عندما شرعت في كتابة هذا التقرير عن Wearable Technology ، وقعت في حيرة حول كيفية ترجمة المصطلح، أو بالأحرى تعريبه، فكتبت على صفحتي على فيسبوك أطلب المساعدة، وجاءت الاقتراحات كثيرة، أقربها للمنطق، التقنيات القابلة للارتداء، الأجهزة الملبوسة، التكنولوجيا المرتداة، وإن كنت أميل للمصطلح الأول رغم أنه الأطول، في ظل عدم وجود تعريب رسمي متفق عليه في الدول العربية.

ورغم ذلك تُعَد مشكلة التعريب واحدة من أبسط المشكلات التي تواجه استفادة المنطقة العربية من الأجهزة القابلة للارتداء التي خرجت من رحم مفهوم إنترنت الأشياء Internet of Things، بل هي تمثل التطبيق العملي لهذه التقنية التي تُعَد بدورها واحدة من أكثر الاتجاهات التي ستغير شكل الاقتصاد العالمي، بل شكل العالم كله. ووفقًا لمؤسسة جارتنر للأبحاث فهذا سوق حجمه 1900 مليار دولار بحلول 2020!

ولكن ماذا عن منطقة الشرق الأوسط؟

وفق مؤسسة IDC للأبحاث، فإن مبيعات الأجهزة التقنية التي يمكن ارتداؤها شهدت نموًّا كبيرًا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، خلال العام 2016، بلغت 65.3%، ومتوقع أن يستمر النمو في حدود 20% حتى عام 2020، في ظل هبوط ملحوظ في مبيعات أجهزة الكمبيوتر الشخصية.

وهذا ما دعا نيكول دوجرا Nakul Dogra -كبير محللي نظم وأبحاث الحوسبة الشخصية وحلول البنية التحتية في شركة IDC الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا- للقول: "إن نمو سوق الأجهزة القابلة للارتداء يمنحنا بصيص أمل وسط انكماش عام لسوق الحوسبة الشخصية في المنطقة. وقد نتج هذا النمو من خلال عدد من العوامل، شملت انخفاض متوسط أسعار البيع، وإطلاق عدد من المنتجات الجديدة، ودخول الأجهزة القابلة للارتداء الأقل تكلفة إلى الأسواق، وإدخال تصميمات أكثر أناقة".

ويعتقد أنه يُنتظَر أن تصبح التقنيات القابلة للارتداء في المستقبل القريب جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان، إذ ستتمكن عبر اتصالها بجسده من تزويده بمعلومات لا يمكن للحواسيب اللوحية والهواتف الذكية الوصول إليها. على أن تحقيق نجاح قريب في هذا المجال يتوقف على عاملين أساسيين: هما القدرة على الوصول للمعلومات المفيدة بشكل مباشر، وتقبُّل المستهلكين لفكرة ارتداء جهاز من هذا النوع.

مجال مفتوح

والآن بات المجال مفتوحًا دون حدود لكل ما يمكن أن نتخيله أو لا نتخيله ويكون قابلًا للارتداء أو للاستخدام الشخصي، وذلك بعد أن برحت تقنية Wearable Technology معامل البحث والتطوير، وباتت قريبةً جدًّا من مرحلة النضوج التجاري، وهناك بالفعل الكثير من الأفكار متاحة عبر عشرات المنتجات على مواقع التسوق الإلكتروني.

فجولة سريعة على موقع أمازون ستكفي لنرى عشرات المنتجات الجديدة التي تخرج شهريًّا للأسواق، وهو ما يمكن ملاحظته أيضًا على المواقع التي تخدم العالم العربي، مثل موقع سوق وجوميا، وإن كان بصورة أقل مقارنة بأمريكا والصين، اللتَين تستحوذان على أغلب الابتكارات الجديدة، وأيضًا على نسب الاستهلاك. ما بين فرشاة تساعد على نمو الشعر، وحزام يرصد وزن الجسد، وحمالة صدر تراقب المؤشرات الصحية للثدي، وحذاء رياضي يقيس ضغط الجسم والأداء في أثناء التمارين، وقلادة ذكية للتخسيس، هذه أبرز ابتكارات الأجهزة القابلة للارتداء في 2016، حتى إن هناك معاطف يمكنها أن تمنع التتبُّع التقني للأشخاص، وطوقًا ذكيًّا لمتابعة صحة الحيوانات الأليفة.

ويرغب الكثير من المستخدمين في اقتناء أجهزة تتبُّع مؤشرات ومعدلات اللياقة البدنية القابلة للارتداء التي توفر إمكانيات لتحسين الأداء الرياضي ومراقبة الحالة الصحية، بالإضافة إلى أخرى لأغراض ترفيهية. والملحوظ أيضًا أن التطبيقات الصحفية والتعليمية وتلك المتعلقة بالممارسات الرياضية المحترفة والشخصية تستحوذ على الحصة الأكبر بين هذه المنتجات. وهو ما يتوافق مع الإحصاء الذي قامت به مؤسسة PWC المتخصصة في دعم الأعمال، فالنسبة الأكبر من الأجهزة القابلة للارتداء تكون بدافع اللياقة البدنية ومراقبة المؤشرات الصحية، تليها الساعات الذكية ثم الأجهزة المتعلقة بالنظارات الذكية، والكاميرات الذكية التي يمكن ارتداؤها بسهولة مثل GoPro، وأخيرًا الملابس الذكية.

وعلى خلاف ذلك، تعتقد رشا علي -رائدة أعمال مصرية في مجال التكنولوجيا القابلة للارتداء- أن التطبيقات المتعلقة باللياقة البدنية لم تنجح والكثير من المستخدمين استغنوا عنها، "مقابل نمو كبير في التطبيقات التي تستهدف الصحة والتعليم والأمن"، على حد قولها.

غياب التخطيط

ورغم أن هناك نموًّا كبيرًا كما توقعت IDC لمبيعات التقنيات القابلة للارتداء، لكن على ما يبدو أن المنطقة تفتقر إلى أي خطة للاستفادة العلمية أو التجارية من هذه التطبيقات، ربما في الإمارات هناك مبادرة معلنة لإنترنت الأشياء أطلقتها دبي قبل عامين، لكن لم تظهر بعد منتجات حقيقية تُتداول في الأسواق.

والحال مشابهة في مصر رغم بدء انتشار الكثير من المنتجات بين أيدي الناس، فقبل ثلاثة أعوام، قامت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات -التي تُعرَف اختصارًا باسم ITIDA- بتأسيس منتدى تقني بلغ أعضاؤه حاليًّا تسعًا من الشركات العالمية بالإضافة إلى جامعة القاهرة؛ بهدف تمهيد الطريق لتطبيقات وحلول IOT، ومنها التقنيات القابلة للارتداء في مصر. ويهدف المنتدى -وفق توضيح الدكتور هيثم صفوت، مدير البحث والتطوير بمركز تقييم واعتماد هندسة البرمجيات، ومنسق المنتدى- إلى خلق مناخ عمل مشجع في مصر وتهيئة البنية الأساسية، والتشجيع على سَن تشريعات وتسهيل إجراءات تسرع من عمل إنترنت الأشياء. ورغم استمرار أعمال المنتدى طوال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن النتائج الملموسة لم تكن بقدر المأمول كما يرى دكتور صفوت، ومع ذلك يقول: "ليس أمامنا إلا أن نكمل الجهود ونسعى في كل اتجاه، ونجهز حاليًّا لورقة عمل متكاملة لبناء معمل ابتكار بمشاركة شركات عالمية، مقره القرية الذكية".

وكانت مصر قد شهدت محاولات جادة سابقة فيما يتعلق بالتقنيات القابلة للارتداء، لكنها لم تستمر، فقبل خمس سنوات أسست شركة إنتل معمل بحث وتطوير في مصر مقره المنطقة التكنولوجية بالمعادي، ووفق دكتور هاني الجبالي -الذي كان يشغل مدير المعمل وقتها- كانت إحدى مهمات فريق العمل الرئيسية تطوير إكسسوارات وحلول لها علاقة بالأجهزة القابلة للارتداء. ولكن للأسف توقف المعمل قبل عامين، ولم تفصح الشركة عن أسباب ذلك، وإن كانت الظروف الأمنية والاقتصادية التي تعرضت لها البلاد هي التفسير الأقرب.

وفقًا للقانون المصري، لا يُسمح بدخول أي جهاز جديد متعلق بالحاسبات أو أجهزة الاتصالات إلا بعد موافقة جهاز تنظيم الاتصالات TRA، وحاليًّا هناك الكثير من الأجهزة الحديثة التي يُمنع دخولها في مصر، ويعلق صفوت -الذي يعمل أيضًا أستاذًا مساعدًا بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة القاهرة- على الأمر بقوله: "بطبيع الحال هذا يقيد تطوير تطبيقات إنترنت الأشياء والأجهزة القابلة للارتداء، لذا قدم المنتدى توصياته لهيئة تنمية تكنولوجيا المعلومات للضغط في اتجاه تغيير القانون".

جزء كبير من ديناميكية الأجهزة القابلة للارتداء وسرعة تطورها يعود إلى أن أغلب الشركات القائمة على تطويرها شركات صغيرة أو متوسطة، ما يفتح الباب لسهولة الحركة والتجربة، ولكنها أيضًا مغامرة محفوفة بالمخاطر، وفق ما تراه رشا علي، التي تعمل على مشروع صحي لاستشعار العوامل البيولوجية بالجسم .

تقول رشا: "العمل في مجال جديد يحمل فرصة واعدة، ولكنه أيضًا يمثل تحديًا لأن الخبرات والتجارب السابقة فيه ليست كبيرة"، وضربت رشا مثالًا بارتفاع أسعار أجهزة الهاردوير وصعوبة الحصول عليها من خارج مصر لإجراء تجارب التطبيقات والحلول الجديدة عليها، هذا بخلاف عدم وجود أبحاث مصرية متقدمة في هذا المجال.

وغالبًا ما تعتمد الشركات الصغيرة في عملها على آليات كثيرة للتمويل، سواء ذاتيًّا، أو عبر صناديق استثمار كبرى، أو حتى آلية التمويل الجماعي الحديثة، مثل ما يقدمه موقع Kickstarter، والذي اعتمد عليه تطبيق sgnl الذين يمكِّن المستخدمين من إجراء مكالمات هاتفية عبر أصابعهم باستخدام أسورة في معصم اليد، الأمر أشبه بأفلام الخيال العلمي ولكنه حقيقة عبر تقنية تنقل الذبذبات الصوتية عبر العظام من اليد إلى الأذن.

 وكان هذا التطبيق قد تلقى دعمًا في بدايته من شركة سامسونج عن طريقة حاضنة أعمال، وهو ما تحاول أن تكرره سامسونج الكورية في مصر عبر مسابقة دعم رواد الأعمال للابتكار في حلول الواقع الافتراضي، وتطبيقات الأجهزة الإلكترونية التي يتم ارتداؤها، وإنترنت الأشياء (IoT). ولكن لم تظهر حتى الآن تطبيقات تسطيع أن تنافس عالميًّا، وفق تصريحات شريف بركات -نائب رئيس سامسونج إلكترونيكس مصر.

صور جديدة للتنافس

واحدة من نقاط التنافس الكبيرة المتوقعة في المستقبل، ستكون بين الشركات التي تصنع الأشياء بشكلها القديم، وتلك التي تدمج فيها التقنيات؛ فلمَن ستكون الغلبة؟ صحيح أن صيغ التعاون كثيرة ومتعددة، ولكن مَن سيقود؟

 فمثلًا شركة كاسيو CASIO الشهيرة للساعات والآلات الحاسبة، وهي واحدة من أقدم شركات الإلكترونيات في العالم، وتربعت ذات يوم على مبيعات الساعات الرقمية في العالم، ولكن على ما يبدو الآن فهي بعيدة عن عرشها القديم وعن المنافسة عندما يتعلق الأمر بالتقنيات القابلة للارتداء، ويبرر ذلك عبود خضر شاه -مسؤول قسم التسويق والتخطيط عن منطقة الشرق الأوسط- قائلاً: "ليس من استراتيجيتنا تتبُّع كل جديد دون أن يكون هناك سبب منطقي نابع من احتياج العملاء، ومن عمليات بحث وتطوير دقيقة سابقة".

وعلى العكس تمامًا قررت شركة فوسيل Fossil التحرُّك بقوة تجاه التعاون مع الشركات التكنولوجية، لكي تقوم بتضمين حلول وتقنيات لمنتجاتها، يقول كريج ماكيلفي -نائب الرئيس التنفيذي للشركة-: "كان يجب علينا التحرُّك، لا وقت للانتظار، يجب أن نسهم في عملية التطوير، قبل أن تبدأ مرحلة جني الثمار".

وبالفعل أصبحت منتجات الساعات من فوسيل وبعض الأساور الرقمية متاحة الآن في الأسواق، ويضيف كريج: "الأمر لن يتوقف على ذلك، لدينا خطة لزيادة المنتجات الرقمية، لتشمل محافظ وحقائب عليها أنظمة تشغيل أندرويد، ونتعاون كذلك مع إنتل بخصوص تضمين معالجات متناهية الصغر لمنتجاتنا".

وترى إنتل الشركة الأمريكية المتخصصة في المعالجات، أنه بحلول عام 2020 سيكون في العالم 50 مليار جهاز متصل بالإنترنت، الكثير منها من الأجهزة القابلة للارتداء، ويعتقد أن هناك حاليًّا ما يزيد على مليار جهاز في معاصم الناس وملابسهم، بل داخل أجسادهم، عبر الكبسولات الذكية التي يتم بلعها.

أبرز العقبات

على جانب آخر، يعدِّد تقرير منشور في مجلة نيتشر المشكلات الأبرز التي تواجه مستقبل التقنيات القابلة للارتداء في العالم، ومنها، بعض الصعوبات في مزامنة الجهاز للهاتف المحمول، ووجود تصميمات غير أنيقة، أو غير مريحة، علاوة على أن البطاريات تكون عادة قصيرة العمر، أضف لذلك معدلات استهلاك البيانات التي ستتضاعف 5 مرات عن الموجودة الآن ستلقي عبئًا على شبكة الإنترنت.

ولكن تبقى المشكلة الأبرز هى مسألة الخصوصية وتأمين حماية البيانات. ويطالب أنوبام جوشي -رئيس مركز الأمن السيبراني بجامعة ميريلاند- بسن قوانين وتشريعات تنظم هذه الأمور، ويقول: "نحن حقًّا ندخل إلى عالم جديد، وعلينا أن نبدأ في التفكير جديًّا في هذه القضايا".

ويتفق معه بوجدان جاربنار، الباحث بجامعة بجامعة فلوريدا، إذ يقول: "إذا كانت البيانات لا تشفر بين تلك الأجهزة فهي بالتأكيد ليست مؤمَّنة، وحتى في حالة تشفيرها لا تكون مؤمَّنة تمامًا".