في صباح 30 أكتوبر 1961، أقلعت من قاعدة أوليانوف الجوية بشبه جزيرة كولا بأقصى الشمال الروسي قاذفة قنابل إستراتيجية عملاقة من نوع توبوليف Tu-95V، تحمل ما لم تحمله طائرة قاذفة من قبل، أضخم قنبلة هيدروجينية من صنع البشر، طولها 8 أمتار، وقطرها 2.6 متر، وتزن 27 طنًّا، رمزها RDS-202، سمَّاها السوفييت "قنبلة نيقولا الأول"، وعُرفت في الغرب والإعلام الدولي باسم "قنبلة القيصر". كانت تشبه في الشكل المنتفخ المكتظ قنبلتي "الولد الصغير" Little Boy، و"الرجل السمين"Fat man، اللتَين أُلقيتا على مدينتي هيروشيما ونجازاكي في 6 و9 أغسطس 1945، لكن مع الفارق، وأي فارق!             

     قنبلة "القيصر" كانت -ولا تزال- أضخم سلاح نووي حراري اقترفه الإنسان، فهي قنبلة هيدروجينية ذات مراحل ثلاث، تبدأ بانفجار قنبلة نووية انشطارية، يولِّد حرارةً تُقدَّر بملايين الدرجات، تحفز هذه الحرارة اندماجًا نوويًّا لنظائر الهيدروجين، ومن هذا الاندماج تنبثق قوة انفجار تدميرية هائلة، قُدِّرت بـ57 ميجا طن، تعادل قوة انفجار 57 مليون طن من مادة تي إن تي. وحتى ندرك مدى توحُّش وجنون قوة هذه القنبلة لو أنها استُخدمت فعليًّا في أي حرب، نستذكر أن قنبلة "الولد الصغير" التي ألقاها الأمريكيون على هيروشيما وقتلت 90 ألف إنسان في لحظات، كانت قوة تفجيرها 15 كيلو طن، تعادل قوة تفجير 15 ألف طن من مادة تي إن تي. وهذا يعني أن قنبلة القيصر لو استُخدمت في أي حرب، لأفنت قرابة 342 مليون إنسان في لمح البصر!

     أنتج السوفييت قنبلتين من نوع القيصر، واحدة استُخدمت في تلك التجربة المروِّعة، والثانية صارت مَتْحَفية، وتوقف السوفييت عن إنتاجها، لا بسبب المنافسة الأمريكية، ولكن لأنها كانت عبئًا على صانعيها، فحجمها الضخم ووزنها الثقيل جعلا من حملها معضلة، فبرغم أن التوبوليف القاذفة العملاقة نقلتها عنَتًا، كحمولة تزيد عن حمولتها المعتادة مرتين ونصف، إلا أنه لم يمكن استيعابها داخل الطائرة، فاضطروا إلى رفع بوابة إلقاء القنابل وعلقوا إلى هيكلها القنبلة، وظل جزءٌ كبيرٌ منها مطلًّا تحت بطن الطائرة، مما يسهل اكتشافها واستهدافها قبل أن تصل إلى هدفها في أي حرب. وحتى تنجو الطائرة وطاقمها من التأثيرات المدمرة للتفجير، زُوِّدت القنبلة بمظلة وزنها 800 كجم لإبطاء سقوطها؛ حتى يُتاح الوقت للقاذفة الإستراتيجية للفرار بعيدًا عن نقطة التفجير بمسافة 45 كيلومترًا.

     توقف إنتاج قنابل نيقولا الأول لفرط ضخامتها وثقلها، أما هول تدميرها الذي أوضحه التفجير، فكان أمرًا آخر، صوَّرته طائرة مرافقة مطلية -كما هي حاملة القنبلة- بدهان أبيض من مادة خاصة للحماية من تأثير لفح الحرارة والإشعاع القاتلَين المتوقعَين، ولو من مبعدة عشرات الكيلومترات! في الساعة 11:30 تم إسقاط القيصر ببطء ومن ارتفاع كبير قدره 16500 متر؛ لإتاحة وقت كافٍ لفرار الطائرتين البيضاوين بعيدًا عن موقع الانفجار في جزيرة "نوفيا زيملايا" أو الأرض الجديدة، في المحيط المتجمد الشمالي. تصاعدت السحابة النووية الشيطانية بارتفاع 64 كيلومترًا وعرض 40 كيلومترًا، وكان قطر كرة النار الجهنمية في قلبها 4.6 كيلومترات، أما الموجة الارتدادية الناتجة عن التفجير والتي التقطتها أجهزة رصد الموجات الزلزالية، فطافت حول كوكب الأرض ثلاث مرات. تبخر جليد الجزيرة، وذاب ثلث سطح أرضها تحت منطقة الانفجار، وتحولت الصخور إلى رماد. كان التفجير سريًّا، ولكن القطب النووي الثاني -الولايات المتحدة- اكتشفه وفضحه، على حين كان سبَّاقًا في الوِزر ذاته، فالأمريكيون كانوا أول مَن صنَّع قنابل الشيطان النووية الهيدروجينية تلك، ففي 1 مارس 1954 اختبروا في جزر مارشال قنبلة هيدروجينية من سلسلة يُشار إليها باسم "قلعة برافو" Castle Bravo، وكانت قوة تفجيرها 15 ميجا طن، يمكنها أن تقتل 90 مليون إنسان، فقط!

credit: National Security Archives, Manhattan Project/US Air Force photograph

   

***

     الآن، صارت قنابل الإبادة الشاملة تلك أكثر أناقةً ورشاقة، ويمكن إطلاقها من البر والبحر والجو، وربما من الفضاء أيضًا، منها التكتيكي الذي يكتفي بتدمير مدينة وقتل كل سكانها، والإستراتيجي الذي يسحق دولة، فهناك في سباق التسلح النووي الذي لم يتوقف، قنابل وزنها لا يزيد عن 130 كيلوجرامًا، بقطر 30 سنتيمترًا، وطول 80 سنتيمترًا، وتشكل تهديدًا ليس لمئات آلاف البشر، وحتى الملايين، وحسب، بل تهدد بإفناء كل الحياة والأحياء في هذا الكوكب. ومن المثير للرثاء أن هذا الردع النووي بات مناط تفاخر وتنافُخ شعوب وقادة يحتفلون بعضوية بلدانهم فيما يُدعى "النادي النووي"، وكأن الأمر لعبة! إلا أن الحياة لا تعدم بين الحين والحين وسائل لاذعة للسخرية من ذلك الغرور البشري، بأساليب وأدوات أصغر ما تكون وأبسط ما تكون، ولو بمقياس الحجم متناهي الصِّغَر!

     ليس أدل على ذلك مما أحدثه مؤخرًا كائن بالغ الضآلة، أطل علينا من الصين -وهي بلد نووي عملاق- بآخر نماذجه من عائلة الفيروسات التاجية Coronaviruses، التي أقلقتنا منذ سنوات بموجة الإصابة بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية MERS، ثم  أفزعتنا بانتشار متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد SARS، وهاهي تصيب البشرية بهلع بآخر ذريتها، كائن بدائي في تكوينه وتاريخه التطوري، يأخذ أفراده شكل كُرات متناهية الصغر، متوسط ​​قطرها 125 نانومترًا، أي 125 جزءًا من المليون من الملليمتر، فهي لا تُرى إلا بميكروسكوب إلكتروني قوي، تكوينها فقير إلى حدٍّ مذهل، لا تزيد عن قطعة شاردة من جينوم RNA أحادي الجانب في مظروف بروتيني. وعلى ضآلة هذا الفيروس وفقر تكوينه، بات تهديده يفوق تهديد أكبر قنبلة نووية حرارية من نوع القيصر أو قلعة برافو، وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية على هذا الفاشي المُستجد اسم "كوفيد19"، اختصارًا من التعبير الإنجليزي الذي يعني "مرض فيروس كورونا المستجد في سنة 2019 "Coronavirus disease 2019 (COVID-19). وهاهو هذا المستجد بالغ الضآلة ومهين التكوين "يهدد ثلثي البشرية"، كما أعلنت منظمة الصحة العالمية، أي يهدد أكثر من خمسة مليارات من بني الإنسان، ناهيك بالحيوان، وغير الحيوان.

     تقدير منظمة الصحة العالمية ليس مُبالَغًا فيه لو استعدنا أعداد مَن أبادتهم جوائح فيروسية غابرة، وليست بعيدة سيرة جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، التي قتلت بين 55 و100 مليون إنسان بينما كان عدد سكان العالم لا يزيد على ملياري إنسان، لم يكن بينهم هذا الاختلاط الهائل الذي تيسره الآن وسائل التنقل برًّا وبحرًا وجوًّا، وتيسر معه انتقال العدوى وانتشار الأوبئة والجوائح. وبرغم أننا محكومون بالأمل، ونرجح أن الوباء سيتراجع، إلا أن رعب "كوفيد 19" بات يدعونا إلى التواضع وإدراك مدى هشاشتنا ككائنات حية في محيط الحياة المتلاطم، وأن صراعنا الوجودي على هذا الكوكب يُزري بأسلحة البشر النووية؛ لأنه صراع مع كائنات نانوية الضآلة تتطلب حربًا أخرى غير تلك النووية المشؤومة التي يلوِّح بها حمقى الخيلائيين المتعاظمين كلما التهبت عدوانيتهم، بفعل الأطماع المقيتة، والنرجسية الخبيثة، والأنانية، وقصر النظر. الحرب المطلوبة الآن هي حرب نانوية ضد كائنات نانوية، لكف أذاها لا لإبادتها، لأنها لن تَبيد، فخبرتها بالوجود المتواصل على مسرح الحياة في هذا الكوكب تفوق خبرتنا بأربعة مليارات سنة إلا قليلا. ويبدو أن هناك مَن يدركون ذلك الآن، في خضم الجائحة.

***

    في 14 فبراير الحالي نشر موقع TATNANO.com أن "أقنعة N95 المدعومة بتقنية النانو تستطيع إيقاف انتشار فيروس كورونا؛ لأنها تقدم موادَّ تسمح بالتنفس، دون تمرير فيروس كورونا؛ لأن ثغرات ما بين نسيجها تقل كثيرًا عن حجم كرات الفيروس متناهية الصغر. وكان موقعا Stanto وNBIC المعنيان بقاعدة بيانات أبحاث تكنولوجيا النانو، قد نشرا في 28 يناير هذا العام مقالًا مبشر العنوان يقول: "ثمة تفشٍّ لفيروس كورونا؟ لا داعي للفزع، فتكنولوجيا النانو موجودة لتساعد"، ووثَّقا تطوير لقاح ناجح مضاد لفيروسات كورونا عمومًا، يقوم على توظيف الجُسيمات النانوية. وفكرته أن التكوين الجزيئي للفيروس يتضمن أربعة أنواع من البروتينات تشكل جينومه وأغشيته والمظروف والشوكات النافرة على سطح المظروف، والأخيرة يشار إلى بروتينها بالحرف S، الذي يؤدي دور مفتاح اللص الذي يسمح بفتح الباب للفيروس في غشاء الخلية المُستهدفة ليلجها جينومه ويتطفل عليها، ناهبًا كل إمكاناتها لاستنساخ فيروسات جديدة على شاكلته، تكتظ بها الخلية حتى تنفجر مُطلِقةً ما بها من نُسخ الفيروس، لتصيب خلايا جديدة وتُفاقِم أعراض المرض التي تنشر فيروساته عبر عطاس المصابين به، وسعالهم، ورذاذ أنفاسهم، ونثار إفرازاتهم. ومن هذا الفهم لدقائق عمل هذا الكائن النانوي، ينطلق تخليق مضاد نانوي يبطل عمل المفتاح الذي يتسلل به الفيروس إلى داخل الخلايا، فيجهض الإصابة بالمرض، ويُبطِل انتشاره.

      تبعًا للمنشور مؤخرًا، استطاعت تقنيات النانو تطوير مواد متناهية الصغير لإبطال عمل البروتين S. وتم طرح واختبار مواد لهذا الغرض، منها جسيمات النانو الذهبية ونقاط الكم الكربونية CQDs كخيارات بارزة للتفاعل مع شوكات الفيروس ومنع دخوله إلى الخلايا. ونجحت تجارب عديدة لتثبيط عمل هذه الشوكات بهذه الطريقة، في أكثر من معمل بحثي في جامعة ليل الفرنسية وجامعة روهر بوخوم بألمانيا، حيث ارتبطت نقاط الكم الكربونية نانوية الحجم مع بروتين شوكات الفيروس S فأبطلت قدرته على خداع الخلايا المستهدفة بالغزو كمفتاح لولوجها. كما أظهرت التجارب التي أضافت هذه المثبطات النانوية للمزارع الخلوية، قبل وفي أثناء الإصابة بفيروس كورونا، أنها قللت كثيرًا من معدل إصابة الخلايا إلى درجة مدهشة، فبعد دورة حياة فيروسية واحدة، وهي 5.5 ساعات لفيروس كورونا، لوحظ تثبيط كبير لتكاثر الفيروس. وتفسير ذلك أن نقاط الكم الكربونية ذات القابلية الممتازة للذوبان في الماء، والتي لا يتجاوز متوسط قطر كل نقطة منها 10 نانومترات، تمكنت بسهولة من دخول الخلايا ومجابهة بروتين الفيروس فمنعته من استنساخ نفسه داخل الخلايا، من ثم حمت الخلايا من الإصابة به.   

    من زاوية أخرى، أظهرت الأبحاث أن عصيات الذهب النانوية متناهية الصغر nanorods تعمل بشكل انتقائي على البروتين S لشوكات فيروس كورونا فتبطل فاعليته. كما نجح باحثون من جامعة شيزوكا اليابانية في تكوين جزيئات نانوية من خلايا يرقات دودة القز، تشبه فيروس كورونا، لكنها لا تحتوي على جينوم الفيروس، وبمجرد دخولها خلايا المضيف تحفز الجهاز المناعي لمحاربة فيروس كورونا نفسه، فكأنها لقاح ضد الفيروس دون استخدام أجزاء أو عينات منه بعد إضعافها. وقد نجحت هذه الآلية عند اختبارها على فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرقة الأوسط التنفسية، ونجاحها يفتح بابًا واسعًا وواعدًا في مواجهة مستجدات هذه السلالة الفيروسية، ومنها كوفيد 19، وما بعده. فهل يكف جنسنا البشري عن غروره التدميري النووي، ليتواضع في خوض حرب أخرى أكثر إلحاحًا، حرب نانوية ضد خصم نانوي عنيد وعتيد، لن يبيد، وليس ممكنًا ولا مطلوبًا أن يبيد، فهو عنصرٌ من عناصر الحياة، فقط نسعى لنكفَّ أذاه عنَّا، كما نتأمل في مفارقة هوان شأنه وهول جوائحه، مدى هشاشتنا وحتم التواضع فيما بيننا، وأمام جلال الحياة في هذا الكوكب.