ما الذي يحث الناس على التبرع للمؤسسات الخيرية؟ من المثير للدهشة أن إثبات صحة الإجابات التي نظن أنها واضحة كان مهمة شاقة. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تكون الرغبة في العطاء غير كافية؛ فالكثير من الأشخاص الذين يعبرون عن رغبة قوية في التبرع للمؤسسات الخيرية غالبًا ما يفشلون في تنفيذ هذه الرغبة. كما أن نتائج الأبحاث غير قاطعة فيما يتعلق بزيادة احتمالات تبرع الأشخاص الأكثر ثراءً بأموالهم؛ ففي حين تشير بعض الدراسات إلى أن احتمالات تبرع الأثرياء بأموالهم تزداد، فإن بعض الدراسات الأخرى لا تؤيد هذه النتيجة.

تطرح دراسة بحثية حديثة أجراها علماء النفس أشلي ويلانز، ويوجين كاروسو، وإليزابيث دون تفسيرًا جديدًا محتملًا بشأن ما يحث الناس على التبرع للمؤسسات الخيرية، فيقولون بأنه عندما تعكس طلبات التبرع الصورة التي يرسمها المرء لذاته، تزداد احتمالية رغبته في التبرع. فقد وجد الباحثون في ثلاث دراسات أن الأشخاص الأقل دخلًا تزداد احتمالية تبرُّعهم للمؤسسات الخيرية عندما يرون طلبًا للتبرع يركز على ارتباطهم بالمجتمع وانتمائهم إليه. وعلى النقيض، فإن الأثرياء تزداد احتمالية تبرعهم عندما تخاطب طلبات التبرع إحساسهم بالاستقلال والاعتماد على الذات. ومن ثم فإن اختيار المرء لأن يبسط يده بالعطاء أو يمسكها ببخل ربما يعتمد على ما إذا كان طلب المساعدة يتسق مع نظرته لذاته، أكثر من اعتماده على ما يملكه.

فحصت الدراسة الأولى التي أجراها الباحثون سلوك الأشخاص الذين زاروا موقع مؤسسة The Life You Can Save وهي مؤسسة تدعم الجهات الخيرية التي تعمل من أجل القضاء على الفقر المدقع. وقد شارك في الدراسة 185 زائرًا للموقع (58% منهم سيدات) وطُلب منهم المشاركة في استبانة في مقابل الحصول على كتاب مجانًا. وقد طلبت الاستبانة من المشاركين تحديد النوع والعمر والانتماء العرقي ودخل الأسرة. ثم قرأ المشاركون بعد ذلك طلبين للتبرع، فقرأ نصفهم طلبًا يخاطب النزعة الفردية لدى المشاركين؛ إذ يصف المؤسسة بأنها مؤسسة تنشر "الوعي بما يمكن أن يفعله كل شخص منفردًا للحد من الفقر"، في حين قرأ النصف الآخر طلبًا يخاطب النزعة "الجماعية" يقول بأن المؤسسة تنشر "الوعي بما يمكن أن نفعله جميعًا معًا للحد من الفقر".

وبعد قراءة أحد الطلبين، كان يتاح للمشاركين فرصة النقر على رابط مكتوب عليه "تبرع اليوم" والذي ينقلهم إلى صفحة جديدة يمكنهم التبرع من خلالها. وقد وجد الباحثون أن المشاركين الأكثر ثراءً –والذين حددتهم الدراسة بأنهم أولئك الذين يبلغ دخلهم 90 ألف دولار أو أكثر– تزداد احتمالات أن ينقروا على رابط التبرع عند قراءة طلب التبرع الذي يخاطب النزعة الفردية ويخبرهم بما يمكن أن يفعله كل شخص بمفرده للمساعدة في الحد من الفقر، في حين ازدادت احتمالات نقر المشاركين الأقل ثراءً –أولئك الذين يبلغ دخلهم 40 ألف دولار أو أقل– على رابط التبرع عند قراءة الطلب الذي يخاطب النزعة الجماعية، والذي كان يشير لما يمكن أن يفعله الجميع معًا للحد من الفقر. ولم يجد الباحثون علاقة بين النقر على رابط التبرع والنوع أو العمر أو الانتماء العرقي.

تُعد هذه نتيجة كاشفة، بيد أن الدراسة كانت محدودة نظرًا لأن الباحثين لم يتمكنوا من إثبات أن المشاركين الأكثر ثراءً تبرعوا بالفعل بعد رؤية الطلب الذي يؤكد النزعة الفردية (إذ إن قيودًا تقنية منعت الباحثين من التأكد مما إذا كان مَن نقروا على رابط التبرع قد تبرعوا بالفعل أم تراجعوا). وفي إطار سعي الباحثين لإثبات فرضيتهم، أجروا تجربتين إضافيتين في أماكن عامة، شارك في إحداهما 474 شخصًا كانوا يزورون أحد متاحف العلوم في فانكوفر في كندا. في البداية، أكمل المشاركون الاستبانة نفسها التي تجمع معلومات عن خلفية المشاركين ومقدار دخلهم، كما في الدراسة السابقة. ومثلما حدث فيها أيضًا، طُلب منهم قراءة أحد طلبي التبرع السابقين للتبرع لإحدى المؤسسات الخيرية. ثم قيل لهم إنهم سيشتركون في سحب يانصيب للفوز بمئة دولار وكان لديهم خيار التبرع بجزء من الجائزة لمؤسسة خيرية، وقيل للمشاركين إن قرار التبرع يُعد ملزِمًا في حال فوزهم بالجائزة.

اختار 87% من المشاركين تقريبًا التبرع على الأقل بجزء من الجائزة المحتملة لمؤسسة خيرية، وبدا المشاركون الأثرياء أكثر سخاءً بعد قراءة طلب التبرع الذي يخاطب النزعة الفردية؛ إذ دفعهم للتبرع بجزء أكبر من جائزتهم للمؤسسة الخيرية. أما الأفراد الأقل ثراءً فتبرعوا أكثر بعد قراءة طلب التبرع الذي يخاطب النزعة الجماعية. ومرة أخرى، لم يكن للسمات الأخرى للمشاركين -مثل العمر والنوع- علاقة بالمبلغ الذي قرروا التبرع به.

لماذا يشعر الأثرياء برغبة أكبر في العطاء عند مخاطبتهم بطلب التبرع الفردي؟ أثبتت الأبحاث السابقة أن الأشخاص ذوي الدخل المرتفع عادةً ما يكون لديهم إحساس أكبر بالتحكم الشخصي؛ إذ يتيح لهم المال تحقيق أهدافهم الشخصية دون الحاجة إلى الاعتماد كثيرًا على الآخرين، وربما يؤثر هذا على نظرتهم لأنفسهم. كما أثبتت الأبحاث أيضًا أن أصحاب الدخل الأقل عادةً ما يرون أنفسهم أكثر ارتباطًا بالآخرين، ربما لأنهم يحتاجون للاعتماد أكثر على الآخرين في حياتهم اليومية العادية. وقد دفعت هذه النتائج بعض الباحثين لافتراض أنه مع ازدياد ثراء بعض الأشخاص، يقل اهتمامهم للآخرين وتعاطفهم معهم. غير أن هذه الدراسة تشير إلى أنه ربما لا تكون هذه هي الحقيقة الكاملة، إذ يعكس سلوك الأثرياء مستويات مرتفعة من الاهتمام عندما يخاطب طلب المساعدة إحساسهم الأكبر بالتحكم الشخصي. ومن خلال التركيز على التأثير الفردي، ربما تحقق رسائل المؤسسات الخيرية نجاحًا أكبر في حث الأشخاص الأكثر ثراءً على العطاء بسخاء.

لا شك أنه ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت صياغة طلبات التبرع بحيث تخاطب ميولًا معينة لدى المتلقين لها أهمية أيضًا في الحث على أشكال أخرى من العطاء، بخلاف التبرع بالمال. فسيكون من المفيد أيضًا معرفة ما إذا كان الأمر نفسه يؤثر على التزام البعض بالأنشطة التطوعية أو التبرع بالدم. ومع ذلك، فإن هذه النتائج تفتح آفاقًا جديدة لمساعدة المؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية في التوصل إلى كيفية صياغة طلبات مساعدة تمتلك فرصًا أكبر في أن تؤتي ثمارها.