"أحترم نقاءها. إخلاصها لغريزة البقاء الذي لا يشوبه شيءٌ من الضمير أو الندم أو أوهام الفضيلة".

الضابط آش (إيان هولم) متحدثًا عن الزينومورف - فيلم "إيليين" (1979)

ربما كان لفيلم "إيليين" Alien أن يمر دون كثير ملاحظة وسط موجة أفلام السبعينيات والثمانينيات التي مزجت الخيال العلمي بالرعب، لولا ذلك المشهد الذي جعل من الفيلم علامةً حفرت موقعها للأبد في كوابيس المشاهدين وأحلام صناع السينما. في الفصل الأول من الفيلم يعود "كين" مع زملائه إلى سفينة الفضاء "نوسترومو"، بعد مهمة استكشاف لقمر قريب التُقط منه بث استدعى الانتباه. لكن "كين" يعود -حرفيًّا- بوجهٍ غير الذي ذهب به، ففوق لحم وجهه استقر كائن غريب تشبَّث فيه بأطرافه العظمية العديدة بإحكام لا يلين، بينما لفَّ ذيله متمكنًا من العنق، لكنه لم يخنق الضحية ولم يقطع عنها إمداد الهواء، بل ظل جسد "كين" يعمل بكفاءة تامة تحت قبضة هذا القناع الحي، حتى أفلته بعد حين سالمًا. ويجلس "كين" إلى وليمة احتفالية مع زملائه لكن وجهه يتقلص فجأةً خلال هذا "العشاء الأخير"، ثم يبدأ جسده في اختبار آلام لا تصدق، ويلجمنا الذهول والذعر ونحن نرى الدماء تتفجر من صدره، بينما يندفع رأس "الزينومورف" -القاتل الآتي من ظلمات الفضاء- من بين عظام الصدر ولحمه ودمه، معلنًا عن ولادة الرعب الجديد الذي سيطارد طاقم هذه السفينة، ويطارد خيال البشر منذ عام 1979 إلى الآن.

وهكذا وضع المخرج ريدلي سكوت والكاتب دان أوبانون ومصمم المؤثرات هانز رودلف جيجر رهانهم بشأن مصير الفيلم –وربما مصيرهم في العمل السينمائي كذلك- على هذا المشهد بالذات، بكل ما يحتويه من صدمة هائلة للمُشاهد، وإعلان صريح عن نيتهم في تبنِّي عنوان الفيلم إلى الدرجة القصوى، وتقديم جرعة غير مسبوقة من الغرابة والبشاعة. وهو الرهان الذي كان رابحًا بلا شك، رغم أن ما ألهم كل تلك الغرابة الفضائية كان في الحقيقة أرضيًّا ومُعتادًا تمامًا!

غرباء من كوكب الأرض

إذا ذُكرت الدبابير، فسيستحضر أغلب البشر صورةً ذهنيةً لحشرات صفراء وسوداء تشبه النحل وتفوقها حجمًا، تبني أعشاشًا كبيرة، وتهاجم بضراوة بلدغات مؤلمة. قد تنطبق هذه الأوصاف بالفعل على القليل من أنواع الدبابير، لكن أكثرها -وأعداد أنواع الدبابير تفوق القدرة على الحصر- لا يشبه هذه الصورة النمطية على الإطلاق. فمعظم الأنواع تحيا حياةً منفردةً شبه طفيلية parasitoid، وهو المصطلح الذي يُطلق على الكائنات التي تمارس نمط حياة لا يمكن توصيفه تمامًا بالتطفل ولا بالافتراس، وإنما هو منزلة بين المنزلتين.

ففي الافتراس يقتل المفترس فريسته في لحظاتٍ معدودة ليتغذى على لحمها في الحال، وفي التطفل يستغل الطفيلي عائلَهُ -لوقت أطول- للحصول على الغذاء أو المأوى أو كليهما (ولهذا لا يقتل العائل في الأغلب). أما نمط الحياة شبه الطفيلي -الذي تمارسه أنواعٌ بلا عدد من الدبابير- فينفرد بأقسى ما في التطفل وأعنف ما في الافتراس، وهو الذي كان المُلهم الحقيقي لصناع فيلم "إيليين".

في الطبيعة -هنا على كوكبنا- تبحث أنثى الدبور عن ضحيتها المُختارة بعناية، ثم تحقن جسدها بالبيض مستخدمةً مسرأها الحاد (المسرأ: عضو وضع البيض عند الحشرات)، ثم تخرج يرقة الدبور داخل جسد المُضيف، وتلتهم أحشاءه حتى تشق طريقها في النهاية لاختراق جلد الضحية المحتضرة إلى الخارج، بطريقة مماثلة تمامًا للمشهد السينمائي الكابوسي. لكن هذا ليس كل شيء، فأعداد أنواع الدبابير المتطفلة، وتخصُّص كل نوع منها في مهاجمة حشرة بعينها -وأحيانًا يتخصص أكثر من نوع من الدبابير في استهداف النوع نفسه من الحشرة لكن في أطوار مختلفة من دورة حياتها!- كانت دافعًا لتنوُّع مذهل في آليات استهداف -واستغلال- الضحايا.

 صنائع الدبابير

وهكذا نرى بعض أنواع الدبابير تتخصص في استهداف مفترسات أخرى في ضراوة العناكب. تهاجم أنثى الدبور واحدًا من العناكب الغازلة وتلدغه لتصيبه بشلل مؤقت، ثم تضع على بطنه بيضتها التي تخرج منها يرقة الدبور لتلتصق ببطن العنكبوت وتمتص عصارات جسمه وتنمو بينما يضمر العنكبوت شيئًا فشيئًا، لكنه يستمر في ممارسة نشاطه الطبيعي واصطياد الحشرات لأسبوع أو أسبوعين، حتى تبدأ يرقة الدبور في الاستعداد للتحول إلى خادرة pupa (حشرة في الطور الانتقالي) فتحقن العنكبوت بعصارة كيميائية تؤثر على جهازه العصبي، أو –للدقة- تسلب إرادته، فيبدأ العنكبوت في التخلي عن أنماطه المعتادة في غزل الشباك، ويبدأ في تسخير إمكانياته لنسج شبكة مختلفة تمامًا ليست مصممةً للإمساك بالحشرات، بل لتدعيم شرنقة خادرة الدبور وحمايتها من الظروف الجوية! وينتهي العنكبوت من بنائه ثم يبقى بلا حراك في مركز شبكته الجديدة، منتظرًا أن تأتي إليه الخادرة لتحقنه بسمها وتقتله أخيرًا، وتمتص آخر ما تبقى من أحشائه ودمه كعشاء دسم قبل خلودها للنوم في شرنقتها.

وقد تتخصص بعض أنواع الدبابير في مهاجمة فرائس أكثر خطورةً حتى من العناكب مثل يرقات أُسود النمل antlion التي تشتهر بفكوكها العملاقة وشراهتها اللافتة لافتراس النمل وغيره من الحشرات مستخدمةً الخداع والمفاجأة. لكن عندما يكون الدبور هو الطرف الآخر ينقلب السحر تمامًا على الساحر: يقترب الدبور من يرقة أسد النمل ويغريها بالهجوم عليه واقتناصه بين فكيها، لكن الدبور يتصدى للعضة الخاطفة، ويُباعد بين الفكين الكبيرين باستخدام أرجله القوية، قبل أن يحقن بيضته في غشاء حلق اليرقة الذي أصبح الآن مكشوفًا أمامه!

ثلاث يرقات لدبور لاتينا روجوسا، تتطفل على يرقة نملة! credit:CC BY 3.0

غير أنه من الدبابير المتطفلة ما هو أكثر حذرًا وأوسع حيلة، مثل تلك العائلة المتخصصة في التطفل على النمل. لا تلجأ دبابير هذه العائلة إلى المواجهات المباشرة مع ضحاياها، بل تضع الإناث بيضها على فروع النباتات القريبة من مستعمرات النمل، ثم تخرج منها اليرقات الصغيرة (طولها حوالي 0.13 ملليمتر فقط!) وتبدأ في البحث عن نملة عائدة إلى المستعمرة فتلتصق بها وتتسلل إلى قلب المستعمرة حيث يحتفظ النمل بيرقاته تحت حماية مشددة (أو هكذا يظن على الأقل)، ثم تبدأ يرقة الدبور في الالتصاق بيرقة نمل مع استعمال باقة كيميائية خاصة لإيهام سكان المستعمرة بأنها ليست سوى نملة تستحق حمايتهم ورعايتهم! ويستمر مفعول هذه التعويذة حتى تصير اليرقة دبورًا بالغًا يخرج من قلعة النمل سالمًا غانمًا، ليبدأ دورة حياة جديدة حافلة بالخداع والاستغلال.

ولا نهاية لألاعيب الدبابير، فمن دبور أتقن الغطس ليحقن بيضه في خادرات لحشرات في أثناء سباتها تحت سطح الماء، إلى آخر يحقن الصراصير -التي تبلغ أضعاف حجمه- بسم عصبي يجعل منها عبيدًا تُساق من قرون استشعارها -كالماشية المُطيعة- إلى عرين السيد الجديد، لتصبح إفطارًا فخمًا وطازجًا لولي العهد.(طالع هذا الفيديو)

بالمقارنة بتلك الحيل العجيبة والمخيفة، سيبدو الزينومورف -المفترس الفضائي من فيلم "إيليين"- في مستوى دبور محدود الموهبة والقدرات، لولا أن البشر يعرفون القليل جدًّا عن الدبابير. ربما يرجع ذلك إلى ضآلة أحجام معظم أنواعها (هناك نوع من الدبابير المتطفلة لا يكاد حجمه يتجاوز الأميبا!)، لكن ربما يرجع أيضًا إلى شناعة أساليب حياتها التي لا يرغب الكثير من البشر في معرفة أي شيء عنها! ولعل هذا كله كان السبب في تأخُّر لقاء العلم البشري مع دبور تجاوز كل الحدود، حتى بمنطق الدبابير المتطفلة.

مَن يحرس الحَرَس؟

يقول الشاعر الروماني جوفينال في إحدى مسرحياته: "ولكن، مَن يحرس الحَرَس؟"، وهي عبارة جديرة حقًّا بالكثير من التأمل الفلسفي. لكننا نستطيع أيضًا أن نتأملها في ضوء ما يؤكده الدكتور "أندرو فوربس" -المتخصص في دراسة الدبابير المتطفلة- من أن الدبابير قد نجحت في التطفل على كل أنواع الحشرات تقريبًا، فنتساءل: مَن يتطفل على الدبابير المتطفلة؟!

وهو السؤال الذي سبق العلمُ فيه الخيالَ مؤخرًا إلى الإجابة، حين أعلن علماءٌ عن اكتشاف دبور أطلقوا عليه لقبًا رهيبًا يليق به، هو "حارس القبو" Crypt-Keeper Wasp، يمارس التطفل على سبعة أنواع من الدبابير المتطفلة من خمسة أجناس مختلفة! هناك عائلة من الدبابير تُعرف بالآبرات (أو دبابير العفص Gall Wasps)، تتطفل على النباتات وتحقن بيوضها في سيقانها وفروعها، وتتلاعب بالنبات ليكوِّن عُقَدًا (أو حُويصلات) غير طبيعية في مواضع الحقن تنمو داخلها اليرقات، وتتغذى على الأنسجة النباتية داخل الحويصلات حتى تشق طريقها إلى الخارج. أو على الأقل تكون هذه هي الخطة قبل أن يأتي "حارس القبو" ليضع بيضته داخل الحويصلة، وتخرج منها يرقته لتبدأ على الفور في مهاجمة يرقة دبور العفص، لكنها لا تقتلها سريعًا، بل تسمح لها بالنمو حتى تبدأ في شق فتحة صغيرة في الحويصلة تكفي لبروز الرأس، لكنها لا تسمح مطلقًا بأي شيء أبعد من ذلك!

وهكذا تخرج رأس دبور العفص من تلك الفتحة الضيقة في الحويصلة التي لا تسمح بمرور بقية الجسد، وليمة الدبور حارس القبو النابضة بالحياة، التي ينهشها عضوًا عضوًا حتى يصل إلى الرأس الذي لا يصبح الآن أكثر من سدادة للحويصلة (وقد كان يومًا مليئًا بالناقلات العصبية الفعالة وبخطط الاستعمار المستقبلية)، فيخرج منه مستدعيًا المشهد الأيقوني من فيلم "إيليين" (ويتجاوزه بالطبع إلى حبكة جديدة تمامًا، ربما يستطيع ريدلي سكوت اللعب عليها في فيلم جديد يضع العدو القديم المألوف في مواجهة شرٍّ جديد أعظم، على غرار ما حدث في أفلام مثل جوراسيك وورلد ودكتور سليب)، ومستحقًّا لاسمه العلمي Euderus set المستوحَى من اسم "سِت" إله الشر والظلام عند المصريين القدماء. (طالع هذا الفيديو)

وهكذا لا يقتصر إلهام الخيال على الفنون، وإنما تتجسد روح الأسطورة في محاريب العلم أيضًا، ومن شرانق العلوم قد يطل الخيال بدوره ليحلق في آفاق الأبد. ربما كان من المصادفة أن هـ.ر. جيجر (الرسام السريالي السويسري، ومصمم المخلوق الفضائي لفيلم "إيليين" الأصلي) كان -مثل مكتشفي الدبور حارس القبو- شديد التأثر بالفن المصري القديم، ولهذا أتت الكثير من ملامح جسد الزينومورف من هياكل المومياوات بعظامها البارزة وجلودها السوداء. لكن المؤكد أن جيجر تحدث عن فلسفته في التصميم، وعن رغبته في "أن يكون الوحش أخَّاذ الجمال"، وهو ما استوحاه أيضًا -ولا بد- مما كشفته لنا عيون العلم من الجمال الباهر والألوان البراقة لأجساد الدبابير التي عاشت بيننا وقبلنا -وربما بعدنا- على الأرض بطرقٍ أغرب من الخيال في أقصى جموحه، ومكرٍ تتضاءل بجانبه كل إبداعات صناع الكوابيس.