي حوالي 31% من مجموع الوفيات التي وقعت في العالم في السنة نفسها، ومن أصل هذه الوفيات استأثرت الأمراض القلبية التاجية بنحو 7.4 ملايين وفاة، أما السكتات الدماغية فاستأثرت بـ6.7 ملايين حالة وفاة.

وحذر الباحثون في الدراسة من الإفراط في تناول البيض، خاصةً الصفار؛ حفاظًا على صحة القلب والحماية من خطر انسداد الأوعية الدموية وتصلُّب الشرايين والإصابة بالسكتات الدماغية. وأشارت الدراسة إلى أن الإكثار من تناول البيض مع عدم ممارسة نشاط بدني، والتدخين وتناول الأطعمة المشبعة بالدهون يؤثر على عضلة القلب بشكل كبير، مشددةً على أن الحصول على 300 ملجم من الكوليسترول (بصورة عامة) يزيد من كوليسترول البروتين الشحمي منخفض الكثافة بنسبة 0.15 ملليمول/لتر، ما يزيد من الخطر النسبي للإصابة بالأمراض القلبية الوعائية بنسبة 3٪. وخلص الباحثون إلى أن ارتفاع معدل الكوليسترول المتناوَل عن الحد الطبيعي بمعدل 300 جم يوميًّا يزيد من نسبة التعرُّض لأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 3.2%، ويزيد نسبة الوفاة المبكرة بنسبة 4.2%، وأن كل نصف بيضة يتم استهلاكها يوميًّا ترتبط باحتمالات زيادة نسبة التعرُّض لأمراض القلب بنحو 1.1%، والوفاة المبكرة بنسبة 1.93%.

ارتفاع الكوليسترول

من جهته، يقول "فيكتور دبليو تشونج" -أستاذ التغذية بكلية طب جامعة نورث ويسترن، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أن البالغين الأمريكيين الذين يتناولون البيض بكثرة يكونون أكثر عرضةً للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع معدلات الوفاة، وهذا الأمر يرتبط بارتفاع نسبة الكوليسترول في صفار البيض".

ويتم قياس مستويات الكوليسترول عادةً بالملليجرام (ملجم) من الكوليسترول لكل ديسيلتر من الدم، ويوصى بأن تكون نسبة الكوليسترول الكلي أقل من 200 ملجم/ ديسيلتر، وأن تكون نسبة الكوليسترول الضار أقل من 160 ملجم/ ديسيلتر، والجيد أكثر من 45 ملجم/ ديسيلتر عند الرجال وأكثر من 40 ملجم/ ديسيلتر لدى النساء. ويضيف "تشونج" أنه "يجب على الجميع تقليل استهلاك البيض، سواء البيض كاملًا (بصفاره وبياضه) أو "الصفار" فقط؛ إذ إن استهلاك البيض عامة، والصفار خاصة، مرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة المبكرة لكل المجموعات التي خضعت للدراسة، بغض النظر عن العمر والحالة العرقية، وحتى الذين يتبعون نظامًا غذائيًّا صحيًّا إلى حدٍّ ما، فإنَّ تناوُل البيض يرتبط لديهم بزيادة أمراض القلب والأوعية الدموية".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما اذا كانت نتائج الدراسة تنطبق على لاعبي كمال الأجسام الذين يعتمدون بشكل رئيسي على البيض مصدرًا للبروتين، يقول "تشونج": "إن نتائج الدراسة قد لا تكون قابلةً للتطبيق بشكل مباشر على لاعبي كمال الأجسام؛ لأن الغالبية العظمي من العينة التي خضعت للدراسة لم يكونوا لاعبي كمال أجسام، ما يعني أن هذا الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة".

لا غنى عنه

بدوره، يتفق "محمد المالكي" -رئيس وحدة المناعة بكلية طب جامعة الزقازيق- مع جزء كبير مما انتهت إليه نتائج الدراسة. ويقول "المالكي"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن صفار البيض يرتبط بارتفاع نسبة الكوليسترول، ولذلك لا يجب الإفراط في تناوله؛ لكن هذا لا يعني إطلاقًا الاستغناء عن البيض كمصدر مهم للبروتين أو تقليل تناوله بشكل كبير؛ فبالرغم من أن بيض الدجاج يحتوي بالفعل على نسبة عالية من الكوليسترول، إلا أن تأثيره على الكوليسترول في الدم أقل بكثير من الدهون المتحولة والمشبعة".

ولفت "المالكي" إلى وجود طرق للحد من نسبة الكوليسترول التي يحتوي عليها البيض، ومنها خلطه بزيت الزيتون؛ إذ يؤدي تناوُل زيت الزيتون إلى انخفاض نسبة الكوليسترول في الجسم، وفق قوله.

من جهته، يقول "عماد الدين فهمي"، استشاري التغذية العلاجية وعضو الجمعية الأوروبية للتغذية العلاجية: إن "البيض له فوائد وأضرار، ومن فوائده احتواؤه على نسبة عالية وفائقة الجودة من البروتين، كما أنه يحتوي على فيتامينات سهلة الذوبان في الدهون، ويحتوي على أحماض أمينية، ويعزز الجهاز المناعي في الجسم". ويضيف "فهمي"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "للبيض أيضًا أضرارًا ترتبط بالإفراط في تناوله، ما يؤدي إلى السمنة؛ لاحتوائه على سعرات حرارية عالية ودهون وكوليسترول، مما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين"، مشيرًا إلى أن "الإفراط في تناول البيض يؤدي في بعض الأحيان إلى تلف أنسجة الجسم والشرايين، خاصةً بالنسبة للمرضى الذين يعانون من ارتفاع نسبة الدهون في الجسم".

وتتفق تحذيرات الدراسة الأمريكية مع ما انتهى إليه باحثون صينيون في دراسة سابقة نشرتها "المجلة الطبية البريطانية" (BMJ). وتشير الدراسة الصينية، التي أُجريت على نصف مليون صيني من 10 مناطق شملها مسح في الفترة من 2004 إلى 2008، إلى أن "الاستهلاك اليومي المتزايد من البيض يؤدي إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالأزمات القلبية المميتة بنسبة 18%، وارتفاع نسبة الإصابة بالسكتات الدماغية بـ28%".