حذر مقال نشرته دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" من خطورة الصمت تجاه ظاهرة التحرش الجنسي والأشكال الأخرى للعنف القائم على نوع الجنس، والذي تتعرض له المرأة في الأوساط الأكاديمية.

شارك في كتابة المقال ثلاثٌ من الباحثات اللاتي سبق لهن العمل ضمن اللجنة التي أعدت تقريرًا حول هذه الظاهرة في الولايات المتحدة الأمريكية نشرته "الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب" في عام 2018، وهن كاثرين كلانسي –أستاذة علم الإنسان في جامعة إلينوي في إربانا-شامبين الأمريكية- وليليا كورتينا -الباحثة في قسم دراسات المرأة والجنس بجامعة ميشيجان- وآنا كيركلاند، أستاذة دراسات المرأة وإدارة الصحة والسياسات في كلية الصحة العامة بجامعة ميتشيجان.

تقول الباحثات إنه بالرغم من أن نتائج التقرير –الذي مر عليه أكثر من عامين- حظيت بدعم من مسؤولي المؤسسات الأكاديمية وقياداتها، إلا أن هؤلاء المسؤولين لم يتبنوا إستراتيجيات فاعلة في مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي داخل المؤسسات الجامعية.

تغيير جذري

ووفق المقال، فإن "الاعتماد المفرط على الحلول السريعة –من جانب المسؤولين- أدى إلى فشلهم في التعامل مع تاريخ طويل من الإقصاء في الأوساط والمؤسسات الأكاديمية، ما يستوجب العمل على وضع نظم تغيير جذرية وشُجاعة لمنع الاعتداء والإكراه الجنسي بين أعضاء هيئة التدريس والموظفين وطلاب التعليم العالي".

كما أورد المقال أن "من أهم المشكلات التي تقف عائقًا في مواجهة البحث عن حلول جذرية لتلك الظاهرة، التعامل غير الجاد مع بعض ملامح التحرش الجنسي، مثل التعليقات اللفظية والرسوم المتحركة والنكات والإيماءات، وكذلك التقليل من التعامل مع (الازدراء دون محتوى جنسي) باعتباره من مظاهر العنف القائم على نوع الجنس؛ ففي بعض الحالات تكون عمليات الإهانة مهينة جنسيًّا، وفي أحيان أخرى تكون مجرد ازدراء دون محتوى جنسي".

تقول "كلانسي": لسوء الحظ، تتبنى العديد من المؤسسات إصلاحات أو إجراءات سريعة لحماية نفسها من المسؤولية القانونية تجاه ما تشهده أروقتها من تحرش قائم على الجنس دون البحث عن سبل فاعلة لمكافحة الظاهرة وتجنُّب آثارها السلبية على المدى البعيد، خاصةً أن التحرش على أساس الجنس خادع؛ لأنه لا يمكن تمييزه دائمًا عن النقد أو الوقاحة. لكن تلك الإهانات تدفع النساء إلى الشك في أنفسهن بمرور الوقت، وبالتالي ترك العمل.

تدريب مباشر

من جهتها، تقول "كورتينا": الاعتماد على برامج سريعة لمكافحة التحرش من الأمور الخطأ التي يفعلها مسؤولو المؤسسات الأكاديمية؛ إذ يلجأون إلى إجراء برامج تدريب سريعة عبر الإنترنت لمكافحة التحرش، بدلًا من إخضاع هيئات التدريس لبرامج تدريب مباشرة يشاركون فيها مشاركةً تفاعلية لمكافحة هذه الظاهرة بجميع أشكالها.

وردًّا على سؤال "للعلم" حول مدى إمكانية تعميم تلك التوصيات على "المجتمعات الشرقية والعربية"، تشدد "كورتينا" على أن "المقال اعتمد على تقرير اقتصر على تناول الحالة الأمريكية، وبالتالي ينبغي مراعاة التباينات الثقافية بين مجتمع وآخر".

تقول "كلانسي": القادة الشجعان يتعاملون مباشرةً مع أعضاء هيئة التدريس أو الموظفين الذين يعانون من مشكلات، بدلًا من الاكتفاء برفع تقارير رسمية حول تلك المشكلات.

وتضيف أن الاكتفاء برفع التقارير من غير المرجح أن يؤدي إلى نتيجة، إنهم بحاجة إلى إجراء محادثات مبكرة حول وقائع التحرش الجنسي، وحتى لو كان الآخرون غير مستعدين للتغيير، يجب على القادة التفكير في العواقب التي تنجم عن تقاعسهم عن أداء دورهم المنوط بهم لمكافحة التحرش الجنسي، من خلال اتخاذ قرارات مثل حجب الامتيازات عن أعضاء هيئات التدريس الذين يتسمون بالوقاحة بلا هوادة، وعدم تعيينهم في اللجان الخاصة بتعيين الأعضاء الجدد في هيئات التدريس، وتغيير هياكل الحوافز، والاعتزاز بالمبلغين الشجعان عن حالات التحرش الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس.

تشجيع الضحايا على الإبلاغ

من جهته، يؤكد حسام الوسيمي -خبير علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وهو جهة مصرية حكومية- أنه من المهم تشجيع ضحايا التحرش للإبلاغ عما قد يتعرضون له، بما لا يخل بنزاهة التحقيق، بحيث لا تتحول "بلاغات التحرش" إلى بلاغات كيدية.

يقول "الوسيمي" في تصريحات لـ"للعلم": يجب ضمان سرية البيانات الخاصة بالضحايا، سواء عند تقديم البلاغ أو في أثناء التحقيق في الشكاوى، وعدم كتابة اسم الضحية صراحةً، بحيث يكون اسمها معروفًا لجهات التحقيق فقط، وأن تراعي جهات التحقيق الحالة النفسية والعصبية لمقدمي البلاغ؛ من أجل ضمان نزاهة التحقيق وحياديته، خاصةً أن الاضطرابات النفسية والعصبية قد تؤدي إلى إصابة البعض بنوع من الهلوسة، وبالتالي اختلاق قصص غير حقيقة.

ويشدد "الوسيمي" على أهمية إنشاء وحدات خاصة داخل كل جامعة؛ بهدف مكافحة التحرش الجنسي، مع السماح بتنوع طرق تقديم البلاغات، بدايةً من الاستعانة بالفاكس وانتهاءً بالرسائل الإلكترونية، مشددًا على أنه يجب إخضاع ضحايا التحرش الجنسي لجلسات تأهيل نفسي من أجل  تجنُّب تعرُّضهن لأي آثار سلبية في المستقبل، ومطالبًا بأن تؤدي وسائل الإعلام دورها التوعوي في مكافحة التحرش الجنسي، وأن تتجنب التغطيات الإعلامية تلك الصورة الذهنية الثابتة التي تتعجل إلقاء اللوم على الضحية بسبب مظهرها أو ملبسها.

تأثيرات ممتدة

ووفق تقرير "الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب" في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تم فيه استطلاع آراء 11023 شخصًا، فقد أفاد حوالي 50% من أعضاء هيئة التدريس والموظفات –اللاتي تم استطلاع آرائهن- أنهن تعرضن للتحرش، كما تُظهر استطلاعات رأي الطلاب معدلاتٍ عاليةً مماثلة بشكل مقلق، وخاصةً بين الطالبات.

ويشير التقرير إلى أن "التحرش الجنسي المستمر في مجالات العلوم الأكاديمية والهندسة والطب له آثاره السلبية على تقلُّد المرأة للوظائف في تلك المجالات، ويهدد أي عمليات للتقدم باتجاه سد الفجوة بين الجنسين في هذه المجالات".

ويضيف أن "العنف القائم على نوع الجنس يقوِّض التحصيل المهني والتعليمي للمرأة، ويؤثر سلبًا على صحة المرأة العقلية والجسدية، ويجبر النساء على التنحي عن فرص القيادة لتجنُّب وقوعهن ضحايا للتحرش الجنسي، وقد يجبرهن على ترك وظائفهن، ويقوِّض القيم الأساسية لنزاهة البحث، كما أن التأثير التراكمي للتحرش الجنسي يؤدي إلى ضرر كبير في نزاهة البحث، وإلى خسارة باهظة في المواهب في مجالات العلوم الأكاديمية والهندسة والطب".

وفي السياق، يحذر تقرير أعدته "الجمعية الأمريكية للنساء الجامعيات" -وهي منظمة أمريكية غير ربحية- من أن التعرض للتحرش الجنسي في المدارس المتوسطة والثانوية، والذي بات جزءًا مؤسفًا من المناخ في المدارس المتوسطة والثانوية في الولايات المتحدة، تكون له آثارٌ سلبية على مستقبل الأداء الأكاديمي للطلاب، مشيرًا إلى أن "48% من الطلاب الذين شملهم الاستطلاع –البالغ عددهم 1965 تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و12 عامًا- تعرضوا لشكل من أشكال التحرش الجنسي في العام الدراسي 2010-2011، وأن 87% منهم ذكروا أن ذلك كان له تأثير سلبي عليهم، سواء كان تعليقات أو نكات أو إيماءات جنسية غير مرحب بها، وأن 30% من الطلاب تعرضوا للتحرش الجنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي".