إلى أي مدى تستطيع الأحداث الكبرى التي تمرُّ بنا أن تغير في شخصياتنا وطبائعنا التي نشأنا عليها؟

وماذا لو كان هذا الحدث فيروسًا سريع الانتشار، أصاب أكثر من 24 مليون شخص حول العالم، وفتك بأكثر من 800 ألف شخص حتى كتابة هذه السطور، وأجبر الناس على الجلوس في منازلهم، بمعزل عن عائلاتهم وأصدقائهم، وأغلق الحدود بين الدول؟

هذا ما حاولت دراسة حديثة، أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة ولاية فلوريدا، أن تجيب عنه، من خلال قياس تأثير المرحلة الأولية لانتشار فيروس كورونا المسبب لمرض (كوفيد-19)، في الولايات المتحدة، على سمات الشخصية، المعروفة بـ"الخمس الكبار".

كشفت الدراسة -التي نُشرت في 6 أغسطس 2020، في مجلة بلوس وان Plos One- عن حدوث تغيُّرات طفيفة في السمات الخمس وهي: "العصابية، الانبساط، الانفتاح، الضمير، القبول"، وهو ما جاء على عكس المتوقع، مغايرًا للافتراضات التي وضعها الباحثون قبل إجراء الدراسة.

ونموذج "الخمس الكبار"، وفق تعريف كريستوفر ج. سوتو، الأخصائي النفسي في كلية كولبي بالولايات المتحدة، (منشور في كتابه ضمن موسوعة SAGE للتطور البشري)، هو النموذج الأكثر استخدامًا لبناء الشخصية وقياس التغيُّرات التي تطرأ عليها.

ويمثل كلٌّ من الخمس الكبار مجموعةً من الخصائص السلوكية ذات الصلة، فعلى سبيل المثال، تمثل سمة "الانبساط" الفروق الفردية في المشاركة الاجتماعية والحزم ومستوى الطاقة، وتجسد سمة "القبول" الاختلافات في التعاطف والاحترام وقبول الآخرين، ويمثل "الضمير" الاختلافات في التنظيم والإنتاجية والمسؤولية، ويمثل "الانفتاح" الاختلافات في الفضول الفكري والحساسية الجمالية والخيال، في حين تمثل "العصابية" الاختلافات في وتيرة وشدة المشاعر السلبية، كالتوتر والحزن وتقلبات المزاج.

افتراضات الدراسة

افترضت مؤلفة الدراسة أنجلينا ر. سوتين -الأستاذة في قسم العلوم السلوكية والطب الاجتماعي بجامعة ولاية فلوريدا- وزملاؤها، أن الاضطراب الذي حدث نتيجة الانتشار السريع لفيروس كورونا والإجراءات الاحترازية التي اتُّخذت لإبطاء انتشاره، ونتج عنها تعطيل جميع جوانب حياتنا، سيؤدي إلى تغيُّرات في السمات الشخصية. وتوقعوا زيادةً في مستوى العصابية والضمير.

 وحتى يختبروا صحة فرضيتهم، أجروا استطلاعًا شمل 2137 بالغًا (تتراوح أعمارهم من 18 إلى 70 عامًا) من جميع أنحاء الولايات المتحدة، (نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث) في أوائل فبراير 2020، قبل أن تنتشر الجائحة انتشارًا كبيرًا، استخدموا فيه نموذج الخمس الكبار، ثم أجروا الاستطلاع مرةً ثانية على العينة نفسها منتصف مارس، بعد انتشار الجائحة على نطاق واسع.

وأشارت الدراسة إلى أنه في الظروف العادية لا يوجد سبب لتوقُّع أن تتغير الشخصية خلال هذه الفترة القصيرة، ولكن نظرًا للطبيعة الاستثنائية للجائحة والتدابير الصارمة التي فرضتها، كان من المتوقع أن الشخصية قد تتفاعل سريعًا مع الأحداث.

اختار الباحثون ثلاثة جوانب للتعبير عن كل سمة، ووضعوا عدة عناصر لقياس كل جانب منها، يجيب عنها الشخص عبر مقياس من 1 (لا أوافق بشدة) إلى 5 (أوافق بشدة)، فعلى سبيل المثال اختاروا التنظيم والإنتاجية والمسؤولية مؤشرًا على الضمير الحي، ووضعوا مجموعة عناصر لقياس كلٍّ منها، مثل (أبذل قصارى جهدي للوفاء بوعودي) للتعبير عن جانب المسؤولية.

وعلى عكس المتوقع، أظهرت النتائج انخفاضًا في مستوى العصابية خلال الأسابيع الستة، لا سيما جوانب القلق والاكتئاب، وفسروا ذلك بأنه خلال المرحلة الحادة من تفشي فيروس كورونا قد يتم إرجاع القلق والضيق إلى الوباء وما نتج عنه من ظروف جديدة أكثر منه إلى شخصية الفرد.

كما أشارت الدراسة إلى أنه كان انخفاضًا طفيفًا، وكان واضحًا فقط بين المشاركين الذين لم يختبروا العزلة (الحجر الصحي)، بينما كانت هناك زيادة طفيفة لأولئك الذين يعيشون في عزلة، في إشارة إلى تأثير العزلة الاجتماعية على العصابية.

 وأفاد 25% فقط من المبحوثين أنهم كانوا في حالة عزلة خلال الشهر الماضي (السابق للدراسة).

كما توقع الباحثون زيادةً في "الضمير"، خاصةً الجوانب المتعلقة بالمسؤولية، نتيجةً للرسائل التي تعزز اتخاذ الإجراءات الاحترازية، إلا أنه، وفقًا للنتائج، لم يتغير، وفسروا ذلك بتغيُّر السياق الاجتماعي، فعلى سبيل المثال لم يعد الذهاب إلى العمل على الرغم من الإصابة بمرضٍ ما مؤشرًا جيدًا على الضمير، بل أصبح هذا السلوك بعد انتشار فيروس كورونا عملًا غير مسؤول.

كما أشارت النتائج إلى أن الانبساط زاد قليلًا (على مستوى الإصرار والطاقة لدى المشاركين الذين لم يكونوا في عزلة)، ولم يكن هناك تغيُّر كبير في الانفتاح والقبول.

هل تستمر التغيرات بعد انتهاء الجائحة؟

قالت إنجلينا ر. سوتين -مؤلفة الدراسة- لـ"للعلم" إنهم يعتزمون إجراء مزيد من الأبحاث؛ لاختبار ما إذا كانت هناك تغيُّرات طويلة المدى في الشخصية مرتبطة بالجائحة.

وحول إمكانية تعميم نتائج الدراسة على شعوب أخرى مرت بالتجربة نفسها، ردت: "دراستنا يمكن أن تتحدث فقط عن التجربة في الولايات المتحدة. ومن المهم اختبار ما إذا كان للعزلة تأثيرات مماثلة على الشخصية في مجموعات سكانية أخرى. على الرغم من أنني أعتقد أن النتائج قد تكون متشابهة".

وأضافت أنه من المهم أن نلاحظ أيضًا أن الولايات المتحدة لديها إغلاق أقل تقييدًا من العديد من البلدان الأخرى حول العالم، سواء فيما يتعلق بأوامر الإقامة الصارمة في المنزل أو العمل من المنزل.

وأجابت "سوتين" عن سؤالنا حول احتمالات استمرارية هذه التغييرات بعد انتهاء الجائحة: "رأينا تغييرات متواضعة جدًّا في الشخصية، ومن المحتمل أن تختفي بمجرد انتهاء العزلة الاجتماعية. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو التغيير في العنصر الخاص بالذهاب إلى العمل عند المرض. لقد تغير معنى العنصر، لا سيما باعتباره علامةً على الضمير، ومن المرجح أن يكون هذا التغيير في المعنى طويل الأمد".

وعلق جمال فرويز -أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة- على الدراسة، قائلًا لـ"للعلم": إن حدوث تغيُّرات دائمة في الشخصية يستلزم التعرُّض للضغط نفسه مدةً طويلةً زمنيًّا، وأضاف أن ستة أسابيع أو حتى ثلاثة أشهر بمقاييس العلم "لا شيء".

وأضاف أن الأشخاص الذين لديهم استعداد مرضي من الوارد أن تحدث لهم تغيرات على مستوى العصابية، لكن باقي الأفراد مستبعد أن يتأثروا، سواء في أمريكا أو أي بلد آخر؛ لأن الفترة غير كافية لإحداث تغيير في الشخصية.

وأشار إلى أن استجابات الأشخاص للأحداث والضغوط تختلف وفق نوع الشخصية، ونوَّه بأن الشخصية الوسواسية (إحدى سمات العصابية) -على سبيل المثال- زاد لديها الشعور بالخوف والتوتر المستمر، ومن المرجح أن يستمر ذلك التغيُّر حتى بعد انتهاء الجائحة.

ويقول كريستوفر ج. سوتو في كتابه (موسوعة SAGE للتطور البشري) إنه يمكن ملاحظة السمات الخمس الكبار وقياسها في منتصف مرحلة الطفولة، ورغم ذلك يتجلى بعض هذه السمات خلال فترات النمو المختلفة، في حين يستمر بعض الأشخاص في التغيُّر طوال حياتهم، وأضاف أن كل سمةٍ منها تتأثر بالعوامل الوراثية والبيئية ولها أساس بيولوجي معقد، مشيرًا إلى أن معظم أنماط التغير تحدث في مرحلة المراهقة والشباب.

وأضاف أن التغيُّرات في الضمير تميل إلى أن تكون مسبوقةً بتجارب اجتماعية -مثل الزواج والعمل- أو مصحوبةً بها، في حين أن التغيُّرات في العصابية ترتبط بأحداث الحياة السلبية، وتؤثر على مستويات القبول والرضا عن مجالات الحياة كالوظيفة والعلاقات، في حين يرتبط الانبساط والانفتاح على التجربة بقوة الفكر والإبداع.

وكشفت دراسة سابقة، نشرتها المجلة الدولية للتنمية السلوكية في أكتوبر 2018، حول تأثير العزلة والشعور بالوحدة على الخمس الكبار، على مدى زمني أطول امتد لخمس سنوات، عن وجود ارتباط إيجابي بين الشعور بالوحدة والعصابية، وسلبي مع الانبساط والقبول والضمير، في حين لم يكن هناك مؤشر له دلالة إحصائية بين الوحدة والانفتاح. (شملت عينة الدراسة 12 ألف شخص من مرحلة المراهقة المتأخرة إلى المرحلة المبكرة من منتصف العمر). كما ذكرت الدراسة أن الشعور بالوحدة ارتبط بمستويات غير مرغوب فيها اجتماعيًّا لسمات الشخصية، وتطوُّر أقل فائدةً لهذه السمات.

تأثير الخمس الكبار على سلوكيات الأشخاص خلال الجائحة

قالت ولاء حسني، استشارية الطب النفسي في الأمانة العامة للصحة النفسية: إن السمات الشخصية للأفراد تؤثر بشكل كبير على سلوكياتهم خلال الجائحة، وإمكانيات تطوير هذه السلوكيات، مثل الشخصيات العصابية والوسواسية والانفتاحية، وغيرها من الشخصيات.

وأشارت إلى أن عدد مرضى القلق والاكتئاب والوسواس القهري زاد زيادةً ملحوظةً خلال الشهور الماضية، مع انتشار المرض على نحوٍ متزايد، وزيادة حالة الهلع والفقد والصدمة والعزلة الإجبارية، وكان معظم الحالات التي استقبلتها مرضى سابقين انتكسوا أو تطورت حالاتهم سلبًا بسبب الجائحة.

وكانت دراسة نُشرت في 22 يونيو الماضي –عملت على تحليل السمات الشخصية للمقيمين العرب في قطر خلال جائحة كورونا، وتأثير ذلك على التزامهم بالتباعد الاجتماعي، نشرتها المجلة الدولية للصحة العقلية والإدمان- قد كشفت عن وجود علاقة إيجابية كبيرة بين التباعد الاجتماعي وكلٍّ من سمات العصابية والضمير، في مقابل ارتباط سلبي كبير بين التباعد الاجتماعي والقبول.

وقالت الدراسة إن الأفراد الذين يتسمون بالعصابية ويميلون إلى تطوير مشاعر القلق والخوف، والأفراد الذين لديهم مستوى عالٍ من الضمير والمسؤولية الاجتماعية كانوا يميلون إلى ممارسة التباعُد الاجتماعي لتجنُّب العدوى، أما الأشخاص الذين يتسمون بالإيثار والتعاطف وسلوك المساعدة (القبول) فيعطون أولويةً للتفاعلات الاجتماعية ويشاركون في الممارسات الاجتماعية، وهو ما يجعلهم أقل التزامًا بالتباعُد الاجتماعي.

وترى الأخصائية النفسية ولاء حسني أنه من المرجح أن التغيُّرات الحادثة في الشخصية وسلوكيات الأفراد خلال الجائحة لن تدوم، والمؤشر على ذلك هو تعايُش الناس مع الجائحة مع مرور الوقت، وتراجُع مستوى العُصابية وحالة الهلع والقلق المُبالَغ فيه التي شهدناها في الشهور الماضية. وأضافت أن هذا يعود إلى المرونة في الشخصية وقدرتها على التأقلم.