توصل فريق من الباحثين الأمريكيين في مجال علم الأعصاب إلى أن شعور الشخص بالنهم تجاه غذاء معين غير صحي يغلب "أحيانًا" على تفكيره والتزامه بنظام غذائي متوازن، ويدفعه لدفع أموال إضافية وتناول كميات أكبر مما يشتهيه، حتى وإن كان لا يشعر بالجوع.

وتشير نتائج الدراسة، التي نشرتها دورية "بناس"، والتي تصدر عن الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا، إلى أن الأشخاص الذين يبذلون جهدًا لتناول طعام صحي، قد يخرقون نظامهم الغذائي ويشتهون أطعمةً غير صحية إذا ما ارتبطت المأكولات التي يشتهونها بذكريات جيدة من الماضي.

تقول "آنا كونوفا" -باحثة ما بعد الدكتوراة في مركز علم الأعصاب بجامعة نيويورك، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلماء لم يتوصلوا بعد لمعرفة سبب اشتهاء طعام معين، ولكن الدراسة قامت بتعديل هذا الشعور لدى مجموعة من المتطوعين من خلال تغيير رغبتهم في تناول وجبة خفيفة محددة. لقد طلبنا من المتطوع أن يتفاعل مع الطعام لمدة 3 دقائق، بحيث يفكر في مذاقه ورائحته وقوامه، وأن يستدعي في الوقت ذاته إحدى الذكريات التي ارتبطت بتناول هذا الطعام. وهذا التفاعل استهدف تحفيز نوع معين من النهم، يشبه ما يشعر به الشخص عندما يشم رائحة المخبوزات في أثناء مروره أمام مخبز، أو عندما يشتهي شرب الخمر، إذا كان معتادًا على تعاطيه، في أثناء اقترابه من إحدى الحانات".

تشير الدراسة إلى تنامي اهتمام عدة قطاعات -كالتسويق وعلم النفس والاقتصاد والطب- بفهم الحالات النفسية والاحتياجات الفسيولوجية التي تؤثر في سلوكيات المستهلكين. فضلاً عن الاهتمام بالنهم، والذي كان لفترة طويلة يُصنف كحالة ذهنية تُسهِم في حدوث الإدمان.

سأل الباحثون عينة البحث عما يمكنهم دفعه لشراء وجبات خفيفة مثل الشوكولاتة أو قطعة حلوى بعد الشعور بالنهم لتناوُلها، ورصدوا فروقًا كبيرة في رغباتهم قبل التعرُّض لهذا الشعور وبعده.

تقول "كونوفا": لاحظنا أن مَن شملتهم الدراسة كانوا على استعداد لدفع أموال أكثر للوجبة الخفيفة نفسها إذا وُضعت أمامهم وطُلب منهم استدعاء ذكريات خاصة مرتبطة بها مقارنةً بما قبل رؤيتها أو شم رائحتها، وأن الشعور بالجوع لم يؤثر في عملية التعرض لما أثار شهيتهم، ما يُرجح أن النهم والجوع تجربتان مختلفتان.

وعن الفارق بين الشعور بالنهم والجوع ، توضح "كونوفا" أنه "تم التفريق بينهما عبر طريقتين. أولًا، تعريف وملاحظة أن النهم يكون محددًا لطعامٍ معين دون غيره، وذلك عقب التعرُّض لهذا الطعام لمدة 3 دقائق؛ إذ يرغب الشخص فيه دون أن يشعر بالجوع. وثانيًا، بإبلاغ المشاركين في الدراسة بعدم تناول الطعام قبل المجيء للمعمل بأربع ساعات حتى يشعروا بالجوع، ثم طلبنا منهم اتخاذ قرار بشأن أطعمة مختلفة ومدى إقبالهم عليها وهم جوعى، ثم طلبنا منهم التعرُّض المتعمد لاستثارة شهيتهم تجاه أحد هذه الأطعمة، وبعدها أجرينا قياسًا ثانيًا لمدى رغبتهم في الحصول على كل نوع من الأطعمة (في أثناء الشعور بالنهَم). وهكذا تمكَّنَّا من احتساب مدى تغيُّر الميول والأفضلية لنوع معين مقارنة بحالتهم في أثناء الشعور بالجوع وحده".

تضيف أن "النهم للشوكولاتة، على سبيل المثال، لا يرجع إلى شعور الشخص بالجوع، وإنما إلى رغبته في تناول الشوكولاتة فقط، وهو الأمر الذي يحدث مع الشخص ذاته حال تعرُّضه لأطعمة مشابهة، إذ إن تغيُّر ميول الفرد تجاه الأطعمة لا يكون فقط تجاه الطعام الذي يشتهيه، ولكن أيضًا للأطعمة المماثلة، كما أن إقدامه على إنفاق المال لا يكون قاصرًا فقط على الطعام الذي يشتهيه، وإنما أي أطعمة مشابهة حتى لو كانت أطعمة غير صحية، ولا يستغرق الأمر أكثر من عرض تلك الأطعمة أمامه لمدة 3 دقائق".

كما رصد الباحثون أيضًا تنامي رغبة الشخص في شراء أطعمة أكبر حجمًا، ذات سعرات حرارية أعلى ودهون ونسبة سكريات أكثر عند شعوره بالنهم، مشيرةً إلى "وجود علاقة بين النهم وحجم الطعام وثمنه، بمعنى أن الفرد يكون مستعدًّا لدفع ثمن أكبر مقابل الحصول على الطعام الذي يشتهيه".