ربما تبدو فكرة إلقاء قنبلة انفجار هوائي لاستهداف المقاتلين الذين يختبئون في أنفاق في باطن الأرض في البداية فكرةً غير منطقية، حتى لو كانت تلك القنبلة هي أكبر قنبلة غير نووية على الإطلاق تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية في أية معركة. في الواقع، قنبلة الانفجار الهوائي هائل الذخيرة جي بي يو-43، والتي تُعرف باسم "أم القنابل"، التي قصفت بها القوات الجوية الأمريكية مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والأنفاق التي يتحصنون بها في منطقة أشين بمقاطعة نانجارهار في أفغانستان، لم تضرب الأرض على الإطلاق، غير أن الموجة الطاحنة من ضغط الهواء الذي ولدته القنبلة التي يصل وزنها إلى 9979 كجم (22 ألف رطل) تقريبًا قادرة على أن تمحو أي شخص في محيط انفجار القنبلة من الوجود. ولا شك أن استخدام هذه القنبلة قد بث رسالةً واضحة، مفادها أن إدارة الرئيس ترامب مستعدة لاستخدام قوة لم يسبقه إليها أي رئيس أمريكي آخر.

ويقول إدوارد بريست -مراقب المعارك السابق بوحدة العمليات الخاصة بالقوات الجوية الأمريكية، والذي تقاعد من الجيش في عام 2015-: إن "أم القنابل" (والتي تُعرف أيضًا باسم قنبلة الوقود الهوائي)، على عكس القنابل المصممة لاختراق المباني أو الأنفاق تحت الأرض، لها "فتيل استشعار مسافات" في مقدمتها، يعمل على إشعال الرأس الحربي بمجرد الوصول إلى ارتفاع محدد، والذي قد يكون بين 15 إلى 305 أمتار تقريبًا (50 إلى 1000 قدم). ويوضح بريست: "عندما تنفجر هذه القنابل، فإنها تُطلق وقودًا بقوة في الهواء يتحول إلى ذرات أو رذاذ، ثم يقع انفجار آخر يشعل ذلك الوقود".

وكما يوضح بريست فإن قنبلة الانفجار الهوائي "لا تُطلق الكثير من الشظايا كما هو متوقع من قنبلة عادية، بل يعتمد الأمر كله على الضغط المفرط الناتج عن الانفجار، والذي يمكنه أن يحطم الأشجار ويستخدمها لتكون هي نفسها الشظايا. وهذا النوع من القنابل لن يؤتي ثماره المتوقعة، على سبيل المثال، عند تدمير الدبابات، على الرغم من أن الضغط المفرط من شأنه أن يقتل مَن بداخلها. إنها تعرض أولئك الأشخاص المختبئين داخل الكهوف لذلك الضغط المفرط، ولن نتمكن من العثور عليهم أبدًا؛ إذ إنها تفجر الرئتين تمامًا؛ أي يمكن القول بأن هذه القنبلة تقتلهم بقلب أحشائهم إلى الخارج".

ويعود تاريخ استخدام قنابل الانفجار الهوائي في أفعانستان إلى بداية وصول القوات العسكرية الأمريكية إليها عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مدينتي نيويورك وواشنطن العاصمة. فقد أطلقت القوات الجوية الأمريكية العديد من قنابل الانفجار الهوائي بلو-82، والتي تُعَد سلفًا أصغر حجمًا لقنبلة "أم القنابل"، في أثناء الأيام الأولى لصراعها مع تنظيمي طالبان والقاعدة، وهذا يشمل معركة تورا بورا في ديسمبر 2011. وقد توقف استخدام قنابل بلو-82، المعروفة أيضًا باسم "ديزي كاتر"، تدريجيًّا في السنوات التالية. ويقول إيه. جيه. كلارك، محلل سابق بالمخابرات الحربية ورئيس شركة "ثيرموبيلاي للعلوم + التكنولوجيا" (Thermopylae Sciences + Technology)، والتي تقدم تكنولوجيا معلومات جغرافية مكانية: "إنها ذخيرة شديدة القوة. ربما يكون استخدام هذه القنبلة منطقيًّا إذا كان هناك تركيز لقوات الأعداء في المنطقة، ولكنها ليست قنبلة تود استخدامها عندما تكون هناك قوات صديقة أو مدنيون بالقرب من منطقة القصف، فلا سبيل للتحكم في تأثيرها".

إن قرار استخدام "أم القنابل" في هذا الوقت على الأرجح هو قرار سياسي قدر كونه قرارًا استراتيجيًّا. فيقول بريست: "عندما تستخدم إحدى هذه القنابل، فإن الهدف الأول من استخدامها، أكثر من أي شيء آخر، هو أن تقدم للعالم بأسره إعلانًا جريئًا؛ وفي هذه الحالة ذلك الإعلان هو تأكيد عزم الولايات المتحدة الأمريكية على القتال في أفغانستان". وأضاف بريست أن هذه القنابل تتمخض عن سحابة عيش غراب هائلة الحجم، يمكن رؤيتها من على بُعد أميال.

ويتفق معه كلارك في هذا الرأي، إذ يقول: "لقد جرى تطوير هذه القنابل لتأثيرها النفسي أكثر من أيٍّ من آثارها الأخرى". ويضيف كلارك إن القوات العسكرية تستخدم القنابل "مخترقة التحصينات" لاختراق المخابئ تحت الأرض في بعض المواقف، ولكن على الأرجح الكهوف التي كانت تستهدفها هذه المرة أعمق من أن يكون لهذه القنابل أي تأثير عليها. ويرى كلارك أنه بعد الوصول إلى طريق مسدود في أفغانستان على مدار السنوات الخمس الماضية، فإن قصف نانجارهار من شأنه أن يُعلن صراحة للعالم "أن الولايات المتحدة الأمريكية تنقل المعركة في أفغانستان إلى مستوى جديد".