عبر العقود الماضية، تعرفنا على العديد من صفات جهاز المناعة وخواصه، ومع تراكُم هذه المعرفة تبيَّن أن خلايا هذا الجهاز المعقد تحمل كثيرًا من الصفات البشرية؛ إذ إنها تتواصل وتتعاون وتقاتل وتتفاعل وتخطئ وتضعف وتجهد أيضًا.

قد يبدو الحديث عن تعرُّض جهاز المناعة للإجهاد غريبًا على مسامع البعض، لكن خلال السنوات الأخيرة تعرَّف الباحثون على نوع من الخلايا التائية يُعرف باسم "الخلايا التائية المنهكة" (أو المرهقة)، وهي خلايا تحمل بصماتٍ وراثيةً مميزة، وقد تصبح مختلةً وظيفيًّا بعد التعرُّض للسرطان، أو التعرض لعدوى مزمنة.

وكما يتعرض الإنسان للإجهاد نتيجة التعرض المستمر للضغوط، تُصاب الخلايا المناعية التائية القاتلة من النوع "سي دي 8" CD8 بالإجهاد نتيجة التعرض المزمن للمستضدات، خاصةً إذا كانت هذه المستضدات ناتجةً من عدوى فيروسية مزمنة، والمستضدات هي البِنَى الجزيئية المحفّزة لعملية تفعيل الخلايا التائية، أو البائية، وهي عبارة عن أجزاء الميكروبات التي تتسبب في حدوث الاستجابة المناعية.

مستضدات خلايا الأورام

لكن مستضدات الفيروسات لا تتسبب وحدها في تكوُّن هذه الخلايا؛ إذ تبيَّن حديثًا أن مستضدات خلايا الأورام تتسبب هي الأخرى في هذا الإجهاد، ونتيجة التعرُّض المستمر للمستضدات تقل قدرة هذه الخلايا على التكاثر وإفراز السيتوكينات، بل يزداد عدد المستقبلات المثبطة على سطحها، وهو ما يقلل أيضًا من فاعليتها، والسيتوكينات هي مواد كيميائية تفرز في أثناء الاستجابة المناعية وتساعد الخلية على الاتصال الخلوي، كما تحفز حركة الخلايا نحو مواقع الالتهاب والعدوى.

في ذلك السياق، سعى فريق من الباحثين إلى فهم أكبر لآلية تمايُز هذه الخلايا والعوامل التي تؤثر في حدوث هذا التمايز، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر إميونولوجي" (Nature Immunology)، حاول خلالها الباحثون الإجابة عن سؤالين محددين هما: هل الخلايا التائية المنهكة لا تستطيع التخلص بالكامل من العدوى المزمنة وخلايا الأورام بسبب التعرض المستمر للمستضدات؟ وهل يمكن أن تعود الخلايا التائية المنهكة إلى ممارسة نشاطها وأن تتحول إلى خلايا الذاكرة التائية، إذا أزيل سبب الإجهاد (أي تعرُّض الخلايا التائية المنهكة المستمر للمستضدات)؟

كشفت الدراسة أن الخلايا التائية المنهكة تتميز بزيادة عدد المستقبِلات المثبطة على سطحها، وعلى رأسها المستقبِل المسمى بروتين موت الخلايا المبرمج 1، وهو مستقبل يعمل على ضبط قدرة الخلايا على استحداث استجابة مناعية كي يمنعها من مهاجمة خلايا الجسم السليمة، لكن زيادة التعبير عن هذا المستقبِل في الخلايا التائية المنهكة تؤدي إلى تقليل قدرتها على محاربة خلايا السرطان.

وسبق أن دفعت زيادة عدد المستقبِلات المثبطة على سطح الخلايا التائية المنهكة (وفي القلب منها بروتين موت الخلايا المبرمج 1) فريقًا بحثيًّا إلى العمل على استهداف هذا المستقبل كإستراتيجية علاجية من أجل تنشيط الخلايا المنهكة مرةً أخرى.

وقد انتهت دراسة نشرتها دورية "ساينس" في عام 2016 إلى أن إغلاق هذا المستقبل يعيد تنشيط هذه الخلايا ويحسِّن قدرتها على مواجهة العدوى المزمنة والأورام، لكن النتائج أظهرت أيضًا أن استمرارية تحوُّل الخلايا المنهكة إلى خلايا ذاكرة لم تكن واضحةً بالنسبة لهم، إذ كان هذا التحول محدودًا، وحين تعرضت الخلايا لتركيزٍ عالٍ من المستضدات بعد التنشيط عادت إلى الحالة المنهكة مرةً أخرى، حتى بعد إزالة المستضدات.

ووجد الباحثون أيضًا أن الصفات فوق الجينية في هذه الخلايا كانت مختلفةً عن خلايا الذاكرة، ولم تتغير كثيرًا حتى بعد إغلاق المستقبلات المثبطة، وهو ما يتسق مع نتائج الدراسة الحالية.

نماذج حيوانية

استخدم الباحثون في الدراسة الأخيرة نماذج حيوانيةً من الفئران، ووجدوا أنه عند إزالة التعرض المستمر للمستضدات، تستعيد الخلايا المنهكة جزئيًّا الخواص الظاهرية والجينية الخاصة بخلايا الذاكرة التائية، لكن هذا التحول وقدرة الخلايا على أداء وظائفها لم يكن مماثلًا لخلايا الذاكرة الأصلية.

ولفهم هذه التغيرات بشكل تفصيلي، استخدم الباحثون نوعًا من التقنيات يسمى تنميط إتاحة الكروماتين، وهي تقنية تُستخدم لدراسة التغيرات فوق الجينية التي تحدث في هذه الخلايا، وأظهرت تلك التقنية أن الخلايا التائية المنهكة فشلت في استعادة بعض الصفات فوق الجينية لخلايا الذاكرة، واحتفظت بالعديد من الصفات فوق الجينية للخلايا المنهكة.

واستنتج الباحثون أنه على الرغم من استعادة هذه الخلايا لبعض صفات خلايا الذاكرة الظاهرية والجينية بعد إزالة المستضدات، إلا أن بعض الندوب يبقى ولا يزول، ما يقلل من قدرة الخلايا على أداء وظيفتها في المستقبل.

أقوى الأسلحة المناعية

يوضح محمد صلاح عبد الحكيم -الباحث بمعهد علم المناعة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، وعضو هيئة التدريس بقسم الميكربيولوجي والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، والباحث الأول في الدراسة- أن الخلايا التائية تمثل أحد أقوى الأسلحة المناعية في مواجهة الميكروبات والأورام، لكن حين لا تتمكن من تحقيق الانتصار الكامل والتخلص من العدو، فإن استمرار المعركة يؤدي إلى فقدانها التدريجي لقدراتها القتالية، فيما يُعرف بـ"إجهاد الخلايا التائية".

يقول "عبد الحكيم" في تصريحات لـ"للعلم": تُنتج هذه الخلايا قدرًا أقل من البروتينات اللازمة للاستجابة المناعية، وبالتالي تقل قدراتها على التخلص من الأعداء، ويضيف: أردنا معرفة مدى إمكانية استعادة نشاط هذه الخلايا إذا أزلنا سبب الإجهاد، وإذا كان هذا ممكنًا، فهل تعود الخلايا بالفعل إلى كامل لياقتها لتقوم بوظيفة خلايا الذاكرة التائية التي تتكون بعد العدوى أو بعد تناوُل اللقاحات وتؤدي إلى استجابة مناعية سريعة وفعالة إذا تعرض الجسم للمستضدات نفسها مرةً أخرى؟ وبصيغة أخرى: إذا عولج شخصٌ ما من السرطان وبقي كذلك فترة من الزمن، فهل يزول الإجهاد وتتمكن هذه الخلايا من المشاركة في الدفاع عن الجسم إذا عاد الورم أم لا؟

استعادة بعض الصفات الجينية

يضيف "عبد الحكيم": للإجابة عن هذه الأسئلة عملنا على دراسة الخلايا التائية المنهكة في الفئران التي تعرضت لنوع من الفيروسات يُدعى فيروس الْتِهابِ السَّحايا والمشيميَّاتِ اللِّمْفاوي، وهو أحد الفيروسات التي تنتقل إلى الإنسان بعد تناوله أطعمةً أو مشروباتٍ ملوثةً بفضلات القوارض المصابة، ويُعد النموذج المثالي لدراسة هذه الحالة.

يستطرد "عبد الحكيم": وجدنا أن الخلايا التي استمرت على قيد الحياة استعادت بعض الصفات الجينية الموجودة في خلايا الذاكرة التائية الطبيعية، وعلى الرغم من ذلك، ظلت هذه الخلايا مبرمجةً للبقاء في الحالة المنهكة، خاصةً حين واجهت العدوى مرةً أخرى وطُلب منها استعادة وظيفتها.

ويتابع: توضح النتائج أن الخلايا التائية المنهكة تظل كذلك بشكل كبير حتى بعد اختفاء العدوى، وبالتالي يصبح من الصعب إعادة توجيهها لمواجهة العدوى المتكررة أو في حال عودة الأورام السرطانية إلى الجسم مجددًا.

حالة حيادية

من جهته، يشير محمود كامل -أستاذ المناعة بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- إلى أنه "على الرغم من أن الخلايا التائية المنهكة تؤدي وظيفتها بشكل أقل من الخلايا التائية الأخرى القاتلة الفعالة، إلا أن هذا ليس شرًّا كله كما قد يبدو".

يقول "كامل" في تصريحات لـ"للعلم": وجود الخلايا التائية المنهكة بفاعليتها المحدودة يساعد الخلايا التائية أحيانًا على الوجود في موقع الحدث لاحتواء العدوى المزمنة، حتى ولو بشكل جزئي، دون أن يؤدي ذلك إلى حدوث التأثيرات الجانبية القوية المرتبطة بالاستجابة المناعية المعتادة.

ويضيف: تعمل هذه الخلايا على الوصول إلى حالة الحياد أو اللاسلم واللاحرب مع العدوى، ويجيب البحث الذي بين أيدينا عن سؤال: ماذا بعد؟ ما الذي يحدث للخلايا المنهكة بعد زوال سبب الإجهاد؟ النتائج تُظهر أن هذه الحالة تستمر حتى بعد زوال السبب، وهو ما يحدث بسبب التغيرات فوق الجينية في هذه الخلايا.

العلاجات المناعية

بدوره، يؤكد محمد غريب -الأستاذ المساعد بقسم طب الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- أن "العلاجات المناعية للأورام تمثل إحدى الإستراتيجيات الواعدة والحديثة في العلاج".

يقول "غريب" في تصريحات لـ"للعلم": بعض هذه العلاجات يستهدف الخلايا التائية، ومنها ما أثبت كفاءةً كبيرةً في إحداث استجابة كاملة في بعض الأورام، لكن هذه الاستجابة لا تستمر في العديد من المرضى، كما أن بعض الأورام يقاوم هذا النوع من العلاج، وتظل الآليات الكامنة وراء المقاومة أو الاستجابة قصيرة المدى لهذه العلاجات مجهولةً إلى حدٍّ كبير، لكن هناك دراسات تشير إلى أن ظهور الخلايا التائية غير الفعالة في بيئة الأورام قد يكون أحد أسباب هذه الظواهر، لذا، فإن الفهم الأفضل للآليات الكامنة وراء اختلال وظائف الخلايا التائية في الأورام قد يؤدي إلى تدخلات علاجية جديدة لمرضى السرطان، وهو ما تقدمه لنا هذه الدراسة.

الكروماتين والتعبير الجيني

توجد المادة الوراثية في الكائنات حقيقيات النواة في الكروموسومات، التي تتكون من الكروماتين، الذي يتكون (بدوره) من وحدات متكررة تسمى النيوكليوسومات، وتتكون النيوكليوسومات من الحمض النووي وبروتينات تدعى الهيستونات يحيط الحمض النووي بها، إذ يحتوي كل نيوكليوسوم على 8 بروتينات هستون وبعض المكونات الأخرى.

يلتف الحمض النووي حول الهستونات بشكل متكرر، ما يؤدي في النهاية إلى تعبئة الحمض النووي الذي يصل طوله إلى مترين داخل نواة الخلية التي لا يتجاوز حجمها ميكرومترات قليلة.

وتُستخدم هذه التعبئة في تنظيم عملية التعبير الجيني عن الجينات، فبعض الجينات الموجودة داخل الكروماتين يكون نشيطًا وقابلًا للتفاعل مع العوامل التي تنظم نسخ الجينات وتحفزه، وبعضها لا يكون متاحًا أو نشيطًا بما يكفي، وهذه العملية ديناميكية، أي أن أجزاء الكروماتين النشطة قد لا تصبح متاحةً أو نشطة، والعكس صحيح.

ويتم تنظيم إتاحة الكروماتين للتفاعل من خلال تغيرات بروتين الهستون وإضافة مجموعات كيميائية إليه، وبعبارة أخرى، هناك أجزاء مكشوفة من الكروماتين يجري التعبير عنها، وأجزاء (جينات) أخرى مختفية لا يتم التعبير عنها، ومن أجل فهم هذه التغيرات في الكروماتين ظهرت دراسات إتاحة الكروماتين، وهي دراسات يتم فيها فصل الجينوم بوسائل إنزيمية أو كيميائية وتمييز الأجزاء المتاحة أو النشطة من الكروماتين، وبعدها تتم قراءة حروف الجينوم الخاصة بكلٍّ منها للتعرف على الجينات النشطة من الخاملة أو غير النشطة.

برمجة الخلايا

يقول عبد الحكيم: تتم برمجة الخلايا على حالة معينة من خلال التغيرات فوق الجينية، وهي التغيرات التي تحدد أي الجينات يكون نشيطًا ويتم التعبير عنه، وأيها خامل، وتتم هذه البرمجة من خلال تغيير شكل الكروماتين والبروتينات التي تجعل الحمض النووي ملفوفًا بإحكام داخل نواة الخلية، ويسمح هذا التغيير بظهور بعض الجينات، كما يسمح للإنزيمات التي تقوم بنسخ هذه الجينات بالارتباط بها، في المقابل لا تظهر الجينات الأخرى (غير النشطة)، وبالتالي لا تتمكن هذه الإنزيمات من الارتباط بها ونسخها.

يعلق كامل: على عكس حروف الحمض النووي التي لا تتغير، تتميز الصفات فوق الجينية بكونها قابلةً للتغيير، وبعبارة أخرى، يكون الحمض النووي ثابتًا، لكن قدرة الجسم على قراءته تتغير، وهذه التغيرات تتم من خلال إضافة أو إزالة مجموعات كيميائية معينة ترتبط بالحمض النووي أو بروتينات الهستون، وهي ترتبط بحدوث العديد من الأمراض، كبعض أنواع العدوى والأورام.

يعقب "عبد الحكيم": فحصنا في هذه الدراسة النمط فوق الجيني في الخلايا المنهكة، ووجدنا أنه يظل ثابتًا في هذه الخلايا بعد التعرض المزمن للفيروسات، وعلى الرغم من اكتساب هذه الخلايا لبعض خصائص وظائف خلايا الذاكرة بعد زوال المؤثر المتسبب في الإجهاد، لكنها تظل محتفظةً بندبة تجعلها محبوسةً في هذه الحالة.

يعتقد "عبد الحكيم" أن الباحثين والأطباء يجب أن يضعوا نتائج البحث الجديد في الاعتبار حين يضعون خطط علاج العدوى المزمنة أو الأورام باستخدام العلاجات المناعية، وتشير نتائجنا إلى الحاجة إلى اكتشاف علاجات جديدة يمكنها علاج ما يمكن أن نسميه بالندوب فوق الجينية التي يستمر وجودها في الخلايا التائية المنهكة، وبالتالي تستعيد هذه الخلايا وظيفتها في الدفاع عن الجسم بشكل كامل كخلايا ذاكرة، خاصةً أن الأدوية التي تعتمد على استهداف التغيرات فوق الجينية يمكن أن تمثل أملًا في علاج السرطان، ويرى أنه يمكن البناء على نتائج الدراسة لتصميم أدوية من هذا النوع لعلاج الأورام والعدوى المزمنة، خاصةً الأنواع طويلة المدى منها.

يعلق "غريب": الأدوية التي تعتمد على التغيرات فوق الجينية موجودة بالفعل، وبعضها تمت الموافقة عليه من هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية ويتم استخدامه في معالجة بعض أنواع الأورام، وبعضها يستهدف المجموعات الكيميائية المرتبطة بالهستونات، والبعض الآخر يستهدف تلك المرتبطة بالحمض النووي، وبعض أنواع هذه الأدوية يُستخدم في علاج أورام الدم مثل سرطان الدم والليمفوما وسرطان النخاع المتعدد، وهذا البحث يساعد على فهمٍ أفضل لهذه التغيرات في هذا النوع من الخلايا المناعية، وبالتالي قد يكون خطوةً على طريق اكتشاف أدوية جديدة تستهدف هذه التغيرات في الخلايا التائية المنهكة.