"بينما أتحدث إليك الآن، يجتاح الجفاف والفيضانات أجزاء متعددة من بلادنا، نحتاج بشدة إلى إكمال هذا السور، تحتاج إليه إفريقيا بأكملها لتنجو".. بمزيج من القلق والأمل تحدثت الناشطة البيئية النيجيرية بلانجنان دمشكال لـ"للعلم" عن التهديدات المناخية التي تعاني منها بلدان القارة السمراء، وعن الحلم الإفريقي باستكمال مشروع السور الأخضر العظيم.

 انطلق المشروع بمبادرة من الاتحاد الإفريقي في عام 2007، بهدف إقامة جدار من الأشجار بطول 8 آلاف كيلو متر، يمتد عبر كامل عرض إفريقيا، لمواجهة التصحر واستعادة الأراضي المتدهورة ومحاربة الفقر والجوع وضمان حياة أفضل للشعوب الإفريقية، إلا أنه على مدار عقد كامل لم ينجح المشروع سوى في تحقيق نحو 15% من أهدافه الطموحة.

وترى الناشطة النيجيرية ومؤسسة مبادرة "إفريقيا الصديقة للبيئة" أن "زراعة الأشجار هي الطريقة الآمنة والأرخص لمحاربة تغير المناخ، وكذلك استعادة الأراضي التي تدهورت بفعل الجفاف والفيضانات، وخلق ملايين من فرص العمل للشباب والنساء"، مؤكدةً أنه "مهما بلغت التحديات علينا مواصلة العمل من أجل تحقيق حلمنا".

الناشطة النيجيرية بلانجنان دمشكال خلال إحدى حملات التوعية Credit: Plangnan Damshakal

السور الأخضر في قمة جلاسكو

المبادرة التي انطلقت قبل أكثر من عقد ووقعت عليها 11 دولة إفريقية بمنطقة الساحل من السنغال غربًا إلى جيبوتي شرقًا، تشارك فيها الآن 21 دولة في جميع أنحاء إفريقيا، من بينها مصر، بعد أن تحول السور الأخضر العظيم إلى رمز عالمي للتغلب على التدهور البيئي الذي يهدد البشرية، وجرت تعبئة أكثر من ثمانية مليارات دولار والتعهد بدعمها، وتجمع المبادرة بين البلدان الإفريقية والشركاء الدوليين تحت قيادة مفوضية الاتحاد الإفريقي والوكالة الإفريقية للسور الأخضر العظيم.

التحديات التي تواجه اكتمال المشروع كانت موضوع إحدى جلسات قمة الأمم المتحدة للمناخ السادس والعشرين (كوب26) المنعقدة بجلاسكو، إسكتلندا، بتاريخ 8 نوفمبر الجاري، إذ عُرض خلال الجلسة فيلم وثائقي عنه، تلاه نقاش حول أبرز التحديات، وما يحتاجه الحلم الإفريقي ليصير واقعًا.

وقال كيمو فاتي، مؤسس منظمة Green up Gambia (إحدى الجهات الشريكة في المشروع) خلال كلمته في الجلسة: إن المشروع ظل مجرد مبادرة يناقشها السياسيون قرابة 10 سنوات، وبعد كل هذه السنوات لم يحقق -حتى هذه اللحظة- سوى  قرابة 15% من أهدافه الكلية، مضيفًا أن الصعوبة التي تواجه تنفيذ المشروع على الأرض هي أنه لا يوجد تمويل كبير.

وأضاف فاتي: "نحتاج إلى دعم، ليس فقط من الاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية، بل من العالم بأكمله، ونأمل أن ينجح هذا المشروع في إطعام 9 مليارات شخص بحلول عام 2050".

وأشار إلى تحدٍّ آخر يجب العمل عليه حتى ينجح المشروع، وهو إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين بدايةً من القادة إلى الشباب والنساء والأطفال في التخطيط والتنفيذ، قائلًا: "لن ننتظر أحدًا من الخارج ليجعل هذه الأرض خضراء"، ويرى كيمو أن المال اللازم لاستكمال المشروع يمكن أن يأتي إذا تحولت الفكرة إلى حركة عالمية، قائلًا: "هذا السور مبادرة إفريقية لحل مشكلة عالمية، ونحتاج إلى مشاركة العالم أجمع فيها".

تحديات وحلول

وكانت ورقة بحثية نُشرت في مجلة ريجينال إنفيرومينتال تشينج أو ما يعني بالعربية التغيير البيئي الإقليمي (Regional Environmental Change) قد ناقشت عام 2019 أبرز التحديات التي تواجه المشروع وكيف يمكن تجاوزها، مؤكدةً أهمية الجمع بين المعرفة العلمية وتجربة السكان المحليين للعثور على أفضل الحلول من خلال المناهج التشاركية.

كما أفادت أن بناء القدرة على الصمود يتطلب التنسيق والتعاون بين جميع بلدان منطقة الساحل، بحيث لا نضطر إلى "إعادة اختراع العجلة" مع كل مشروع جديد، كما نوهت بأن الاستثمار العلمي في المشروع يضمن أن يتم تصحيح المسار بشكل مستمر تبعًا للظروف والسيناريوهات المناخية، إذ لا يمكن التنبؤ بأنماط هطول الأمطار والجفاف وارتفاع درجات الحرارة مستقبلًا في منطقة الساحل، واختتمت بأن المشروع "خطوة ممتازة في الاتجاه الصحيح، وجدير بالاستثمارات العلمية".

الاستثمار في البحث العلمي

وقالت ديبورا جوفنر -مديرة الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وشريك مؤلف في الورقة- لـ"للعلم": إن هناك تحديات أكبر من المشروع ذاته، تتعلق بحالة الاستقرار السياسي والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المشروع التي من شأنها أن تعطل اتخاذ القرارات، وتصعِّب من إيجاد تعاون محلي، مضيفةً: "كثير من المناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والخدمات الصحية والحاجة للذهاب إلى المدارس، ولذلك عندما تتحدث إلى قاطنيها عن تغيُّر المناخ فإنهم يشعرون بأن لديهم حاجات أساسية ومُلحة أكثر من زراعة الأشجار".

وأشارت إلى أن التغلب على هذا التحدي يحتاج إلى إشراك المجتمع المحلي في صنع القرار واختيار أنواع الأشجار التي تناسب احتياجاته، كأشجار الفاكهة على سبيل المثال، التي يمكن أن تدر له عائدًا يساعده على تحسين حياته، بالإضافة إلى تدريبهم على كيفية التخطيط لهذه المشاريع وتنفيذها بأنفسهم، مضيفةً: "ليس علينا أن نأتي بمشاريع جاهزة من الخارج قد لا تناسب احتياجاتهم المحلية".

وترى أن نجاح المشروع يحتاج إلى الاستثمار في البحث العلمي، قائلةً: "الأمر ليس مجرد زراعة أشجار، لكنه يحتاج إلى إجراء الكثير من الأبحاث لدراسة الظروف المناخية سابقًا، وفي الوقت الراهن والمستقبل، ووضع مختلِف السيناريوهات المستندة إلى معرفة علمية لتحديد نوع الأشجار التي يمكن زراعتها وأين وكيف، بالإضافة إلى برامج للإشراف والمتابعة؛ فكثير من الأشجار في ظل الظروف المناخية الحالية لا يمكنها النجاة، كما أننا بحاجة إلى الإجابة عن سؤال مهم: هل الأشجار هي الخيار الأمثل في كل الظروف؟ أم أن هناك مناطق سيكون الأكثر مناسبةً لها زراعة حدائق تديرها النساء؟ أو غير ذلك".

وحذرت من أنه إذا استمر المشروع دون إستراتيجية بعيدة المدى، وإذا لم يتم إجراء الدراسات الضرورية، فسيكون من الصعب أن ينجح في تحقيق أهدافه.

مياه الصرف المُعالَجة

وقال مجدي عبد الحميد -رئيس قسم النبات بالمركز القومي للبحوث- لـ"للعلم": إن هناك بعض الدول الإفريقية التي التزمت ونجحت بالفعل في زراعة عدد ضخم من الأشجار مثل إثيوبيا والنيجر والسنغال، وهناك دول أخرى لم تنجح في تحقيق نجاح كبير، سواء بسبب ظروف عدم الاستقرار السياسي أو غياب المتابعة ونقص الموارد، وبشكل خاص نقص المياه، مضيفًا أن "الجفاف بيئة غير مناسبة لري الأشجار التي زُرعت".

وتمر الأراضي الرئيسية من السور الأخضر العظيم في مناطق جافة وشبه جافة في الجانبين الشمالي والجنوبي من الصحاري، وتغطي المنطقة الرئيسية للسور 780 مليون هكتار، ويسكنها 232 مليون شخص، ولوقف تدهور الأراضي بالمنطقة وإصلاحه يجب استصلاح نحو عشرة ملايين هكتار سنويًّا، وفق التقييم العالمي للأراضي الجافة الذي أجرته منظمة الفاو وشركاؤها في 2015-2016.

جرى الحصول على هذه البيانات من خلال تحليل عينات 63 ألف قطعة أرض، مساحة كلٍّ منها نصف هكتار منتشرة في الأراضي الجافة في شمال إفريقيا والساحل الإفريقي والقرن الإفريقي من خلال أداة Open Foris  لجمع المعلومات عن كوكب الأرض التي طرحتها الفاو، وصور الأقمار الاصطناعية العالية الوضوح التي وفرتها "غوغل"، و"إيرث إينجن"، و"بينغ مابس".

وانتهى التقييم إلى التوصية بإعداد الأراضي التي تعاني من تدهور شديد على نطاق واسع، واستخدام البذور ومواد الزراعة عالية الجودة، وإشراك المجتمعات في اختيار الأنواع المحلية الأصلية التي سيتم استخدامها.

ويرى "عبد الحميد" أنه يمكن التغلب كذلك على مشكلة الجفاف من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الصحي والزراعي بعد معالجتها، وأشار إلى أن مصر وضعت الكود المصري رقم 501 لعام 2005، الذي يوضح معايير استخدام مياه الصرف المُعالَجة في الزراعة، قائلًا: "يمكن للدول الإفريقية الاستفادة من هذا الكود الذي يوضح القواعد المنظمة لإعادة الاستخدام الآمن للمياه ودرجات المعالجة وأنواع الأشجار التي تصلح، فعلى سبيل المثال الأشجار الخشبية يمكنها أن تتحمل درجات ملوحة أعلى من أشجار الفاكهة والمحاصيل الزراعية، ولذلك تصلح بشكل كبير للري بمياه الصرف المعالجة"، مضيفًا: "هذا الاتجاه تتبناه وزارة البيئة المصرية في زراعة الأشجار الخشبية وريها بعدد من المحافظات، ولدينا تجربة ناجحة في هذا المجال".

وتنفذ مصر مشروع الحزام الأخضر حول القاهرة الكبرى والمدن الجديدة، حيث يتم ري الأشجار التي تزرع بالتنقيط بمياه الصرف الصرف الصحي المُعالَجة، وانتهت مصر من المرحلة الأولى من المشروع الذي يمتد على أربع مراحل عام 2006؛ إذ جرت زراعة 65 ألف شجرة في 12 صفًّا من أشجار الكافور أو الكازورينا والسرو والأكاسيا، وجارٍ تنفيذ باقي المراحل التي تستهدف زراعة أشجار على مسافة بطول 100 كم وبعرض 25 مترًا على الجانبين.

ومع الظروف الصعبة التي تعاني منها المنطقة، يحتاج السور الأخضر العظيم إلى تضافر الجهود،  ليس فقط على المستوى المحلي والإقليمي، ولكن على نطاق عالمي يسمح بتوفير الدعم المالي والعلمي اللازم لنجاح المشروع في استكمال أهدافه، فكما تقول الناشطة النيجرية بلانجنان دمشكال: "هذا المشروع هو ما تحتاج إليه هذه المنطقة، التي مرت وما زالت تمر بظروف مناخية قاسية؛ لنضمن حياةً أفضل لأنفسنا وللأجيال القادمة".