مع انتشار جائحة كورونا، كانت أهم النصائح التي دعت إليها منظمة الصحة العالمية هي الاعتناء بالنظافة الشخصية وغسل الأيدي باستمرار. المطلب الذي قد يصبح صعب المنال للكثيرين في المستقبل القريب، وفق أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة بشأن المياه. تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية في العالم "المياه وتغير المناخ"، الصادر في 22 مارس 2020، كشف أن التغير المناخي سيؤثر على إمكانية توافر المياه اللازمة للاحتياجات البشرية الأساسية، ما سيترتب عليه تقويض حقوق المليارات من البشر في التمتع بمياه شرب نظيفة وخدمات صرف صحي. إذ يحذر التقرير من أن يفقد 52٪ من سكان العالم، بحلول عام 2050، فرص الحصول على حقهم في مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي، من جَرَّاء تأثير التغيُّر المناخي على موارد المياه؛ مشددًا على الارتباط الوثيق بينهما.

تعطيل التنمية المستدامة

زاد استهلاك المياه عالميًّا، خلال المئة عام الماضية، بمقدار ستة أضعاف، وما زال ينمو باطراد بمعدل 1٪ سنويًّا، بفعل تزايُد السكان، والتنمية الاقتصادية، وتغيُّر أنماط الاستهلاك. وتشير التقديرات إلى أن التغير المناخي -خاصةً الأحداث المناخية المتطرفة، مثل هبوب العواصف ووقوع الفيضانات والجفاف- سوف يؤدي إلى تفاقُم الوضع في البلدان التي تعاني بالفعل من "الإجهاد المائي"، وستولد مشكلات مماثلة في مناطق جديدة. 

تعرَّض 41 بلدًا لمخاطر الإجهاد المائي في عام 2011، وتقترب عشرة منها على استنفاد إمداداتها من المياه العذبة المتجددة بشكل كامل. وتفاقُم زيادة الجفاف وتسارُع وتيرة التصحر من خطورة الأوضاع، إذ من المتوقع أن يتأثر واحد من كل أربعة من سكان العالم على الأقل بنقص المياه المتكرر بحلول عام 2050.

وتتأثر جودة المياه مع ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض نسبة الأكسجين الذائب فيها، وهو ما يسفر عن انخفاض قدرة التطهير الذاتي لكتل المياه العذبة. وتتزايد أيضًا مخاطر تلوث المياه، والتلوث المسبب للأمراض الناجمة عن الفيضانات، أو ارتفاع تركيز الملوثات في أثناء فترات الجفاف، إذ يُتوقع أن يتسبب التغير المناخي في حدوث تحولات في الوفرة الموسمية للمياه على مدار السنة في عدة أماكن. يوضح ريتشارد كونر -رئيس تحرير التقرير- أنه رغم الاهتمام العالمي بإجراءات التكيف مع مخاطر تغيرات المناخ وتأثيراتها، فإن موارد المياه تعاني ضعفًا شديدًا في الإنفاق على إجراءات التخفيف من هذه الآثار وإيجاد البدائل المناسبة للتعامل مع مسببات تغيُّر المناخ.

ويتوقع التقرير أن يؤدي التدهور في موارد المياه إلى إعاقة تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة لعام 2030. ويشدد هذا الهدف على ضرورة ضمان الحصول على مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي للجميع في خلال عشر سنوات. إذ يبلغ عدد الأشخاص الذين لا يحصلون حاليًّا على مياه الشرب حوالي 2.2 مليار شخص، بالإضافة إلى قرابة 4.2 مليارات شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي، أي ما يقدر بـ55٪ من سكان العالم. 

"زاد تمويل مشروعات التكيف مع تغيُّر المناخ في السنوات الأخيرة من 360 مليار دولار أمريكي في عام 2012 إلى ما يقدر بحوالي 510 مليارات إلى 530 مليار دولار في 2017. لكن من بين 455 مليار دولار تم استثمارها في عام 2016، ذهب 11 مليار دولار فقط لإدارة المياه والصرف الصحي"، كما يقول "كونر" في تصريح لـ"للعلم". 

وأضاف أن تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة سيكون أمرًا صعبًا للغاية في حال لم يزد الإنفاق على مشروعات إدارة المياه عالميًّا بمقدار ثلاثة أضعاف الإنفاق الحالي ليصل إلى 114 مليار دولار في السنة، مشددًا على أن هذا الإنفاق لابد وأن يشمل: "مشروعات البنية التحتية اللازمة لتنقية المياه، وتقنيات حصاد الضباب وتحويله إلى مياه، بالإضافة إلى حماية المناطق الرطبة، وهي من أهم الأمور التي يشدد عليها التقرير".

تأثيرات مروعة

ستتأثر إمدادات المياه في كثير من دول العالم بسبب تغيُّر المناخ، وسيظهر التأثير بشكل أكبر في المناطق الاستوائية والجافة حيث البلدان النامية، مع تأثيرات محتملة يصفها التقرير بالـ"مروعة" على الدول الجزرية الصغيرة، "التي يحتمل أن تختفي من خريطة العالم"، كما ستتأثر أحواض الأنهار، مثل حوض النيل في أفريقيا، ودجلة والفرات في العراق.

قسم التقرير العالم إلى مناطق وفق درجات الوفرة والإجهاد، ومن بينها المنطقة العربية التي جاءت ضمن تصنيفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة الأردن، الذي جاء ضمن أكثر الدول تأثرًا بالإجهاد المائي في العالم، بالإضافة إلى كونها إحدى أكثر التجارب نجاحًا في إدارة موارده -الشحيحة- من المياه، بالإضافة إلى موريتانيا وتونس، وهي الدول التي دمجت التحديات المناخية المتعلقة بالمياه في خططها التنموية. وتشكل الصحاري ما يزيد على 80% من مساحة الوطن العربي، ولا يتعدى متوسط إجمالي كميات المياه الساقطة سنويًّا على تلك المناطق 200 مم، ما يضعها ضمن أكثر أقاليم العالم جفافًا.

ويأتي المناخ بوصفه أحد العوامل المؤثرة في انعدام الأمن المائي في معظم دول الإقليم، خاصةً أن جزءًا كبيرًا من أمطاره تصنف على أنها رعدية، تتركز في عدد محدود من أيام السنة، الأمر الذي يضيف صعوبات وتحديات لإمكانية التنبؤ بها ومن ثم الاستفادة منها، وفق أحمد قناوي، أستاذ الجغرافيا المناخية المساعد في جامعة السلطان قابوس في عمان، والباحث غير المشارك في التقرير. 

يوضح "قناوي" في تصريح لـ"للعلم" أن أكثر دول المنطقة تأثرًا بالتغيرات المناخية وبالتالي العوز المائي، هي منطقة الهلال الخصيب (سوريا، والعراق، والأردن)، ومنطقة القرن الأفريقي (الصومال، وجيبوتي)، فضلًا عن اليمن، وقد ساعد علي ذلك: التناقص الحاد في معدل سقوط الأمطار في تلك المناطق، وارتفاع معدلات النمو السكاني، والتحضر مع وجود قصور في مستوى البنية التحتية، فضلًا عن الصراعات والحروب الأهلية. "كما تظهر تأثيرات التغيرات المناخية في السعودية والإمارات وعمان، إلا أن الآثار الهيدرولوجية لهذه التغيرات المناخية تبدو أقل حدةً من باقي دول الإقليم"، كما يقول "قناوي". 

يتوقع التقرير أن يتأثر نصف المناطق الزراعية في الوطن العربي، خاصةً في مصر والعراق والمغرب واليمن؛ بسبب تأثير تغيرات المناخ على المياه. كما يتوقع أن يفقد الإقليم قرابة 6٪ من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2050، إذ يتوقع أن تواصل درجات الحرارة الارتفاع بمقدار 4 إلى 5 درجات سيليزية. 

حلول عاجلة

في حين يشدد "كونر" على ضرورة زيادة الإنفاق على إجراءات التخفيف من مسببات تغير المناخ، يرى أسامة سلام -الباحث بالمركز القومي لبحوث المياه- أن معالجة مياه الصرف وإدارة مخاطر الفيضانات، وتكامل السياسات بين عوامل المناخ من جانب، وموارد المياه والغذاء والطاقة من جانب آخر، وتضمين تأثير تغيرات المناخ في الإستراتيجيات والسياسات والبرامج الوطنية قد تكون حلولًا مناسبة. 

وهو ما يؤيده "قناوي"، الذي يشدد بدوره على ضرورة الاهتمام بمشروعات البنية التحتية لمشروعات حصاد المياه، وتبنِّي سياسات بيئية خضراء (نظيفة) للحفاظ على جودة المياه ونوعيتها، خاصةً في البيئات الحضرية، وزيادة الوعي المائي لدى السكان المحليين، مع توظيف التقنيات الحديثة لاختيار مواقع مناسبة لإنشاء خزانات وسدود صغيرة ومتوسطة الحجم في مناطق الأحواض الصحراوية، التي تشهد تدفقات مائية كبيرة في بعض السنوات، فضلًا عن تفعيل طرق الري الحديثة، والتكامل بين دول الإقليم لإدارة موارد المياه المشتركة.