حذرت دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 7 أغسطس، من أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات بسبب ظاهرة الاحترار العالمي والتغيرات الغذائية الناجمة عن الإفراط في صيد الأسماك، يؤديان إلى زيادة نسبة ميثيل الزئبق السام في المأكولات البحرية، مثل أسماك القد، والتونة زرقاء الزعانف الأطلسية، وسمك أبو سيف.

ووفق البيان الصحفي الذي تلقت مجلة "للعلم" نسخة منه، فقد طور باحثون من جامعة "هارفارد" الأمريكية نموذجًا فريدًا من نوعه يحاكي كيفية تأثير العوامل البيئية (بما في ذلك ارتفاع درجات حرارة مياه البحر والصيد الجائر) على مستويات ميثيل الزئبق في الأسماك.

ووجد الباحثون أنه في حين نجح تنظيم انبعاثات الزئبق في خفض مستويات ميثيل الزئبق في الأسماك، فإن درجات الحرارة المرتفعة تدفع هذه المستويات نحو الزيادة، كما يتوقع أن تؤدي دورًا رئيسيًّا في رفع مستويات ميثيل الزئبق في الحياة البحرية في المستقبل.

وتنجم إطلاقات الزئبق في البيئة بصورة أساسية عن النشاط البشري، خصوصًا من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم، ونظم التدفئة السكنية، ومحارق النفايات، ونتيجةً لتعدين الزئبق والذهب ومعادن أخرى. وبمجرد وجوده في البيئة، يتحول عنصرالزئبق بشكل طبيعي إلى ميثيل الزئبق، الذي يتراكم بيولوجيًّا في الأسماك والمحار، وله آثارسامة على الجهاز العصبي.

ووفق الدراسة فإن اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق -وهي معاهدة عالمية لحماية صحة الإنسان والبيئة من الانبعاثات البشرية ومن مركبات الزئبق- أغفلت الكيفية التي يمكن بها للتغيرات المستمرة في النظم الإيكولوجية البحرية أن تؤثر على تراكم الزئبق في الأسماك التي يستهلكها البشر. 

تقول "أمينة سخارتوب" -من جامعة هارفارد، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة الحالية تمثل تقدمًا كبيرًا في الأبحاث الرامية إلى فهم كيفية وسبب تراكُم ميثيل الزئبق في الحيوانات المفترسة في المحيطات، مثل سمك التونة وسمك أبو سيف، كما أن القدرة على التنبؤ بمستقبل مستويات الزئبق في الأسماك تُعَد نتيجةً مهمةً للباحثين المهتمين بدراسات الزئبق".

وتضيف "سخارتوب" أن "درجات الحرارة المرتفعة في مياه البحر تؤدي إلى زيادة مستويات نشاط الأسماك ذوات الدم البارد التي تستهلك بعد ذلك مزيدًا من الطعام، وبالتالي تؤدي إلى زيادة امتصاص ميثيل الزئبق، وفي بعض الحالات قد يؤدي الإفراط في صيد الأسماك إلى زيادة مستويات ميثيل الزئبق. فعلى سبيل المثال، إذا كانت السمكة المفترسة تستهلك فريسةً لديها مستويات منخفضة من الزئبق، وواجهت هذه الفريسة ظروفًا أدت إلى قلة عددها، فإن الأسماك تلجأ إلى فريسةٍ أخرى لديها مستويات أعلى في ميثيل الزئبق، ما يؤدي إلى زيادة نسب ميثيل الزئبق في السمكة المفترسة، وبالتالي زيادة نسبة هذا المركَّب السام لدى مستهلكي الأسماك".

قام الباحثون بجمع وتحليل بيانات النظام البيئي في "خليج ماين" على سواحل أمريكا الشمالية على مدار 30 عامًا في الفترة من سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 2000، وتضمَّن ذلك إجراء تحليل شامل لمحتويات معدة اثنين من الحيوانات البحرية المفترسة: سمك القد الأطلسي، وسمك كلب البحر الشوكي.

ورغم أنهما يعيشان في النظام البيئي نفسه ويحتلان مكانًا مماثلًا في شبكة الغذاء، وجد الباحثون أن مستويات ميثيل الزئبق في سمك القد كانت أقل بنسبة تتراوح بين 6 و20% في عام 1970 مما كانت عليه في عام 2000، في حين بلغ مستوى ميثيل الزئبق في سمك كلب البحر الشوكي ما بين 33 إلى 61% في عام 1970 مقارنةًبعام 2000. 

تفسر الدراسة هذا التفاوت في نسب ميثيل الزئبق في سمك القد وسمك كلب البحر الشوكي، باختلاف نظامهما الغذائي. ففي سبعينيات القرن الماضي، تعرَّض "خليج ماين" لخسارة هائلة في أعداد أسماك الرنجة بسبب الصيد الجائر، وهي الأسماك التي يتغذى عليها كلٌّ من سمك القد وسمك كلب البحر.

ومع تناقص أعداد الرنجة في الخليج، بدأ كلا النوعين في البحث عن بدائل غذائية أخرى، فأكل سمك القد السردين الذي يحتوي على نسبة منخفضة من ميثيل الزئبق. في حين استبدل سمك كلب البحر الشوكي بـ"الرنجة" كائناتٍ بحريةً من رأسيات الأرجل مثل "الحبار"، وهي كائنات تنخفض لديها نسبة ميثيل الزئبق. وعندما عادت تجمعات الرنجة للتكاثر مرةًأخرى في الخليج في عام 2000، عادت أسماك القد إلى نظامها الغذائي الأعلى في معدلات ميثيل الزئبق (الرنجة)، في حين أبقت أسماك كلب البحر شوكي على نظامها الغذائي الجديد الذي يحتوي على نسبة أقل من ميثيل الزئبق.

واستنادًا إلى النموذج الذي وضعه الفريق البحثي، يتوقع الباحثون أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة مياه البحر بمقدار درجة مئوية واحدة مقارنةً بعام 2000 إلى زيادةٍ نسبتُها 32% في مستويات ميثيل الزئبق في سمك القد، وزيادة بنسبة 70% في كلب البحر الشوكي. كما يتوقع الباحثون زيادةً قدرها 56% في مستويات ميثيل الزئبق في أسماك التونة زرقاء الزعانف.