يعتقد فريق من العلماء أن بذل الجهد الكافي في البحث عن كوكب آخر صالح للحياة، غير كوكب الأرض، في منطقةٍ ما خارج نظامنا الشمسي، تتوافر لها الشروط المطلوبة لتوافر الحياة habitable zone، أو قريبًا منها، سيُكتب له النجاح يومًا ما. وربما هذا ما تترجمه نتائج دراسة أجراها فريق من العلماء من كلية لندن الجامعية UCL، ونشرتها دورية "نيتشر أسترونومي" أمس "الأربعاء"، 11 سبتمبر.تمكَّن الباحثون من رصد البصمة الكيميائية لـ"بخار الماء في الغلاف الجوي لكوكب يدور بعيدًا خارج نظامنا الشمسي، في المنطقة المعروفة بأنها صالحة للحياة".

يقول أنجيلوس تسياراس -عالِم الفلك بكلية لندن الجامعية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في حديثه لـ"للعلم": إنها نتائج مثيرةٌ للغاية؛ لأنها المرة الأولى التي نستطيع فيها العثور على بخار الماء في الغلاف الجوي لكوكب يدور في منطقةٍ صالحة للحياة خارج نظامنا الشمسي، وهو اكتشافٌ رائع، سيزيد من فهمنا لطبيعة الكواكب التي تقع خارج نظامنا الشمسي".

أبرز المتنافسين

منذ لحظة رصده الأولى عام 2015 عن طريق التلسكوب الفضائي كيبلر، يحظى كوكب K2-18b الذي يدور دورةً واحدة حول نجمه كل 33 يومًا، باهتمام بالغ؛ وذلك لأنه يقع في نظام شمسي مألوف إلى حدٍّ كبير. وعلى الرغم من كونه يدور حول نجم قزم أحمر، يبعد عن نظامنا الشمسي بحوالي 111 سنة ضوئية، ولا يتمتع بالسخونة والحجم الكبير الكافيَين، إلا أن الكوكب يقع في المنطقة الصالحة للحياة، ما يؤهله ليكون أبرز المتنافسين في فئة الكواكب الصالحة للحياة. من جهتها، تشدد منة حجاج -الباحثة بمجال الجيوفيزياء التطبيقية في جامعة المنصورة- في تصريحات لـ"للعلم"، على أن: "النتائج التي توصلت إليها الدراسة تُعتبر ذات أهمية بالغة".

والمنطقة الصالحة للحياة (habitable zone) هي بمنزلة حزام من درجات الحرارة الملائمة للحياة، تقع فيها مدارات بعض الكواكب. ويمتاز هذا النوع من الكواكب بأنه لا يكون قريبًا جدًّا من نجمه (كما هو حال كوكبي عطارد والزهرة مثلًا في مجموعتنا الشمسية)، ولا بعيدًا جدًّا عن النجم (كما هو حال كوكبي نبتون وزحل في مجموعتنا الشمسية)؛ إذ لو كان الكوكب قريبًا جدًّا من نجمه الذي يدور حوله، فسوف يحترق، كما أنه لو كان بعيدًا جدًّا عن نجمه فسوف يتجمد. ولكن إن وُجد الكوكب ضمن المنطقة الصالحة للحياة حول النجم، فإنه سيكون صالحًا للعيش عليه، وسيوجد الماء عليه بحالته السائلة أيضًا، وتُعرف المنطقة التي تسمح بوجود الماء بحالته السائلة على الكواكب باسم منطقة غولديلوكس goldilocks zone.

يقول "سيرجي يورتشينكو" -من قسم الفيزياء والفضاء بكلية لندن الجامعية، والباحث المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": إنها المرة الأولى التي نتمكن فيها من إثبات وجود المياه في كوكب يقع خارج نظامنا الشمسي، فيما يُعرف بالمنطقة الصالحة للحياة، مضيفًا أن ما توصل إليه الباحثون في هذه الدراسة يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن شغف العلماء والتعطُّش إلى المعرفة والسعي وراء فك ألغاز الكون يجعلنا نسعى لابتكار وسائل وتكنولوجيات جديدة، بهدف التوصُّل إلى اكتشافات تصُب في النهاية في مصلحة العلم.

خوارزميات معقدة

طور الباحثون خوارزميات معقدة، واستخدموا التلسكوب الفضائي "هاربس" الذي يوجد في دولة شيلي، والمعروف بالباحث الكوكبي عالي الدقة، ويُستخدم عادةً خلال عمليات البحث عن الكواكب في الفضاء البعيد عبر تسليط الضوء على هذا الكوكب ودراسته، باستخدام تقنية قياس السرعة الشعاعية لدى "هاربس"؛ إذ قاموا برصد وقياس حركة التذبذبات الصغيرة التي تحدث حول الكوكب بفعل النجم المضيف؛ لتحديد كتلته وحساب كثافته وإجراء استنتاجات حول ماهية تركيبه.

 لكن "هاربس" لم يتوصل إلى النتائج المرجوة التي من شأنها أن تساعد العلماء على معرفة ما إذا كان هذا الكوكب جسمًا صخريًّا، أو أنه عالم مائي مغطي بالجليد، كما لم يجرِ التوصُّل بعدُ إلى معرفة قطره، وهو شرط أساسي لحساب كتلته. إلا أن الدراسة نجحت من خلال تحليل نتائج دراسات عديدة سابقة، كانت قد أُجريت على هذا الكوكب منذ لحظة رصده عام 2015، إذ أمكن قياس متوسط سرعته ونسب الإشعاع عليه، كما جرت دراسة حركته التوافقية (يمكن من خلالها رصد وتمييز طبيعة العناصر التى يتكون منها سطحه) في عدة مرات بين عامي 2015 و2018، إذ نجحوا في تحديد نصف قطر هذا الكوكب، والتي تَبيَّن أنها تتراوح ما بين 0.05 إلى 0.5 من قُطر كوكب المشتري، عملاق نظامنا الشمسي. وهو ما اعتُبر إنجازًا هائلًا وطفرةً نوعية في قاعدة بيانات هذا الكوكب ساعدت في التوصل إلى أنه كوكب يتمتع بكثافة أقل من كوكب الأرض، ولكن كتلته أكبر بحوالي ثمانية أضعاف كتلة الأرض.

يوضح "يورتشينكو" طبيعة تلك التقنيات المستخدمة، قائلًا: استخدمنا أرشيف بيانات الرصد الملتقطة بواسطة تلسكوب هابل الفضائي في عامي 2016 و2017، وطور فريقنا خوارزميات معقدة لتحليل أطياف الغلاف الجوي لكوكب K2-18b، حيث يتم امتصاص ضوء النجوم عبر الغلاف الجوي بشكل مختلف، ما يتولَّد عنه أطياف ضوئية مختلفة، وفق مكوِّنات الغلاف الجوي من (الذرات والجزيئات)، تاركةً بصماتٍ مميزةً ودالة، مشددًا على أن تلك البصمات تمكِّننا من معرفة مكونات ذلك الغلاف، وهو ما ساعدنا -في بحثنا هذا- على اكتشاف البصمة الخاصة ببخار الماء.

وتضيف "حجاج": على الرغم من عدم التوصل الدقيق إلى مكونات غلاف هذا الكوكب الجوي، تمكنت الدراسة من التوصل إلى ثلاثة احتمالات مهمة، يؤكد كلٌّ منها وجود بخار الماء في غلاف الكوكب، مما يسمح له بتوفير الماء والدفء اللازمَين للحياة.

الأراضي الفائقة

من خلال دراسة نظامنا الشمسي على مدار عدة قرون، عرف علماء الفلك الكثيرَ عن أنواع الكواكب الموجودة في كوننا. توسّعت معارفنا في هذا الإطار، واستطاعوا -مع التقدم المستمر الحادث في تقنيات الفضاء- اكتشاف كواكب واقعة خارج نظامنا الشمسي (extrasolar planets)، وبينما اكتُشفت المئات من عمالقة غازية متفاوتة من حيث الحجم، أمكن تمييزها بسبب أحجامها الكبيرة، رُصدت أيضًا العديد من الكواكب المشابهة للأرض، ويُعرف هذا النوع من الكواكب باسم "الكواكب الأرضية" (terrestrial planets).

ومنذ عام 2005، اكتُشفت المئات من الكواكب الأرضية المحتملة، من نوع "الأراضي الفائقة" (super-Earths)، وقد جاء اكتشاف أغلبها بواسطة مهمة تلسكوب كبلر الفضائي. والأراضي الفائقة هي كواكب تتراوح كتلتها بين كتلتي كلٍّ من كوكبي الأرض ونبتون، ولكنها لا تزال أصغر بكثير من الكواكب الغازية العملاقة كالمشتري في نظامنا الشمسي، ويُعد هذا النوع من أكثر أنواع الكواكب شيوعًا في مجرتنا، ومن ضمنها كوكب K2-18b الذي عُنيت به الدراسة. ويَبقى هناك تساؤلٌ طالما جرى طرحه: هل يمكن أن تجد الحياة طريقها على هذه الكواكب؟

شروط وجود حياة على كواكب أخرى؟

دائمًا ما كُنا نتساءل عن كيفية البحث عن الحياة في الكواكب الأخرى، وعن المعايير اللازمة لترشيح كوكبٍ ما ليكون صالحًا لإيواء الحياة، وإلى أي مدى يجب أن نستمر في بحثنا؟ فقد حدد العلماء بالفعل المئات من الكواكب المرشحة لإيواء الحياة تبعًا للعديد من العوامل، فقد وجدوا من قبل أنه يمكن أن يكون مقدار الأشعة فوق البنفسجية (UV) القادمة من نجمٍ مُضيف "عاملًا دالًّا على تحديد قابلية تطوُّر الحياة على كوكبٍ ما"، وذلك قياسًا على ميكانيزمات الحياة التي جرت على كوكبنا الأرضي. وعلى هذا الأساس، حددوا مجموعةً من الكواكب التي ربما تكون الحياة قد تطورت فيها بطريقة مشابهة لتطوُّرها على الأرض.

وبالرغم من أن كوكب K2-18b يتمتع بظروف تسمح بتحقيق شرط أساسي لوجود الحياة كما نعرفها على الأرض، وهو وجود مياه على سطحه، كما يُعتقد، إضافة إلى أن له مدارًا يسمح بتكوُّن منطقة قابلة للحياة والسكن، وهي المجال الموجود حول النجم، والذي يسمح بتكوُّن المياه في صورة سائلة، إلا أن العلماء لا يستبعدون أن يكون النجم الذي يدور حوله ذلك الكوكب أكثر خطورةً من الشمس، مما قد يعرِّض الكوكب المكتشَف للأشعة فوق البنفسجية بمستويات مرتفعة، والتي ربما لن تكون عاملًا داعمًا للحياة هناك.

يختتم "يورتشينكو" حديثه لـ"للعلم" بقوله: "هذا ما نعرفه الآن، ولكننا نحتاج إلى مزيد من البيانات. وعلى أي حال، أنا واثق بأن هذا ليس هو الاكتشاف الأخير لعالَم يمكن أن يكون صالحًا للسكن"، مضيفًا أن "التعامُل مع هذه الألغاز البيولوجية -الفلكية يتطلّب أجيالًا جديدة من التلسكوبات والمركبات الفضائية التي تبحث عن علامات قابلية الحياة، وعن الحياة ذاتها خارج النظام الشمسي لدراستها، غير أن الدليل الذي يدعم "فكرة الكون المُوحش المُكتظ" أو يدحضها ربما كان قريبًا جدًّا منّا على نحو مدهش"، موضحًا أنه على ما يبدو أن حلم العثور على كوكب مشابه لكوكب الأرض، والذي ظل يداعب خيال العلماء ومحبي الفلك وروايات الخيال العلمي، في سبيله للتحقُّق أخيرًا.