بين مطرقة آلام "السرطان" وسندان "الخوف من المجهول"، قد يصبح قرار "الانتحار" هاجسًا ملحًّا وشديد الخطورة بالنسبة لمرضى السرطان خلال العام الأول من تشخيص المرض.

وأشارت دراسة نشرتها دورية "كانسر" (Cancer)، اليوم "الإثنين" 7 يناير، إلى أن خطر الانتحار يزداد بشكل كبير في السنة الأولى بعدتشخيص السرطان، وتتوقف قوة هذه المخاطر على نوع السرطان الذي يعاني منها الشخص.

يقول أحمد الفار -الباحث بقسم العيون في كلية الطب بجامعة برلين الألمانية، وأحد المشاركين في الدراسة، التي ضمت باحثين مصريين من جامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة اقتصرت على الولايات المتحدة الأمريكية، واستهدفت تقييم خطر الانتحار خلال السنة الأولى بعد تشخيص السرطان، لتحديد ما إذا كان معدل الانتحار لدى مرضى السرطان أكبر من معدل حدوثه بالنسبة لباقي السكان، وتحديد ما إذا كانت هناك علاقة بين الانتحار ومعرفة الشخص بإصابته بالمرض".

ويضيف "الفار": أخذنا بعين الاعتبار نوع السرطان المُصاب به الشخص، وكذلك العوامل الأخرى المُسببة للانتحار مثل جنس الشخص وعمره؛ إذ يأتي الانتحار في المرتبة العاشرة ضمن قائمة أسباب الوفاة في الولايات المتحدة، ولاحظنا ارتفاع نسبة المنتحرين بين المرضى المصابين بالسرطان مقارنةً بباقي السكان خلال العام الأول من تشخيص المرض.

اعتمد الفريق البحثي على المعلومات الموجودة في برنامج “SEER”، وهو برنامج أمريكي يستهدف جمع كافة المعلومات والإحصائيات التي تتعلق بمرض السرطان في محاولة للحد من الإصابة به في الولايات المتحدة، وتم رصد الحالات الخاصة بالفترة من عام 2000 وحتى 2014، وهي نسبة تُقدر بحوالي 28% من مرضى السرطان بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم رصد الحالات وتتبُّع حالات "الوفاة بسبب الانتحار"في غضون عام بعد تشخيص السرطان.

من جهته، يقول "أنس سعد"، الباحث في مجال الأورام السريرية بجامعة عين شمس، وأحد المشاركين الرئيسيين في الدراسة:"إن هذه الأطروحة هي الأوسع نطاقًا لتقييم مخاطر الاتجاهات الحديثة الخاصة بالانتحار، والتي بدأت تكتسب أرضيةً يومًا بعد يوم بين أفراد الشعب الأمريكي".

ويضيف "سعد" -وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة- أن "الفريق البحثي عمل على تقليل مخاطر التحيز في الاختيار في أثناء فحص بيانات المرضى المسجلين في هذا البرنامج؛ إذ أخذوا بعين الاعتبار بعض المتغيرات الأخرى، مثل عمرالشخص لدى علمه بإصابته بالسرطان، وكذلك جنسه وعرقه، وحالته الاجتماعية، والمرحلة التي وصل إليها المرض".

بلغ عدد مصابي السرطان الذين تم فحص بياناتهم 4 ملايين و671 ألفًا و989 مريضًا، توفي منهم 1.005.825 شخصًا في غضون السنة الأولى بعد تشخيص السرطان. وكان الانتحار سببًا في وفاة 1585 من هؤلاء المرضى، بنسبة بلغت حوالي 0.16%.

وأظهرت الدارسة أن معظم المرضى الذين أقدموا على الانتحار كانوا من الذكور(87%)، وكان البيض أكثر انتحارًا من الأجناس الأخرى(90.2%)، بينما كانت الشريحة العمرية الأكثر إقبالًا على الانتحار ما بين 65 إلى 84 سنة عندما تم تشخيص إصابتهم بالسرطان، بنسبة بلغت 58%. في حين كان هناك مريض واحد أقل من 18 عامًا ضمن أفراد هذه العينة انتحر عقب تشخيص مرضه.

وقد سجلت معدلات خطورة الإقبال على الانتحار عند مرضى السرطان معدلات أعلى بنسبة تصل لمرتين ونصف بالمقارنة بسائر السكان.

وتُعَد الشهور الأولى لمعرفة المرضى بإصابتهم بالمرض الأكثر خطورةً من حيث الانتحار؛ إذ انتحر 1062 مريضًا من أفراد العينة في غضون الأشهر الستة الأولى -بصفة خاصة الشهر الثاني- في حين كان معدل الانتحار أقل في الشهور الستة التالية، على حد تعبير "الفار".

يضيف "الفار" أن "مخاطر الإقبال على الانتحار زادت إلى 5.63 أضعاف بين المرضى الذين يعانون من ارتداد المرض، مقارنةً بباقي السكان العاديين الذين قد يفكرون في وضع نهاية لحياتهم، كما وجدنا أن أعلى الزيادات في معدلات الانتحار كانت من نصيب المصابين بسرطان البنكرياس وسرطان الرئة، كما سجل المرضى المطلقون ارتفاعًا في معدلات الانتحار، مقارنةً بالمرضى المتزوجين أو المنفردين أو الأرامل".

ويوصي الباحثون بـ"ضرورة وضع برامج لضمان تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي لمرضى السرطان في الفترات الأولى من معرفة إصابتهم بالمرض، وتوعية المرضى بأن إصابتهم بالسرطان لا تعني وفاتهم بالضرورة".