ملحوظة المحرر (8/8/2016): فاز السباح الأمريكي مايكل فيلبس بميداليته الذهبية التاسعة عشرة ليلة أمس حين تُوِّج فريق الرجال الأمريكي بالفوز في سباق 4×100 متر تتابع في الألعاب الأولمبية التي تحتضنها ريو دي جانيرو. ونود التنويه إلى أن المقالة التالية قد نُشرت أول مرة عقب أداء فيلبس المذهل في دورة الألعاب الأولمبية في بكين 2008.

بينما حصد مايكل فيلبس ثماني ميداليات ذهبية في الألعاب الأولمبية لهذا العام في إنجاز غير مسبوق، يتساءل الكثير من الصحفيين عما يساعد فيلبس على التفوق في المنافسة (بشكل قانوني بالطبع، رغم أن الاتهامات بتعاطي المنشطات قد مسَّت لاعبين أولمبيين آخرين في بكين). وبغض النظر عن إصرار فيلبس وعزيمته على النجاح -حسبما أشارت هيئة الإذاعة الاسترالية– وتدريبه المتميز بلا شك، فهل يمكن أن يكون جزء من موهبته (ومثله كثير من الرياضيين) راجعًا لتشريح جسمه؟

أشارت صحيفة "تورنتو صن" إلى أن السبب قد يرجع إلى المسافة الأطول نسبيًّا بين ذراعيه ممتدتين؛ إذ إن المسافة بين ذراعيه ممتدتين من أقصى الطرف إلى أقصى الطرف الآخر تصل إلى 203 سنتيمترات، ويبلغ طول جسمه 193 سنتيمترًا. وفي أغلب الأوقات، يكون طول الشخص متوافقًا مع المسافة بين ذراعيه ممتدتين (تذكر لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة "الرجل الفيتروفي" لرجلٍ عارٍ، والتي تعرض النسب بين الذراعين والساقين وجذع الجسم). ربما يكون هذا الامتداد الإضافي هو ما أعطى فيلبس هذا الفوز الصعب بفارق طفيف على ميلو كافيك بطل صربيا في نهائي سباق 100 متر فراشة يوم السبت الموافق 16 أغسطس، عندما فاز الأمريكي بفارق واحد من مئة من الثانية.

كما يُشاع أن فيلبس -وفقًا لمدونة "ديترويت نيوز"- مزدوج المفاصل؛ إذ يقال إن قدميه التي يبلغ مقاسها 14 [48 على المقياس الأوروبي] تلتوي بزاوية 15 درجة إضافية عند الكاحل مقارنة بمعظم السبَّاحين الآخرين، مما يجعل قدميه بمثابة زعانف افتراضية. وتمتد هذه المرونة كذلك إلى ركبتيه ومرفقيه، الأمر الذي قد يساعده على تحقيق استفادة أكبر في كل تجديفة بذراعيه في الماء.

هل تشكل أي من هذه المزايا التشريحية المزعومة فارقًا كبيرًا؟ للتأكد من ذلك، أجرت النسخة الإلكترونية من مجلة "ساينتفك أمريكان" حوارًا مع إتش ريتشارد وينر، وهو طبيب باطني وطبيب سابق لإحدى الفرق الرياضية، كما أنه درس الطب الرياضي في جامعة ويسكونسن بميلووكي، ويصادف أيضًا أنه كان أحد أعضاء فريق All-America للسباحة.

وفيما يلي نص منقح للحوار الذي أُجري معه.

ما رأيك في الأفكار المتعلقة بالمزايا التشريحية في جسد فيلبس؟

حين يحقق شخص ما إنجازًا مذهلًا من الناحية الإحصائية، كالفوز بثماني ميداليات ذهبية مثل فيلبس، يحاول البعض إيجاد سبب بعيد الاحتمال لذلك، مثل أن نقول إنه يتميز بتكيُّف فسيولوجي غريب أو تشريح جسدي عجيب، بيد أن معظم الأشياء التي يمكنك قياسها في البشر تقع داخل نطاق متوقع.

ما رأيك بشأن القول بأن ذراعي فيلبس الطويلتين يعطيانه ميزة؟

إذا تساوى شخصان في الإمكانات وفي كل شيء، فإن الشخص الأطول -بذراعيه الطويلتين- سيسبح أسرع من شخص قصير. الكثير من القوة الدافعة في السباحة تأتي من الدفع بالذراع وليس الركل بالقدمين، لكن الشخص الذي فاز بسباق سباحة الصدر رجال 100 و200 متر يبلغ طوله 1.78 متر، وهو السباح الياباني كوسوكي كيتاجيما. ويبلغ طول مات جريفيرز -وهو سباح أمريكي من جامعة نورث وسترن في إلينوي- 2.03 متر، وقد وقفت إلى جواره وأجزم أن طول ذراعيه يتناسب أكثر مع شخص يبلغ طوله 2.13 متر. وإذا رأيته يمارس سباحة الصدر وأنت تقف إلى جانب المسبح، فستشعر وكأن شجرة تخرج من المياه. وقد أبلى جريفيرز بلاءً حسنًا لكن ليس بكفاءة فيلبس، ومن ثَم فإن الطول في حد ذاته لا يكفل النجاح.

وماذا عن نِسَب الجسم، كما في طول الساقين مقارنة بحجم الجذع، وما إلى ذلك - هل ينطوي ذلك على أية ميزة؟

حسنًا، لقد سمعنا أن فيلبس يمتلك جذعًا طويلاً وساقين أقصر من المتوقع، وأن ذلك يعطيه دفعة قوية عند الارتداد عن الحائط. ولكن هنا توجد مشكلة: إذا كان هناك شخصان لهما نفس الطول يحاولان الارتداد عن الحائط بعد قطع لفة في حمام السباحة، فإن الشخص ذا الساقين الأطول سيضرب الجدار من مسافة أبعد، من ثَم تكون له نقطة الانطلاق الأفضل في طريق العودة.

وماذا عن القول بأن كاحلي فيلبس يمكنهما الانثناء بصورة أكبر من الآخرين؟

صحيح أن المفاصل الأكثر مرونة تمنح صاحبها ميزة، ولهذا فإن تمارين إطالة العضلات تساعد الرياضيين كثيرًا. إلا أنني غير مقتنع بأن فيلبس لديه مرونة أكثر من السباحين الآخرين الذين يشاركون في نفس المسابقات التي يفوز فيها. نعم، بطبيعة الحال لدى المقارنة بشاب عادي يسير في الشارع يبلغ من العمر 23 عامًا، قد يكون فيلبس أكثر مرونة منه، إلا أنه كذلك يمتلك بِنية ولياقة أفضل منه بكثير. وإذا كان لديه بعض المرونة الواضحة في كاحليه، فإنه على الأرجح ليس أكثر مرونة بقدر كبير مقارنة بمنافسيه.

وماذا عن المفاصل المزدوجة؟

من الناحية الميكانيكية، المرفقان والرسغان اللذان ينثنيان بسهولة لا يمثلان أية ميزة. فإذا استخدمت قوة مفرطة على أحد المفاصل غير المستقرة، فإنك تُعرضه للإصابة، قد تكون مفاصل فيلبس لينة أكثر، لكن هذا قد يمثل عيبًا وليس ميزة في غرفة رفع الأثقال.

وثمة ادعاء مضلِّل آخر، هو أن لديه القدرة على استغلال الأكسجين بطريقة أفضل من الآخرين، ونظرًا لأن هذا يتطلب تشريح جثة فيلبس، فمن الصعب الحكم على هذه النقطة في الوقت الحالي.

 

إذًا ما السبب وراء نجاح فيلبس برأيك؟

يملك فيلبس آليات متميزة في تجديف الماء بذراعيه، ولا شك أن هذا يساعده كثيرًا. يتميز بعض السباحين أيضًا بما يطلق عليه "العبقرية الحركية"، وهي مَلَكة الإحساس بتحرُّك المياه من حولهم، والتحكُّم في مقدار المياه التي يزيحونها. ومن باب القياس، فكر في لاعب التنس الذي يرسل ضربات خلفية ويبدو أنه يعي أكثر من أقرانه المكان الذي ستتجه إليه الكرة. وقد أشيع قبل ذلك أيضًا أن مارك سبيتز (السباح الذي تُوِّج بسبع ميداليات ذهبية في أولمبياد ميونيخ 1972) كان جسده يتمتع بمميزات تشريحية. شاركت أنا وسبيتز في السباقات نفسها، وقد أنهاها هو في وقت أسرع بكثير. لكن لم يبدُ لي أن لديه ستة أصابع. دائمًا ما يشاع أن كل من يحقق نجاحًا في عالم الرياضة يملك ميزة فريدة، بيد أني لم أر ذلك يثبت على أرض الواقع.

يمكنك مقارنة الأمر على تيد ويليامز (أسطورة البيسبول)؛ فقد قيل عنه إنه يمكنه أن يرى خياطة الكرة المرسلة إليه وهي تدور، ومن ثَم يمكنه أن يعرف من طريقة دورانها ما إذا كانت الكرة سريعة أم منحرفة. لكنني أشك في ذلك، فهو أشبه بقولنا إن بعض الناس يملكون موهبة فكرية خاصة. فلماذا إذًا يكون هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم مَن يعكفون على المذاكرة والدراسة طوال الوقت؟ على الأرجح لم يولد تايجر وودز قادرًا على ضرب الكرة لمسافة 250 ياردة في خط مستقيم، لكن عقب التدرُّب على آلاف الكرات، نجح في اكتساب هذه المهارة.

في رأيك ما السبب وراء تكرار مثل هذه الأفكار المتعلقة بالميزة الفسيولوجية؟

أعتقد أنه من الصعب على الناس أن يصدقوا أن الأمر يتعلق بآليات التجديف التي يتميز بها فيلبس أو أي سباح آخر. ما لم يظهر تفسير آخر يبدو مناسبًا، فإنهم يميلون إلى اعتقاد أن هذا الشخص إما متورط في الغش أو يتعاطى المنشطات. إنهم لا يصدقون أن الأمر يتعلق بالتدريب المكثف فحسب. انظر ماذا حدث مع لانس أرمسترونج الذي فاز بسباق فرنسا الدولي للدراجات سبع مرات متتالية واتُّهم بالغش، ومع ذلك لم تجد السلطات ما يثبت ذلك.

إذًا هل تعتقد أن هناك بعض الصحة في ادعاءات "المَلَكة البدنية الفطرية"؟

أنا على يقين بأننا إذا أجرينا فحصًا وقياسًا بدنيًّا شاملًا على فيلبس، فسنجد أنه أفضل من المتوسط بالنسبة للسباحة، لكني لا أعتقد أننا سنجد مواصفات غير طبيعية واضحة. وأرى أننا إذا أجرينا قياسات شاملة لجميع اللاعبين المشاركين في الأولمبياد الذين وصلوا إلى النهائيات، فسنجد فوارق بارزة بينهم وبين اللاعبين غير الأولمبيين، لكننا لن نجد أنهم يتمتعون بمواصفات خيالية مثل أن تكون سعة رئتهم أكبر بنسبة 200 بالمئة أو أن عضلاتهم تنكمش بضعف الحد الأقصى لقوة عضلة الإنسان العادي. علينا أن نفكر بالمنطق!