[إميتسبرج، أيوا] يعد مشروع محطة ليبرتي، الذي تبلغ تكلفته 100 مليون دولار، أحد المجهودات الضخمة لإنتاج الإيثانول بغرض استخدامه وَقودًا للسيارات، بطريقة تتجاوز الجدال الطويل حول استعمال المحاصيل الزراعية في إنتاج الوقود بدلًا من استخدامها للغذاء، كما تتجاوز عناد المزارعين ورفض البعض استخدام الوقود الحيوي. وهذه المنشأة الضخمة هي نتاج رحلة استمرت ستة عشر عامًا، خاضها جيف بروين، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة المنتجة للإيثانول المعروفة باسم بويت POET. وبدأت هذه الملحمة بمشروع تجريبي صغير في مدينة إسكتلندا بولاية داكوتا الجنوبية، وتقدمت بفضل منحة مالية قيمتها 105 ملايين دولار من أموال دافعي الضرائب، قدمتها وزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية.

استثمرت الحكومة في هذا المشروع، على أمل أن يساعد الوقود الحيوي المتقدم في تخفيف وطأة التلوث والاحتباس الحراري الناتج عن السيارات والمركبات، مقارنة باستخدام الجازولين. كما أن إنتاج الإيثانول من الأجزاء غير الصالحة للأكل من نبات الذرة قد يكون خيارًا أفضل بالمقارنة مع إنتاجه من النشا الموجود في حبيبات الذرة، والذي يمكن أن يُستخدَم بدلًا من ذلك كغذاء أو علف للحيوانات. وفي أثناء قيامنا بجولة في منشأة جديدة لمشروع ليبرتي، تقوم بإنتاج الإيثانول من السليولوز، وتقع على مقربة من منشأة تقليدية تنتج نفس الوقود من النشا الموجود في حبيبات الذرة، أخبرني بروين أنهم يعملون على ”معالجة ما يقارب 770 طنًّا يوميًّا من مخلفات الذرة -التي هي مجرد فضلات- لتحويلها إلى إيثانول“. ثم أضاف قائلًا: ”إن هذه المنشأة هي الأولى من نوعها في العالم، لذا فنحن نشعر بالإثارة والحماس“.

 

Credit: © David Biello

إن القدرة على إنتاج الوقود من مخلفات الذرة هي حصيلة ما يقارب عامين من المحاولات المستمرة، منذ افتتاح المصنع رسميًّا في شهر سبتمبر من عام 2014. ومشروع ليبرتي هو تتويج للمساعي الأمريكية لكسر احتكار النفط وكسر سيطرة قبضته على قطاع وقود النقل والمركبات لصالح الوقود الحيوي المنتج محليًّا. ومؤخرًا، سن الكونجرس الأمريكي قانونًا يُلزِم باستخدام نسبة معينة من الوقود الحيوي في المركبات داخل الولايات المتحدة، وفق أحكام البرنامج الفيدرالي لمعيار الوقود المتجدد RFS، والذي دخل حيز التنفيذ منذ عام 2005، وجعل من تطوير الوقود الحيوي أمرًا مُلزِمًا. ويولي هذا البرنامج اهتمامًا خاصًا بالوقود الحيوي الذي لا يأتي من المحاصيل الغذائية، لأن إيثانول الذرة التقليدي يأتي من حبيبات الذرة، التي يمكن أن تُستخدم أيضًا كغذاء أو علف للحيوانات. والأمل الأكبر من هذا البرنامج هو إنتاج إيثانول أنظف، وبطريقة أكثر رفقًا بالبيئة، باستخدام السليولوز، وهو الألياف النباتية التي توجد في الأجزاء غير الصالحة للأكل من النباتات، مثل أوراق الذرة وسيقانها وقشورها وكيزانها.

وتكلف تنفيذ مشروع ليبرتي، حتى وصوله إلى مرحلة التشغيل، استثمارات بلغت 275 مليون دولار على أقل تقدير، وفرتها شركة بويت POET وشريكتها الهولندية رويال دي إس إم Royal DSM، كما شملت هذه الاستثمارات منحًا من وزارة الطاقة الأمريكية وولاية أيوا. وإذا ما تم التغلب على كل العقبات، سوف يمكن للمصنع استخدام ما يقرب من 260 ألف طن متري من الأجزاء التي لا تؤكل من الذرة، لإنتاج حوالي 95 مليون لتر من الإيثانول السليولوزي كل عام. والزائر لهذا المصنع يستطيع أن يرى رزم مخلفات الذرة المنتشرة على مساحات واسعة في المناطق المحيطة بالمنشأة الجديدة، في انتظار أن يتم استهلاكها في هذه العملية الصناعية بدلًا من أن تقضي عليها الفطريات.

  مخلفات الذرة المقطعة   
Credit: © David Biello

ويعمل مشروع ليبرتي -بطريقة صناعية- لإنجاز ذات المهمة التي تقوم بها الفطريات وعمليات التحلل الأخرى بصورة طبيعية، وهي إطلاق الطاقة الشمسية التي تخزنها النباتات الخضراء. وفي بداية الأمر، تُحرَّر مخلفات الذرة من الحزم، وتُمزَّق الى أجزاء صغيرة، ومن ثم تُغسل شرائح أوراق الذرة وقطع كيزانها الخالية من الحبيبات في حامض الكبريتيك، الذي يبدأ عملية تفكيك هذه المخلفات إلى ألياف. بعد ذلك، تقوم الإنزيمات -وهي بروتينات حيوية حُررت من مضيفها الحي لتقوم بأدوار صناعية- بتفكيك هذه الألياف بدرجة أكبر، لكي ينتج حساءً حامضيًّا تجري معالجته لإزالة المياه منه. بعد ذلك تؤخذ هذه العجينة، التي تشبه الطين، وتوضع في أحواض تخمير عملاقة، حيث تقوم خميرة بمواصفات خاصة بتحويل السكريات إلى إيثانول.

في هذه المرحلة، يكون الطين ما زال محتويًا على فضلات الألياف، لا سيما اللجنين -الخيوط المتينة التي تمكِّن سيقان الذرة والنباتات من أن تقف منتصبةً وأن تقاوم التحلل وهي لا تزال على قيد الحياة- والتي تُستخدَم كوقود صناعي لمراجل المنشأة، بعد أن تُضغَط على هيئة كعك يشابه الفحم. 

المادة الخام للإيثانول السليولوزي "الطين"
Credit: © David Biello

وتلقم بقايا المخلفات الى أكبر الهاضمات الحيوية في أمريكا -وهي مفاعلات صناعية تستطيع أن تستوعب ما يقارب أربعة ملايين لتر من المخلفات التي تتعرض لعملية الهضم اللاهوائي- لكي تنتج غاز الميثان، الذي يمكن أن يستخدمه المصنع في توليد الطاقة، بحيث يستغني بذلك عن استخدام الغاز الطبيعي كوقود. ويساعد هذا الأمر على تخفيف التلوث بالغازات الدفيئة، التي تتسبب في رفع درجة حرارة كوكب الأرض، وبذات الطريقة التي يساعد بها المنتج الرئيسي للمصنع على الوصول لذات الهدف، وهو الوقود المخمَّر من المواد النباتية التي سحبت ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي خلال مراحل نموها. ويمكن أن يؤدي حرق الإيثانول السيليلوزي كوقود إلى إنتاج نسبة 10% فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الجازولين.

منتجات الذرة
Credit: © David Biello

ويُعَد وجود مصفاة متطورة للوقود الحيوي بجوار مصنع إنتاج الإيثانول من الذرة، أحدَ أسرار نجاح هذا المشروع، إذ يتم إنتاج الإيثانول من النشا الموجود في حبيبات الذرة. ويصل حجم تلك المنشأة إلى نصف حجم مصنع الوقود السليولوزي، كما أن تكلفة بنائها وتشغيلها تقل عن نصف تكلفة ذلك المصنع، وهي تنتج ضعف كمية الإيثانول. كذلك يمكن لهذه المنشأة أن تستخدم بقايا اللجنين والميثان، الناتج من عملية الهضم الحيوي في المنشأة السليولوزية، كوقود لعملية التقطير وغيرها من العمليات. وكما يخبرنا بروين: "يمكننا حرفيًّا أن نغلق صمام الغاز الطبيعي في مصنع النشا".

وفي الحقول الزراعية وأماكن أخرى من الولايات المتحدة، ثمة الكثير من المخلفات السليولوزية، ولا نعني بهذا فضلات الذرة فحسب، بل نقصد كذلك محاصيل الطاقة الأخرى من قبيل التبن، وبقايا الخشب، والمخلفات الزراعية مثل قش القمح. وتشير وزارة الطاقة الأمريكية إلى توافر 900 مليون طن متري تقريبًا من هذه المواد سنويًّا -وهي مورد متجدد يمكن أن نحصل منه على 300 مليار لتر من الإيثانول. كما أن هناك وفرة من مصانع الإيثانول التقليدية -إذ يبلغ عددها 200 مصنع تقريبًا وفق أحدث بيانات وزارة الطاقة الأمريكية- وهو ما يوجد في الولايات المتحدة وحدها. وكما يضيف بروين: "نحن نرى أن هناك فرصًا لبناء مثل هذه المصانع في كل أنحاء العالم".

 

رزم مخلفات الذرة المكدسة خارج مشروع ليبرتي
 Credit: © David Biello

وبويت POET ليست الشركة الوحيدة التي تعمل في هذا المجال، فقد افتتح عملاق الكيمياويات الزراعية دوبونت DuPont مصفاته الحيوية السليولوزية بجوار منشأة تعمل على إنتاج الوقود من النشا في مدينة نيفادا بولاية أيوا في 30 أكتوبر الماضي. ويُتوقع أن تتمكن هذه المصفاة من إنتاج ما يقارب 115 مليون لتر من الإيثانول السليولوزي سنويًّا. وفي حفل افتتاح هذا المصنع، الذي لم يعمل بكامل سعته بعد، قال حاكم ولاية أيوا، تيري برانستاد، في خطابه: ”لقد استغرق الأمر زمنًا طويلًا، لكننا فخورون بأننا تمكنا أخيرًا من الوصول إلى هذه المرحلة“.

كما أثنى السيناتور تشاك جراسلي، أحد أكبر أنصار الإيثانول، وأحد مهندسي البرنامج الفيدرالي لمعيار الوقود المتجدد RFS، قائلا: ”سوف يتم إنتاج ثلاثين مليون جالون من الوقود الحيوي دون استهلاك مكيال إضافي واحد من الذرة“. كما أردف قائلًا: ”لقد أنجزتم ما كان الكونجرس يأمل في تحقيقه: وقود حيوي جديد أكثر نظافةً، ورفقًا بالبيئة، وأكثر كفاءة“.

مصفاة دوبونت الحيوية للإيثانول السليولوزي في أيوا
Credit: Courtesy of DuPont

لكن افتتاح منشأة دوبونت الجديدة تزامن مع إغلاق نفس الشركة لمصفاتها السليولوزية في ولاية تينيسي. غير أن جان كونيكس، مدير الأعمال التجارية العالمية لقطاع الوقود الحيوي في دوبونت، أخبر مجلة سينتفك أمريكان، في بيان عبر البريد الإلكتروني، أن ”دوبونت لا تزال ملتزمة بالتسويق التجاري للوقود الحيوي المستخلص من السليولوز، لكنها سوف تركز جهودها في هذا المضمار على مصنعها الكائن في ولاية أيوا“.

ويبدو أن العقبة الرئيسية التي تقف في وجه الوقود السليولوزي هي عقبة اقتصادية. ففي شهر أبريل من عام 2012، أنتجت شركة بلو شوجرز كورب Blue Sugars Corp.، في ولاية داكوتا الجنوبية، أول دفعة من الإيثانول السليولوزي، زاد حجمها قليلًا على 75500 لتر، ثم سرعان ما توقفت عن العمل. وفي عام 2013، لم يتم إنتاج أي مقدار من الإيثانول السليولوزي، لكن في العام الماضي -وبعد بداية دخول عدد من المشروعات التي مولتها وزارة الطاقة طور التشغيل والإنتاج- أنتجت خمس مَصافٍ منها ما مجموعه 8.3 ملايين لتر من الإيثانول السليولوزي، وفق وكالة حماية البيئة الأمريكية، وهي الجهة المنوط بها إدارة البرنامج الفيدرالي لمعيار الوقود المتجدد RFS. وفي الوقت الحالي، يقف مصنع الإيثانول السليولوزي، والذي أقامته الشركة الإسبانية متعددة الجنسيات أبينجوا Abengoa- وافتُتح في عام 2014 في بلدة هوجوتون بولاية كنساس، عاطلًا عن العمل بسبب المشكلات الفنية وكذلك إفلاس الشركة. واستهلك هذا المصنع قرضًا بقيمة 132 مليون دولار، بالإضافة الى منحة من وزارة الطاقة الأمريكية بقيمة 97 مليون دولار، قبل أن يتوقف عن العمل.

مصنع أبينجوا السليولوزي المتوقف عن العمل في كنساس
Credit: © Bill Kubota

ويمكننا القول ببساطة إن تكلفة إنتاج الإيثانول السليولوزي تفوق تكلفة إنتاج الإيثانول من نشا الذرة أو قصب السكر، ويعد الأخير ثاني أكبر مصادر وقود الإيثانول الحيوي في العالم. وكما يقول بروين: ”إن كل شيء هنا مكلف لأنه غير مسبوق“، ويردف بالقول: ”إن المصنع التالي سوف يكون أرخص بكثير“.

الإيثانول السليولوزي: له رائحة أسوأ بكثير مما ينم عنه شكله
Credit: © David Biello

وبشكل أساسي، يصعب نقل الألياف والرواسب عبر منشأة صناعية من دون أن يتسبب ذلك في حدوث أعطال. فمخلفات الذرة التي وصلت الى منشأة شركة بويت للسليولوز احتوت على ثلاثة أو أربعة أضعاف مقادير الرمل والحصى التي توقعها المهندسون، الأمر الذي تسبب في خراب كبير للمضخات والصمامات والمعدات الأخرى.

ويقول بروين إنهم ”اضطروا إلى إجراء مئات التغييرات الصغيرة في عملية التصنيع“، بما في ذلك الغسل الشامل لمخلفات الذرة بعد تحريرها من رزمها. كما اضطرت الشركة إلى إجراء تغييرات أكبر، مثل استخدام رافعات كبيرة لفتح بعض المباني بغية الاستبدال ببعض المعدات.

مخلفات الذرة عن قرب
 Credit: © David Biello

غير أن بروين يذكر أيضًا أن الإيثانول المستخلص من الذرة واجه العقبات ذاتها في أثناء صعود نجمه في العقود الماضية. ومن المبشر أن يتم إنتاج الإيثانول السليولوزي الآن بكميات مجدية في مشروع ليبرتي، وكما يضيف بروين قائلًا: ”نقوم الآن بشحن الإيثانول السليولوزي، وشحناتنا تملأ عربات القطارات“.

ويعد ذلك أمرًا جيدًا، لأن وكالة حماية البيئة الأمريكية تطالب بإنتاج ما يقارب 1.2 مليار لتر من الوقود الحيوي المشتق من السليولوز، بحلول عام 2017، لكي تستوفي أحكام البرنامج الفيدرالي لمعيار الوقود المتجدد RFS. وعلى الرغم مما سبق، تظل كميات الإيثانول السليولوزي أقل مما توقعه صانعو القوانين من أمثال جراسلي؛ إذ هدف هؤلاء الى أن يصل إنتاج هذا النوع من الإيثانول الى 11 مليار لتر في العام بحلول عام 2007، وحينما لم يتحقق ذلك، قررت وكالة حماية البيئة أن إنتاج 465 مليون لتر من الإيثانول السليولوزي في عام 2015 أصبح هدفًا ملزمًا، لكن 8.3 ملايين لتر فقط هي التي وجدت طريقها إلى إمدادات الوقود الوطني. ولذلك، فإنه يتم التحصل على ما يقارب 57 مليار لتر من وقود الإيثانول من حبوب الذرة، رغم المخاوف المصاحبة لذلك بخصوص الممارسات الزراعية الصناعية وتلوث المياه وزيادة أسعار الغذاء.

مستقبل فليكس-فيول؟
Credit: © David Biello

وفي افتتاح مصنع دوبونت، في أكتوبر الماضي، صرح جراسلي لمجلة سينتفك أمريكان: ”إن كل ما يرتبط بإنتاج الإيثانول هو أمر جيد، وليس هناك أمر سيئ هنا. فإنتاج الإيثانول يصب في مصلحة الزراعة، وهو أمر مفيد لصحة البيئة، وجيد للتنمية الاقتصادية في المجتمعات الريفية“. وأردف قائلًا: ”سوف نبرهن على أننا نستطيع أن ننتج الغذاء والوقود الى الأبد. وأنه لا داعيَ للقلق حول الاختيار بين الاثنين“.

وقد يثبت أن الجمع بين المصافي الحيوية السليولوزية للإيثانول مع نظيرتها التي تعتمد على النشا هو أفضل خيار من الناحية الاقتصادية، لكن هذه الازدواجية تعني فشل هدف التقليل من كميات الإيثانول المنتجة من الذرة بدلًا من أن يحل الإيثانول السليولوزي محل الإيثانول المشتق من الذرة، فقد ينتهي به الأمر كمدعم ومعزز له.

الإيثانول المشتق من حبيبات الذرة، من الكثير والكثير منها
Credit: © David Biello

وبغض النظر عما سبق، فإن طموحات صناعة الإيثانول تفوق سقف مشروع ليبرتي وأقرانه، أو حتى مجرد إنشاء مئات من المنشآت التقليدية للإيثانول؛ إذ يأمل هذا القطاع أن يصل إنتاجه في يوم ما إلى 570 مليار لتر في العام، ويتضمن ذلك مساهمة كبيرة من السليولوز، وفق قول بروين، الذي يذكر أنه ”يوجد سوق كبير نود أن نحل محله-وأقصد بهذا سوق الجازولين“. كما يضيف قائلًا: ”إنه يمكننا ببساطة أن نتوسع في إنتاج هذا الإيثانول بحيث نتحرر من قيود الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكن الناس، ببساطة، لا يفهمون هذا الأمر“.

لكي تتعلم المزيد عن الإيثانول -السليولوزي وغيره- عليك بمتابعة برنامج "تأثير الإيثانول"، والذي سيُعرض على قناة بي بي إس PBS الأمريكية هذا الخريف، من تقديم ديفيد بيلو.