يُتوقع أن تزداد معدلات فقدان التربة بمعدلات كبيرة غير مسبوقة، بسبب الزيادة الكبيرة لجريان المياه في جميع أنحاء العالم على مدار الخمسين عامًا القادمة، نتيجة تغيُّر المناخ والزراعة المكثفة للأراضي الزراعية. كان هذا الاستنتاج الرئيسي الذي توصل إليه فريق بحثي دولي ضمن نتائج دراسة علمية حديثة. ما من شأنه أن يهدد الأمن الغذائي العالمي، خاصةً مع الزيادة المستمرة في معدلات هطول الأمطار، كلما اشتدت وتيرة ظاهرة الاحترار العالمي.

ووفقًا لنتائج الدراسة التي نشرتها دورية "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS)، فإن نحت التربة Soil erosion هو أحد أبرز مظاهر تدهورها، وله عواقب بعيدة المدى على الاقتصاد والأمن الغذائي على مستوى العالم. إذ يؤدي الجريان السطحي الغزير للمياه إلى فقدان التربة الخصبة ويقلل من الإنتاجية الزراعية، وبالتالي يهدد الإمدادات الغذائية لسكان العالم. 

تشير الدراسة إلى أنه "من دون بذل جهود إضافية لحماية التربة، فإن هذا التدهور سيجعل من الصعب تحقيق الهدف الثاني من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، الذي يسعى إلى القضاء على الجوع بحلول عام 2030".

ووفق نتائج دراسة سابقة، نُشرت في شهر سبتمبر الماضي في مجلة "نيتشر ساستينابيليتي"، لا يزال واحد من كل تسعة أشخاص على مستوى العالم يعاني من نقص التغذية، وأكثر من 30 مليون طفل، دون سن الخامسة، يعانون من نقص الوزن بشكل خطير.

التدخلات البشرية أيضًا

تتوقع نتائج الدراسة التي أعدها فريق بحثي متعدد التخصصات، تقوده جامعة بازل في سويسرا، أن نحت التربة الناجم عن تدفق المياه الذي يتسبب في تآكل سطح التربة، يمكن أن يزيد بنسبة تصل إلى الثلثين، مقارنةً بما هو عليه الحال اليوم. 

وتشير جميع السيناريوهات العالمية إلى الاتجاه نحو دورة هيدرولوجية أشد قوة، مما قد يؤدي إلى زيادة التعرية المائية العالمية بنسبة ما تتراوح بين 30٪ إلى 66٪ عام 2070، مقارنة بأرقام عام 2015.

وتكشف تقديرات الباحثين في الدراسة أن تغيُّر المناخ سيكون المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، حتى مع سيناريو انبعاثات غازات الدفيئة المنخفضة. "وهو ما يعني أنه حتى لو وصلت دول العالم إلى الأهداف المرجوة بشأن التخفيف من آثار تغير المناخ على الصعيد العالمي، فإن العالم سيفقد المزيد من التربة، هذا ما لم نتمكن من ابتكار طرق جديدة وأكثر فاعليةً للتخفيف من معدلات تآكل التربة"، يقول "باسكال برولي"، الباحث في الجغرافيا الطبيعية بجامعة بازل السويسرية، والمؤلف الرئيسي في الدراسة.

ويوضح في تصريح لـ"للعلم" أنه إذا لم تُتخذ إجراءات أكثر صرامةً لصيانة التربة من العوامل الطبيعية والبشرية التي تسبب تدهورها، فإن أكثر من 28 مليار طن إضافي من التربة سيضيع سنويًّا، وهو ما يزيد بنحو الثلثين عن الـ43 مليار طن المقدرة عام 2015.

بالإضافة إلى العوامل الطبيعية مثل تغيُّر المناخ، فإن هناك عوامل بشرية أيضًا تسهم في تدهور التربة، مثل إزالة الغابات، والرعي الجائر، والزراعة الكثيفة، وهي أنشطة مسؤولة عن تسريع فقدان التربة.

ويُقصد بالزراعة الكثيفة زراعة الأرض الزراعية أكثر من مرة في السنة بمحاصيل تستنزف المواد العضوية بها، ويرتبط هذا النوع من الزراعة بزيادة الطلب على الغذاء نتيجة زيادة عدد السكان، ويعتمد بالأساس على الدورة الزراعية كما هو المعمول به في مصر. 

يلفت محمد عبد المنعم -مسؤول المناخ والتربة في المكتب الإقليمي للفاو في القاهرة- إلى أن تغيُّر المناخ لن يتسبب فقط في زيادة الأمطار التي تسبب انجراف التربة، بل يسبب مشكلةً أخرى تواجهها الدلتا المصرية، وهي زيادة تملُّح الأراضي الزراعية نتيجة غزو مياه البحر المالحة لهذه التربة، وهو ما قد يدفع المزارعين إلى الاتجاه إلى زراعة محاصيل أكثر تحمُّلًا للملوحة.

أحد أسباب تدهور الأراضي في مصر كذلك، هو التدخلات البشرية المباشرة من خلال تجريف التربة الزراعية والبناء عليها، إذ يوضح "عبد المنعم" في تصريح لـ"للعلم" أن فقدان مصر 1.2 مليون فدان من أراضيها الزراعية خلال الأربعين عامًا الماضية، يعني فقدان ثروة غذائية كبيرة يمكن أن تطعم قرابة 25 مليون إنسان.

السيناريو السيئ

استند الباحثون في توقعاتهم إلى ثلاثة سيناريوهات تستخدمها أيضًا الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تحدد هذه السيناريوهات التطورات المحتملة في القرن الحادي والعشرين بناءً على العديد من الظروف الاجتماعية والاقتصادية المختلفة.

تتنبأ جميع السيناريوهات -بما في ذلك تأثيرات المناخ وتغيُّر استخدام الأراضي- باستمرار حدوث التعرية المائية، بغض النظر عن الظروف المناخية في معظم البلدان البالغ عددها 200 دولة التي تم تضمينها في الدراسة، وهو ما تؤيده دراسة سابقة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكشنز" نهاية عام 2017. 

في أسوأ السيناريوهات، ومع بقاء الممارسات الزراعية كما هي اليوم وعدم تنفيذ سياسات إضافية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، يمكن أن تصل خسارة التربة السنوية إلى ما يقرب من 71.6 بيتاجرام، بزيادة قدرها 66٪ مقارنة باليوم. والبيتاجرام الواحد يساوي مليار طن.

يقول نيك فان دي جيسن -الأستاذ في قسم إدارة المياه في جامعة "دلفت" للتكنولوجيا في هولندا- في تصريحات لـ"للعلم": "ربما يكون الاستنتاج العام للدراسة صحيحًا. سيؤدي الاحترار العالمي إلى تكثيف الدورة الهيدرولوجية، مما يؤدي إلى مزيد من العواصف المطيرة الشديدة المصحوبة بمستويات أعلى من التآكل".

لكن "دي جيسن" يرى أن التوقعات المناخية للأمطار لا تزال غير موثوقة بشكل ملحوظ، فهي تخضع للتقلبات، وأنه في حالة التعرية، فإننا ننظر إلى الأحداث المتطرفة التي يصعب تصميم نموذج لها؛ لأنها تتعلق بـ"أحداث نادرة".

نطاقات التدهور 

يقول المؤلف الرئيسي إن دراسته تركز بشكل أساسي على "الصورة العالمية"، لكن هناك حاجة إلى مزيد من التحليل لتحديد المناطق التي يُحتمل أن تكون أكثر عرضة. على سبيل المثال، يشير نموذج المحاكاة الذي أعده الباحثون إلى أن أكبر الزيادات تحدث في المناطق ذات المناخات الاستوائية. 

من المتوقع أن تتأثر بلدان مثل بيرو والبرازيل والكاميرون وإثيوبيا والصومال وكينيا واليمن وباكستان والهند وميانمار وجنوب شرق الصين والفلبين وإندونيسيا بشكل خاص من جَرَّاء الزيادة في تآكل التربة. كما يُتوقع أن تتأثر تركيا وإيران وسوريا والسودان.

ورغم أن الأماكن الأكثر عرضةً للزيادة الحادة في التعرية هي البلدان الاستوائية وشبه الاستوائية ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط، فإن الدراسة تشدد على البلدان الواقعة في جنوب الكرة الأرضية بتشجيع استخدام الممارسات الزراعية المستدامة على نطاق أوسع.

أما حول الوضع في مصر، فيقول "برولي" إن مخاطر تدهور التربة نتيجة الأمطار في مصر ليست كبيرةً مثل الدول الأخرى المذكورة، لكنها ترتبط أكثر بالتدخلات البشرية. كما أن الأراضي الصالحة للزراعة في مصر -والتي هي عمومًا الأكثر تعرضًا للتعرية- تقع في مناطق محدودة الانحدار، وبالتالي لا تتأثر بشدة بالأمطار، إلا من خلال تفتُّت حبيبات التربة في وقت سقوط الأمطار.