يمكن للأشخاص الأثرياء وأصحاب شبكات العلاقات الاجتماعية المتعددة أداء دور أساسي في الحد من تداعيات التغيرات المناخية، من خلال استغلال نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي للتأثير في المحيطين بهم، لتبنِّي سلوكيات واستخدام أدوات قد تساعد في تحقيق ذلك الهدف.

وتقترح دراسة نشرتها دورية "نيتشر إنرجي" (Nature Energy) خمس طرق يمكن من خلالها استغلال نفوذ الأشخاص ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المرتفع، في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بما يُسهم في تخفيف آثار التغيُّرات المناخية على نطاق كبير.

ومن خلال أدوارهم كمستهلكين، أو مستثمرين، أو كونهم نماذج يُحتذى بها، أو مشاركين مؤسسين، أو حتى كمواطنين، يمكن لأصحاب الثروات ومهارات التواصل الاجتماعي المساعدة في تشكيل الخيارات المتاحة لأنفسهم وللآخرين من المحيطين بهم، بما يؤدي إلى تفاقُم تغيُّر المناخ أو تخفيف تداعياته.

وعلى النقيض من غالبية الدراسات السابقة التي تناولت كيفية تقليل تأثيرنا على المناخ من خلال التركيز أكثر على طرق تغيير السلوك الجمعي للمستهلكين، مثل إعادة التدوير وإطفاء الأنوار في المنزل، فإن مؤلفي الدراسة يرون أن التركيز يجب أن يتحول إلى إيجاد طرق لتحفيز الأشخاص ذوي الحالة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة لتغيير كثير من السلوكيات المختلفة، نظرًا إلى أن ما يفعله هؤلاء الأشخاص قد يكون له تأثيرٌ أكبر على انبعاثات الكربون.

توضح الدراسة أن "الحالة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة تشير إلى مكانة الشخص في بنية المجتمع، وذلك لا يقتصر فقط على ثروته ودخله، بل يشمل أيضًا موارده الاجتماعية التي تتضمن الطبقة الاجتماعية والوظيفة والشبكة الاجتماعية، ويشمل ذلك مجموعات أوسع من مجرد الأشخاص فاحشي الثراء، بما في ذلك كل شخص يزيد دخله السنوي على 109 آلاف دولار أمريكي".

يقول المؤلف الرئيسي للورقة البحثية، الدكتور كريستيان نيلسن، باحث ما بعد الدكتوراة بقسم علم النفس في جامعة كامبريدج: "إن الأشخاص ذوي الحالة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة ليسوا فقط أشخاصًا لديهم ثروة كبيرة من المال، وإنما الأشخاص الذين لديهم شبكات اجتماعية أقوى وأكثر اتساعًا، تساعدهم في التأثير على السلوكيات والسياسات للتخفيف من آثار تغير المناخ".

يضيف "نيلسن" في تصريحات لـ"للعلم": نحن بحاجة إلى إيجاد الطرق الملائمة لتشجيع مثل هؤلاء الأشخاص على أداء هذا التأثير، وإذا اعتبرنا أن الأثرياء فقط هم الذين يحتاجون إلى تغيير سلوكياتهم، فإننا بذلك نتجاهل القدرات التي يتمتع بها أشخاصٌ آخرون للمساعدة في تخفيف التداعيات الناجمة عن التغيرات المناخية، من خلال تأثيرهم على المحيطين بهم.

وعن كيفية مساعدة الأشخاص من أصحاب الثروات المالية والعلاقات الاجتماعية المتعددة في تخفيف آثار التغيرات المناخية، يقول "نيلسن": تقترح الدراسة 5 أدوار لهؤلاء الأشخاص يمكنهم من خلالها التأثير في المحيطين بهم، تشمل دورهم كمستهلكين ومستثمرين ونماذج يُحتذى بها ومشاركين في المؤسسات والمنظمات المختلفة، وكذلك كمواطنين.

وتقترح الدراسة العديد من السلوكيات التي قد تكون أكثر فاعليةً والتي يمكن لهؤلاء الأشخاص فعلها وفق دور كلٍّ منهم للتأثير في الآخرين، ومنها تقليل عدد رحلاتهم الجوية، وكذلك تقليل استخدامهم للسيارات، وترشيد استخدام الطاقة في المنزل.

ومع ذلك، فإنهم يمكن أن يكون لهم تأثيرات قوية أيضًا، من خلال تعزيز الحلول الصديقة للمناخ، عبر شبكاتهم الاجتماعية والسياسية، أو من خلال المنظمات التي يمثلون جزءًا منها، مما يشجع الآخرين على انتهاج سلوكيات للتقليل من تأثيرات المناخ، مثل تشجيع الاستثمارات في النقل العام، وإنتاج الطاقة المتجددة، وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية، وفق الدراسة.

ويشير "نيلسن" إلى أن الدراسة تقدم بعض المقترحات لتحفيز الأشخاص من ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المرتفع على تغيير العديد من أنواع السلوكيات، ويرجع السبب في ذلك إلى أن التدخلات الأكثر جدوى وفاعليةً تختلف بشكل كبير ضمن سياقات وسلوكيات متنوعة.

ويتابع: نحن نقترح بالفعل فرض ضريبة تصاعدية على الثروة، كما أن فرض ضريبة على الكربون والاستهلاك يمكن أن يكون أحد التدخلات المحتملة للتأثير على الكثير من السلوكيات التي تسبب تأثيراتٍ كبيرةً على المناخ، وقائمة التدخلات المحتملة هي بطبيعة الحال أكبر بكثير من مجرد التوسع في السياسات الضريبية.