الإجازة: كلمة ذات وقع سحري محبب للجميع، فالكل ينتظرها من وقت لآخر، وأحيانًا بفارغ الصبر؛ لكسر حالة الملل والتخلص من المسؤوليات الدورية والروتينية. والشعور الجيد تجاه الإجازة لا يعني مطلقًا تفضيل الكسل وعدم الجدية والرغبة في الهروب من الواجبات، بل هو حالة طبيعية تعكس مطالبة أجهزة الجسم بالتوقف قليلًا لشحن الطاقة من جديد.

تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الإجازة هي الطريقة المثلى لتحسين الأداء الإدراكي للإنسان، فهي ليست مجرد وقت يقضيه الإنسان متوقفًا عن أداء ما اعتاد فعله بشكل عام، بل إنها ذات تأثير كبير ومهم على الصحة النفسية والعقلية والجسدية للإنسان، وفق ما تؤكده نتائج دراسة أمريكية حديثة صادرة عن جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو.

كما أشارت الدراسة إلى أن الوقت الذي نقضيه في الإجازة يساعد على الحد من العمليات البيولوجية الضارة المرتبطة بالتوتر، وهو ما ينعكس بالإيجاب على الصحة العامة للإنسان؛ "فكلما ابتعدنا عن مشاغل الحياة ومسؤولياتها وبحثنا عن الاسترخاء لبعض الوقت، لاحظنا على أنفسنا تغيُّرات إيجابية"، هذا ما توضحه أليسا س. أبيل، أستاذ الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا والباحثة الأولى في الدراسة.

تحسين وظائف الدماغ

إذًا فنحن لا نكون بعد الإجازة كما كنا قبلها؟ "بالتأكيد لا"، تقولها بحزم نيهال حسن، مدربة تنمية المهارات ومسؤول الموارد البشرية بإحدى الشركات، فهي تؤكد أن الإجازة من أهم المحفزات التي تؤثر بشكل إيجابي على أداء الموظفين، إذ يكون الموظف قادرًا على اتخاذ قرارات أفضل، وتكون رؤيته وتقييمه للأشياء أوضح، كما يستطيع أن يجد حلولًا مبتكرة لمشكلات العمل، وذلك على العكس تمامًا من وضعه قبل الإجازة.

وتشدد حسن على أن هناك مؤشرات تدل على أن القدرة الإدراكية للشخص أصبحت متدنية ولا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وهو ما ينتج عنه قرارات غير صحيحة ودون دراسة جيدة؛ إذ تسيطر على الشخص العصبية والتوتر فلا يحسن التعامل مع مَن حوله، ويصبح كثير النسيان، وهو ما يسمى علميًّا بمتلازمة الاحتراق النفسي burnout الناتجة عن الإجهاد العقلي والنفسي الذي تتسبب فيه ضغوط العمل.

وهذا السلوك غير الطبيعي ليس إلا إشارات يرسلها المخ للتعبير عن احتياجه إلى التوقف عن العمل. ولذلك -وفق حسن- فإن المنشآت تكون مجبرة أحيانًا على استخدام حقها القانوني بإعطاء العاملين إجازة إجبارية قد تصل إلى ستة أيام متتالية تُخصم بعد ذلك من رصيد إجازاتهم السنوية.

في أحيان كثيرة، نرى حولنا العديد من هؤلاء الأشخاص أو نكون نحن أنفسنا منهم، ونظل نتعجب ونبحث بشتى الطرق عن أسباب لهذه الحالة دون أن ندرك أن الحل غاية في البساطة: أخذ إجازة!

من المؤكد أن الإرهاق والتوتر والتعرض لضغوط العمل فترات طويلة لا يؤثر فقط على السلوك والنشاط العقلي للإنسان، بل يؤثر على صحة الجسم بشكل عام ويمثل سببًا رئيسيًّا للإصابة بالأمراض الخطيرة، والعكس تمامًا يحدث عندما يهتم الإنسان بخلق توازن بين العمل والراحة في حياته وتكريس وقت للتأمل والاسترخاء.

أضرار ومخاطر

إن الحديث عن الارتباط بين الضغوط والتوتر وبين صحة الإنسان، خاصة مع الإيقاع الصاخب المتسارع للحياة، أصبح يفرض نفسه يومًا بعد يوم على الساحة العلمية التي لا ينفك باحثوها يدقون ناقوس الخطر ويطلقون التحذيرات من مخاطر الاستمرار في السير في الحياة دون التوقف لالتقاط الأنفاس وتمضية بعض الوقت في التأمل والاسترخاء.

وقد أثبت العديد من الدراسات العلمية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الضغط العصبي المستمر وإصابة الإنسان بأمراض عقلية مثل ألزهايمر، ويشير بعضها إلى أن الذاكرة تتأثر بشدة والخلايا تصاب بالشيخوخة كرد فعل للنهج الخطأ في التعامل مع الضغوط.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالسرطان وأمراض القلب والأمراض النفسية على القائمة الطويلة -بل والمخيفة- لتأثير الضغوط، كما يوضح وسام الشريف، أستاذ علاج الأورام المساعد بمستشفى القصر العيني، قائلًا: "هناك المزيد من الدراسات التي تتجه للبحث عن العلاقة بين الضغوط التي يتعرض لها الإنسان لفترات طويلة ومتتالية وبين إصابته بالأمراض المزمنة".

ويضيف الشريف: تربط هذه الدراسات ربطًا مباشرًا بين احتمالات الإصابة بهذه الأمراض وبين العمل لفترات طويلة والتعرض لضغوط دون الحصول على قدر كافٍ من الإجازات، وهو ما يؤدي إلى ضعف مناعة الجسم والتشتت الذهني والاكتئاب".

ويوضح الشريف أن العديد من العاملين لا ينتبهون لأهمية الإجازة، قد يكون ذلك بسبب ثقافة رؤساء المنشآت الذين يبدون التقدير ويميزون كل مَن يضحي بإجازاته أو تمتد ساعات عمله لما بعد مواعيد العمل الرسمية.

فمن خلال عمله، يتعرض الشريف للكثير من ذوي الأمراض المزمنة والخطيرة، وبالبحث حول نمط حياتهم، يكتشف أن الضغوط المتواصلة دون راحة كانت ضمن الأسباب الرئيسية لإصابتهم بتلك الأمراض. وعليه فإن قضاء إجازة هادئة بين الحين والآخر وتغيير نمط الحياة بحيث يصبح الاسترخاء والتأمل جزءًا من الروتين الحياتي، هو أول وأهم خطوة في العلاج.

"أجهزة الإعلام مَنوط بها نشر هذه الثقافة وتعريف المواطنين بنمط الحياة السليم المناسب للحياة العصرية السريعة والمضغوطة التي نعيشها، فالاسترخاء لفترة لم يعد من الكماليات، بل هو سلوك أساسي يجب أن يتبعه الإنسان للحفاظ على صحته"، كما يؤكد الشريف.

متى وكيف؟

 إذًا، التوقف عن الجري باسم العمل أو المسؤوليات ولو لفترة وجيزة، وتكريس بعض الوقت للتنفس بعمق والاسترخاء والتأمل لإبطاء حركة محركاتنا الداخلية؛ أصبح ضرورة لا يجب الاستهانة بتأثيرها علينا.

السؤال الحقيقي: هل نعلم كيفية القيام بذلك بالطريقة الصحيحة؟ وهل نعلم متى وكيف يجب اتخاذ القرار بالانسحاب لبعض الوقت والانفصال عن العمل؟

"لكي يحافظ الإنسان على توازنه النفسي وصحته الجسدية لا بد أن يمضي إجازة لا تقل مدتها عن ثلاثة أيام، تتكرر من ثلاث مرات إلى أربع على مدار العام، بخلاف إجازات نهاية الأسبوع"، هذه هي الوصفة المثالية لكي يتخلص الإنسان من ضغوطه ويفرغ الشحنة السلبية من داخل جسده، وفق تقدير أخصائية الأمراض النفسية سلوى نويشي، الأستاذ بكلية الطب في جامعة عين شمس، والتى تشدد على أنه "يجب أن تكون الإجازات الأسبوعية بمنزلة فاصل قصير يجري الاستفادة منه أيضًا، وعدم إهداره كله في إتمام المسؤوليات المتراكمة خلال الأسبوع".

ولكن من المؤكد أن الإجازة لن تكون مؤثرة إلا إذا قُضيت بالشكل السليم. وتعد أفضل طريقة للاستفادة من الإجازات هي السفر، أو على الأقل الخروج إلى الأماكن المفتوحة.

رحلات العائمات بين الأقصر وأسوان من أجمل الإجازات التي يمكن أن تقضيها على الإطلاق
Getty Images/iStockphoto Thinkstock Images \ WitR

وفي أثناء أيام العمل، يجب على العامل أن يتوقف لدقائق أو ثوانٍ ليسترخي بإغماض عينيه وتخيل منظر طبيعي أو تذكر موقف مبهج، فالتجارب المكتسبة من السفر وزيارة أماكن مختلفة، والنظر والتأمل في الطبيعة؛ لها قدرة كبيرة على تقوية جهاز المناعة وتصفية الذهن واكتساب طاقة إيجابية.

الانطلاق إلى الطبيعة!

يكون الانسان في أفضل حالاته عندما ينطلق في الخلاء ويقترب من الطبيعة؛ لأنه هكذا يعود لأصله وحقيقته، ويبتعد عن عوامل التشويش في حياته التي تدور دائمًا داخل جدران أماكن مغلقة تحد من قدراته وتدمرها. لهذه الأسباب المدعومة بالعديد من الدراسات الحديثة، أصبح الكثيرون يخصصون وقتًا للتأمل واليوجا، سواء بشكل فردي أو بالمشاركة في مجموعات في أحد المراكز التي أصبحت منتشرة بشكل كبير. كما تخصص بعض المنتجعات الشاطئية وقتًا للتأمل ضمن برامجها الترفيهية.

وقد أفادت نتائج دراسة حديثة أجراها علماء من جامعة هارفارد ومن مدرسة الطب بماونت سينا في كاليفورنيا أن الأشخاص الذين قضوا إجازة مارسوا فيها التأمُّل تأثرت خلاياهم بشكل سريع وقوي، وتحسنت كفاءة أجهزتهم الحيوية بشكل عام.

لقد تمكن القائمون على الدراسة من التمييز بسهولة في أثناء البحث، بين خلايا الأجساد التي مارست التأمل لفترة طويلة ومثيلاتها في الأجساد حديثة العهد بهذه الممارسة، كما جرى فحص جيناتهم بشكل دوري طوال مدة الإجازة، وكانت النتيجة إثبات ارتباط النشاط الجيني بالتوتر وبكفاءة جهاز المناعة.

 "بناء على النتائج التي توصلنا إليها فإن الفائدة التي تعود على الإنسان من ممارسة التأمل ليست نفسية وروحية فقط، بل هناك علاقة وثيقة بين التأمل والتغيُّرات التي تحدث بأجسادنا"، هذا ما يوضحه رودولف تانزي، أستاذ طب الجهاز العصبي بجامعة هارفارد. إذًا، فالعلماء لم يتركوا مجالًا للشك للتدليل على أهمية الإجازات، وخاصة إذا قمنا فيها بالتأمل لتكتمل الفائدة.

إجازة من الإجازة!

ولكن لماذا نشعر أحيانًا بالحاجة لإجازة بعد العودة من الإجازة؟ فالكثيرون يشعرون بعدم الرغبة في العودة الى أعمالهم مع عدم التخلص من التوتر والإرهاق الذي كان يجب التخلص منه خلال الإجازة.

توضح إيمان مندور -مدربة المهارات- أننا في بعض الأحيان نقضي إجازة دون أن نخلع رداء العمل. أو بمعنى آخر لا نهيِّئ أنفسنا للانفصال بأذهاننا عن الدور الذي نؤديه طوال الوقت في المكتب. وتشدد مندور على أن الهدف من الإجازة هو الهروب من كل الأدوار الاعتيادية والتحرر من كل القوالب الجامدة، لا أن نقوم بذات الأدوار ولكن في أماكن أخرى!

وتضيف: فالمدير الذي يذهب في إجازة على الشاطئ، ولكنه يظل على اتصال بفريق عمله لكي يتابع الأخبار، أو الأم التي تظل تجهز الطعام قبل الإجازة وفي أثنائها بنفس النمط التي تتبعه طوال العام لا تُعتبر إجازاتهم إجازة حقيقية؛ إذ يعودون إلى أعمالهم دون التخلص من الأعباء النفسية أو الجسدية!

إن وصول الإنسان إلى مرحلة من النضوج النفسي والتحرر من القوالب والمعايير المحددة سلفًا للأشياء يُمَكنه من أن ينفصل عن أدواره المعتادة ويسترخي ويتأمل ويستمتع بالإجازة؛ كي يعود بذهن متجدد وروح صافية، فيصبح أكثر سعادة وبالتالي أكثر فاعلية.