تقول شركة "تيسلا موتورز": إن النظام الذي يُطلَق عليه اصطلاحًا اسم "الطيّار الآلي" في سيارتها الصالون طراز إس S "يريح السائقين من الجوانب الأكثر إرهاقًا في السفر على الطرقات وأكثرها ميلًا للخطورة"، وذلك على حدّ تعبير الشركة نفسها. لكن الجزء الثاني من هذا الوعد أصبح موضع شكّ بسبب حادث تصادم مميت تعرّض له الطراز S في وقت سابق من هذا العام، عندما فشل نظام الطيّار الآلي الخاص به في رصد مقطورة كانت تنعطف أمام السيارة. وتقول شركة تيسلا إن السائق، جوشوا براون، كان قد فشل كذلك في الانتباه إلى المقطورة قبل وقتٍ كافٍ للحيلولة دون الاصطدام بها. أما النتيجة فكانت وفقًا لتعبير الشركة نفسها: "أن المكابح لم تُفعَّل"، وهكذا اندفعت السيارة تحت المقطورة بأقصى سرعة، ما أدّى إلى مقتل براون.

ومنذ ذاع خبر موت براون في يونيو الماضي، والناس في جدلٍ عن الجهة التي يجب أن توجّه إليها أصابع الاتهام: أهي السائق، أم الشركة، أم تقنية القيادة نفسها؟ ولكن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا كانت قد أمضت عقودًا كاملة وهي تدرس التأثيرات النفسية للقيادة الآلية في مقصورات القيادة؛ ويشير مجموع ما نتج عن بحوثها إلى أنه من الوارد أن يكون قد حدث خطأ ما يتحمّل مسؤوليته الأطراف الثلاثة معًا (السائق والشركة وتقنية القيادة). وتعليقًا على المسألة، تقول دانيت آلن -مديرة حاضنات التحكم الذاتي لدى "مركز لانجلي للأبحاث" التابع لوكالة ناسا-: "إذا فكّرت في قابلية تشغيل مقصورة قيادة، فذلك قد ينطبق على الطائرة، أو المكّوك الفضائي، أو السيارة". وتضيف: "لعلّ وكالة "ناسا" قد أفرَدَت لدراسة مسألتَي التحكم الذاتي والتشغيل الآلي سنين أطول مما فعلته أي منظمة أخرى". أما ستيفن كاسنر، وهو عالِم نفس وباحث في "قسم دمج الأنظمة البشرية" لدى وكالة "ناسا"، فيتناول الموضوع بطريقة ساخرة وأكثر صراحة قائلًا: "خبر عاجل: السيارات عام 2017 تعادل الطائرات في عام 1983".

ولا يشير كاسنر حصرًا إلى الآليات الأساسية التي تحافظ على مقدمّة الطائرة مستوية على نحوٍ مشابه لما يفعله مثبّت السرعة في السيارة، بل إنه يعني -والكلام هنا له- "كامل المنظومة"؛ أي الطيران الآلي الحقيقي الذي يبدأ عقب الإقلاع وحتى قُبَيل عملية الهبوط أو شاملًا الهبوط أيضًا. ويضيف: "إن هذه التقنية كانت جاهزة لدينا قبل حتى أن يطُرَح أول ألبوم للمغنية مادونا في الأسواق. وها نحن بعد مضي 33 سنة على ذلك نجد أنفسنا نتناول الحديث نفسه من منظور يتعلّق بالسيارات".

وفيما يلي ثلاث مسائل تعرفها وكالة "ناسا" منذ سنين طويلة عن كيفية تفاعل البشر مع المركبات آلية القيادة، والتي ينبغي على شركة تيسلا أن تعيرها مزيدًا من الاهتمام.

حدود أن يكون المرء "في دائرة السيطرة"

كثيرًا ما يستعمل الناطقون بالإنجليزية العبارة الاصطلاحية “in the loop” (والتي يمكن ترجمتها إلى العربية حرفيًّا بمعنى: "داخل الدائرة") وذلك لوصف مدى ارتباط شخص ما (أو عدم ارتباطه) بعملية اتخاذ القرار. وقليلون هم مَن يعلمون أن لدائرة التحكّم هذه اسمًا في اللغة الإنجليزية هو “OODA” مشتقًّا من الأحرف الأولى للكلمات التالية: Observe (راقِبْ)، وOrient (وجِّهْ)، وDecide (قرِّرْ)، وAct (تصرَّفْ). وكان قد اخترع هذه الهيكلية بالأصل عقيدٌ في القوات الجوية الأمريكية. وللعلم فإن للوجود "داخل" دائرة OODA أو "خارجها" معانيَ واضحة لا لبس فيها. ولكن بتزايد حضور التحكم الذاتي في حياتنا اليومية، تزداد أهميّة فهم سلوك البشر وهم في الحالة البينيّة المعروفة اصطلاحًا باسم “on the loop”، أي "فوق الدائرة".

وتُعرِّف ميسي كامينغز -وهي قائدة طائرة مقاتلة سابقة في سلاح الجو البحري، ومديرة "مختبر القيادة البشرية والآلية" التابع لجامعة ديوك- الوجود "فوق الدائرة" بأنه المراقبة البشرية الإشرافية، أو "التفاعل المتقطّع للمتحكّم البشري مع نظام بعيدٍ للتحكم الذاتي بهدف إدارة عملية أو مراقبة مهام". فعلى سبيل المثال، يقع مراقبو الحركة الجويّة "فوق الدائرة" الخاصة بالطائرات التجارية التي تطير ضمن مجالهم الجوي، وكذلك هم معظم الطيّارين، وذلك بفضل تقنيات التحكم الآلي الدائمة التطوّر الخاصة بحجرات القيادة.

وتشبِّه شركة تيسلا بين نظام الطيّار الآلي وهذا النوع من الطيران "فوق الدائرة"، قائلةً: "إنه يعمل كما تعمل الأنظمة التي يستعملها الطيّارون عندما تكون الظروف مستقرة" على حد تعبيرها. لكن كاسنر يقول إن التشبيه بين الحالتين لا يصحّ، والسبب يعود إلى أن "الطائرة تطير على ارتفاع ثمانية أميال في الجو"؛ وفي حال وقع خطْبٌ ما، فإنه يكون لدى الطيّار عادةً عدّة دقائق للعودة إلى الحالة التي يكون فيها داخل دائرة التحكّم، مستخدمًا إرشادات لحالات الطوارئ والحوادث، وطالبًا المساعدة من الطاقم المرافق. (للمزيد من المعلومات عن هذا الجانب، الرجاء مطالعة مقال ستيفن شلادوفر الذي يحمل العنوان "كيف ستبدو السيارات ذاتية القيادة حقًّا"، والذي كان قد نُشر في عدد يونيو 2016 من مجلة "ساينتفك أمريكان).

بالمقابل، فإن لدى سائقي السيارات زمنًا أقصر بكثير للاستجابة لأي موقف، وذلك لأسباب بديهية. وتعليقًا على ذلك يقول كاسنر: "عندما يظهر شيء من العدم فجأة أمام سيارتك، تكون لديك ثانية واحدة للإتيان بأي تصرّف. فإن كنت ترى أن مَن يقود طائرة نفّاثة يحتاج أن تكون ردّات الفعل لديه بسرعة البرق، فكيف يجب أن تكون ردّات الفعل لدى سائق سيارة؟... يجب أن تكون أسرع!".

بتعبير آخر، إن بيئة القيادة اليومية الاعتيادية لا تتحمّل إلاّ هامشًا ضئيلًا من الأخطاء لدرجة تجعل التمييز بين أن يكون المرء "داخل" دائرة التحكّم أو "خارجها" يتحوّل سريعًا إلى مسألة جدليّة. ومن الناحية العملية، تقرّ شركة تيسلا بهذا الواقع فتحدد الظروف التي يمكن فيها للسائق تفعيل نظام الطيّار الآلي، كأن يكون في مسارٍ خالٍ من السيارات، وأن يسير على سرعات ثابتة نسبيًّا، وأن يستشعر ما يحيط به من سيارات، وأن تكون بحوزته خريطة للمنطقة التي تسير السيارة خلالها"، وذلك وفقًا لما أفادت به مجلّة إم.آي.تي تكنولوجي ريفيو. لكن مقتل براون يوحي بأن نتائج قيادة المرء للسيارة وهو "على الدائرة" قد تكون عديمة الرحمة تمامًا، وذلك حتى لو كان المرء ملتزمًا بالشروط شبه الصارمة المذكورة آنفًا.

حدود الانتباه

بطبيعة الحال، يمكن لإهمال الإنسان في الأحوال العادية أن يحوّل أكثر نظم القيادة الآلية أمانًا إلى شيء مميت. ولهذا السبب، تقول شركة تيسلا إن نظام الطيّار الآلي "يتحقق بين حين وآخر مما إذا كانت يدا السائق على المقود، كما أنه ينبّهه بإشارات مرئية ومسموعة إنْ لم يستشعر وجود اليدين".

لكن لوكالة "ناسا" سابق تجربة في هذا الصدد كذلك. فقد وثّق باحثو الوكالة من خلال دراستهم لحجرات القيادة ذات التحكم الآلي البالغ ظاهرة نفسيّة غريبة ومتكرّرة؛ فكلما ازداد أداء التحكم الآلي حصانةً ضد الأخطاء البشرية، ازدادت صعوبة مراقبة الإنسان لها وهو "فوق الدائرة". وتعليقًا على ذلك، يقول كاسنر: "ما سمعناه من الطيّارين هو أنهم وجدوا صعوبة في تتبّع عملية القيادة الآلية. فإنْ كان المرء يجلس لفترة طويلة وهو يتابع نظامًا ما، وكان النظام يعمل على نحوٍ ممتاز، فإنه سيرهق بشدّة". بل إنه من الصعب للغاية على البشر أن يراقبوا بدقّة عملية متكرّرة لفترات طويلة من الزمن. وكان عالِم النفس، روبرت ماكورث، أول من عرف تلك الظاهرة بـ"تناقص اليقظة" وقام بقياسها في عام 1948، وذلك عندما طلب من اختصاصيّي رادار بريطانيين إمضاء ساعتين متواصلتين لرصد أية أخطاء في الحركة الدائرية لعقارب ساعة تناظرية مجهزة. ولاحظ ماكورث أن دقة اختصاصيّي الرادار تراجعت بشدّة بعد 30 دقيقة؛ وقد وثّقت تجارب أحدث حالاتِ تراجُعٍ مشابهة في اليقظة بعد 15 دقيقة لا غير.

وتعرّي هذه النتائج المكتشفة تناقضًا في الأنظمة مثل نظام الطيّار الآلي الذي تعتمده شركة تيسلا في سيّاراتها؛ إذ إنها كلما ازداد أداؤها كفاءة، فإنها تشجّعنا أكثر على عدم مراقبتها، ولكنها بالمقابل تتطلب انتباهًا مستمرًّا منّا كي تعمل بأمان. فحتى لو فرضنا جدلًا أن جوشوا براون لم يكن يتابع فيلم "هاري بوتر" وهو يقود سيارته، لتآمرت عليه نفسه رغم ذلك.

ووفقًا لما أفاد به بعض الباحثين، فإن هذا التناقض المنطوي على المخاطر مجبولٌ في الطلب على السيارات ذاتية القيادة نفسها. "لا أحد سيُقدِم على شراء سيارة ذات قيادة آلية جزئية [مثل الطراز S من سيارات تيسلا] إذا كان يعلم سلفًا أنه سيضطر بعدها لمراقبة عملية القيادة الآلية"، يقول إدوين هاتشينز، المتخصّص في علم الإدراك، والزميل بمؤسسة ماك آرثر، والذي شارك كلًّا من كاسنر وخبير التصميم، دونالد نورمان، مؤخرًا في كتابة ورقة بحثية عن السيارات الذاتية القيادة. ويضيف هاتشينز شارحًا: "إن الناس بطبيعة الحال تنشغل في سياراتها العادية بالأكل، والتزيّن بمساحيق التجميل، واستعمال الهاتف، والعبث بنظام الترفيه الخاص بها. لذا فهم سيشترون سيارات ذاتية القيادة بشكل كامل كي يتسنّى لهم الإتيان بمزيد من هذه الأفعال، لا أقل!".

القيادة الآلية والتحكم الذاتي

يعتمد منهج شركة تيسلا في تطوير سيارات ذاتية القيادة على ظنٍّ مفاده أن التقدّم التدريجي في مجال القيادة الآلية سيتوَّج يومًا ما "بسيارات ذاتية القيادة بالكامل". وضمنيًّا، تتبنّى "الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق السريعة" هذا الظنّ في تصنيفها الرباعي لمستويات تشغيل القيادة الآلية بالسيارات: فالمستوى الأول يشير إلى أنظمة دعم "خفيّة" للسائقين مثل نظام المكابح المانعة للغلق والمزوّد بخاصيّة حفظ الثبات إلكترونيًّا. أما المستوى الثاني فينطبق على السيارات التي تجمع بين اثنين أو أكثر من أنظمة المستوى الأول؛ ومن الأمثلة الشائعة على ذلك: مثبّت السرعة المتكيّف المقترن بنظام تثبيت المسار. وأما المستوى الثالث فيخصّ "القيادة الذاتية المحدودة" في سيارات مثل الطراز S من تيسلا، إذ "يُتوقَّع من السائق أن يكون حاضر الذهن لمراقبة أداء السيارة بين حين وآخر ولكن مع وجود وقت مريح وكافٍ للتحوّل من الالتهاء إلى الانتباه" على حد وصف الإدارة. ويحذّرنا هاتشينز قائلًا إن المستوى الثالث "هو مكمن المشاكل" على حد تعبيره، ولكن ليس لأن حالة عدم الأمان متأصّلة في التشغيل الآلي الجزئي؛ بل إن الخطر -وفق هاتشينز- يتمثّل في ظن أن "التشغيل الكامل للقيادة الذاتية" (المستوى الرابع في مقياس إدارة السلامة) هو امتدادٌ منطقي للمستوى الثالث. ويشرح الرجل المسألة على النحو التالي: "إن مستويات التشغيل الآلي بمفهوم إدارة السلامة تشجّع الناس على الاعتقاد بأن تلك هي خطًى على الطريق نفسها. لكني أعتقد شخصيًّا أن المستوى الثالث من التشغيل الآلي يقودنا إلى وجهة مختلفة نوعًا ما".

ويبدو أن بعض الشركات الثورية في مجال التقنية مثل جوجل، وبعض شركات تصنيع السيارات التقليدية، مثل فورد وفولفو، توافق هاتشينز الرأي. فكلتا المجموعتين توحي بأنها عازمة على تجاهُل المستوى الثالث من التشغيل الذاتي بالكلية نظرًا لكونه يؤدّي إلى حدوث حالات "عدم تمييز لنمط القيادة" في المواقف الملتبسة. وكانت حالة عدم تمييز نمط القيادة قد اشتُهرت فجأة بطريقة مأسوية عقب كارثة الرحلة 447 للخطوط الجوية الفرنسية، والتي كان طيّاروها غير مدركين أن نظام الطيران بواسطة الإشارات الكهربائية قد فصل نفسه. (ويمكننا مشاهدة مثال أقل كآبة لحالة عدم تمييز نمط القيادة هذا في هذا المشهد المُقتَطَع من فيلم المذيع 2 أو Anchorman 2، والذي يظهر فيه بطل الفيلم رون برغندي وقد أساء فهم إمكانيات مثبّت السرعة إلى أبعد حد).

وبالنظر إلى الوضع الحالي للبحوث في مجال عمل السيارات ذات القيادة الآلية، وكذلك تحقيق إدارة سلامة الطرق السريعة الأمريكية الذي ما زال جاريًا في ملابسات الحادث الذي أودى بحياة براون، يظهر لنا أنه من السابق لأوانه أن نضع اللوم بالكامل على شركة تيسلا أو براون. وعلى الرغم من أن أي نظام قيادة آلية يسجّل أكثر من 200 مليون كيلومتر من القيادة دون وقوع حالة وفاة واحدة (مثلما فعل نظام الطيّار الآلي) يُعدّ إنجازًا مذهلًا، فإن المستوى الثالث من التشغيل الآلي قد يمتلك مواصفات تجعله غير مناسب للسيارات، حتى وإن كان يعمل بطريقة موثوقة في مجال الطيران وغيره. ورغم أن فهم الثغرات النفسية المرتبطة بالتشغيل الآلي لن يعيد براون إلى الحياة، إلاّ أننا نأمل أن يساعدنا فهمها على الحيلولة دون وقوع مزيد من حوادث الموت مع استمرار تطوّر السيارات الذاتية القيادة.